كل عام، وبانتظام يكاد يكون ميقاتيًا، يبدأ الفيديو ذاته من جديد.
خروف يُفلت من يد صاحبه في شارع مكتظ، تنطلق خلفه مطاردة بشرية مُضحكة، وكاميرات الهواتف تُلاحق المشهد من كل زاوية.
الفيديو ينتشر، يُعاد تداوله، يُعلَّق عليه بألف تعليق، ثم يجيء فيديو آخر من بلد مجاور، وآخر من مدينة لا يعرفها أحد، وهكذا حتى تصير مطاردة الأضاحي الهاربة واحدة من أثبت" الترندات" الموسمية في المحتوى العربي على الإطلاق.
ولم تعد مقاطع" هروب الأضاحي" حوادث عابرة تُروى في جلسات العيد فقط بل صارت موسمًا رقميًا شبه ثابت، ينتظره مستخدمون، تتناقله صفحات، وتعيد المنصات تدويره كل عام كجزء من طقوس العيد الحديثة.
كأن للخروف الهارب موعدًا سنويًا مع الكاميرا، وكأن المطاردة الصغيرة صارت مشهدًا جانبيًا لا يقل حضورًا في السوشال ميديا عن صور الموائد والمعايدات وصلاة العيد.
في العادة، لا ينتمي مشهد الأضحية إلى الشارع العام إلا على هامش العيد.
مكانه التقليدي السوق، الحظيرة، البيت، المسلخ، أو الحي.
لكن لحظة الهروب تقلب ترتيب المشهد.
فجأة، يصبح الشارع كله جزءًا من الحدث: السيارات تتوقف، المارة يلتفتون، أصحاب المحال يخرجون، الأطفال يركضون خلف الضجة، والهواتف ترتفع تلقائيًا.
هذا التحول السريع من يوم عادي إلى مسرح عابر هو ما يمنح المقاطع طرافتها الأولى.
فالمشهد غير مخطط، ولا يمكن التحكم به، ولا يعرف أحد كيف سينتهي.
في زمن باتت فيه معظم الصور مرتبة ومفلترة ومختارة بعناية، تأتي مطاردة خروف في شارع مزدحم كاختراق صغير للعادي والمصنوع معًا.
لكن لماذا تحديدًا؟ ما الذي يجعل هذا المشهد البعيد عن الأناقة قابلًا للانتشار بهذا الشكل؟ الإجابة لا تكمن في الخروف، وإنما في ما يمثّله الموقف: مفاجأة تُكسر فيها خطط المشهد الرسمي للعيد.
الأضحية التي يُفترض أن تكون حدثًا هادئًا ومُرتَّبًا تُقرر فجأة أن تكون شيئًا آخر، وفي هذا الكسر يكمن الضحك كله.
والخوارزميات تعرف هذا جيدًا.
المحتوى الذي يجمع الحيوانات والدراما والضحك والاعتراف الجماعي، " هذا حدث معنا أيضًا"، هو بالضبط النوع الذي تُكافئه منصات التواصل الاجتماعي بالانتشار.
وحين يتعلق الأمر بالعيد، تُضاف طبقة إضافية: الذاكرة المشتركة.
كل من شاهد خروفًا يهرب في طفولته يشعر بشيء يشبه التعرف، وكل من لم يشهد ذلك يتمنى لو كان هناك.
لكن ثمة وجه آخر لهذه الظاهرة يستحق التأمل.
الكاميرا التي تُلاحق الخروف الهارب لا تُلاحق الخروف فحسب، وإنما تُوثّق لحظة قلب مؤقت للأدوار: الإنسان الذي اعتاد أن يكون في موضع السيطرة يجري لاهثًا خلف حيوان لا يفهم ما المطلوب منه.
في هذا القلب العابر شيء يُضحك لأنه يُعري، وشيء يُريح لأنه ينفّس عن توتر احتفالي خفي.
وربما كان الفرق الأكبر بين الماضي والحاضر ليس في هروب الأضاحي نفسه، إنما في وجود الكاميرا الدائمة.
قبل سنوات، كان الهروب حادثة محلية، يتداولها أهل الحي أو العائلة.
واليوم، يكفي أن يرفع شخص هاتفه في اللحظة المناسبة حتى يصبح المشهد عربيًا، وربما عالميًا، خلال ساعات.
بهذا المعنى، لم تعد الكاميرا تراقب العيد من خارجه.
صارت جزءًا من طقوسه.
كما تُصوَّر الملابس الجديدة، والموائد، والمعايدات، وصلاة العيد، تُصوَّر أيضًا الفوضى الصغيرة التي ترافقه.
وما كان يُعد موقفًا محرجًا أو متعبًا لأصحابه، قد يتحول رقميًا إلى مادة ترفيهية واسعة الانتشار.
هذه العلاقة بين العيد والكاميرا تكشف تحوّلًا أوسع: لم نعد نعيش المناسبة فقط، إنما نوثقها ونحن نعيشها.
نلتقط لحظات الفرح، والارتباك، والطعام، والزيارات، وحتى الخلل.
وفي بعض الأحيان، يصبح ما لم يكن مقصودًا أكثر انتشارًا مما جرى التحضير له.
صورة المائدة قد تمر بهدوء، لكن خروفًا يقطع الطريق في لحظة غير متوقعة يمكن أن يتحول إلى ترند.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك