دخل ملف شبهات التدخّل الأجنبي في الانتخابات البلدية الأخيرة في فرنسا منعطفاً قضائياً جديداً، يوم الأربعاء الماضي، مع إعلان النيابة العامة في باريس فتح تحقيق رسمي لتحديد ما إذا كانت حملات تضليل قد استهدفت فعلاً مرشحين من حزب" فرنسا الأبية" (أقصى اليسار) خلال الاستحقاق الانتخابي الذي جرى في مارس/آذار الماضي.
ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد الجدل السياسي والإعلامي حول الدور المحتمل الذي لعبته جهات إسرائيلية في حملة التضليل هذه.
ويأتي التحقيق بعد تحذيرات أولية أصدرتها في مارس/آذار الماضي هيئة" فيجينوم" المختصة بمراقبة التضليل الرقمي، والتي رصدت نشاطاً وُصف بأنه منسّق ويستهدف التأثير على النقاش الانتخابي عبر حسابات ومواقع مشبوهة ومعلومات وصور مفبركة، في إطار حملات تضمنت تشهيراً بثلاثة من مرشحي حركة" فرنسا الأبية" اليسارية، هم فرنسوا بيكمال في تولوز، وسيباستيان دولوغو في مرسيليا، ودافيد غيرو في روبيه.
في هذا السياق، التقت" العربي الجديد" النائب في الجمعية الوطنية فرنسوا بيكمال، الذي وجّه مع محاميه، يوم الأربعاء الماضي، رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو يطالبه فيها بتزويده بما تملكه الحكومة من معلومات حول الموضوع" في غضون 48 ساعة".
وكان بيكمال قد خسر الانتخابات المحلية الأخيرة في تولوز أمام رئيس البلدية اليميني جان لوك مودانك، وقدم طعناً في نتائج الاستحقاق أمام المحكمة الإدارية في تولوز، معتبراً أن حملته تعرضت لسلسلة من عمليات التشويه والتضليل المنسقة عبر الإنترنت.
وفي هذه المقابلة، يتحدث النائب الفرنسي عن تفاصيل ما يعتبرها حملة تضليل منظمة يَشتبِه في أن تكون وراءها جهات قريبة من الحكومة الإسرائيلية.
وجّهت عبر محاميك رسالة إلى رئيس الوزراء للمطالبة بنشر التقارير المتعلقة بحملة التضليل التي تعرضت لها (خلال الانتخابات البلدية الأخيرة في مارس الماضي).
ما الذي تنتظره من الحكومة الفرنسية؟نطالب ببساطة بالكشف عن التقريرين ووضعهما أمام الرأي العام: تقرير اللجنة الجمهورية لحماية الانتخابات، وتقرير وكالة فيجينوم (المختصة بمراقبة التضليل الرقمي).
هذان التقريران، إن نشرا كاملين، فسيوفران تفاصيل وافية عن عمليات التدخل، وسيكشفان أيضاً عما يستوجب مزيداً من التحقيق.
بيكمال: تمّ نشر كلمات مرور حساباتي على الشبكات الاجتماعية وعنوان سكني، ثم توظيفها لنشر ادعاءات تشهيريةفي هذا السياق، أعلنت النيابة العامة في باريس فتح تحقيق قضائي.
هل ترى في ذلك مؤشراً على أن القضية باتت تعامَل بجدية؟هذا مؤشر إيجابي بالتأكيد.
لكن المشكلة تكمن في ضرورة أن تمتلك الجهة التي تقوم بالتحقيق الأدوات الكافية لمباشرة عملها فعلاً والكشف عن الجهات التي أوعزت بهذه الهجمات وكل عمليات التضليل التي جرت خلال الانتخابات.
كيف تجلّت هذه الحملة على أرض الواقع؟ ما الذي تعرضت له أنت شخصياً؟ثمة ثلاث مراحل متمايزة، تتوافق في تقديري مع تدخّل بنى أو تيارات مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية.
الأولى هي ما كشفته وكالة فيجينوم: نشر كلمات مرور حساباتي على الشبكات الاجتماعية وعنوان سكني على مواقع الإنترنت، ثم توظيف تلك الحسابات لنشر ادعاءات تشهيرية.
المرحلة الثانية كانت في 19 مارس، خلال حفل إحياء ذكرى ضحايا اعتداءات تولوز، حيث بدا أن رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (يوناثان آرفي) قد قام بتدبير ما جرى، وفق ما أفاد عدد من الصحافيين، وما جرى هو إطلاق حاضرين في المناسبة شعارات مسيئة تستهدفني بالتوازي مع إطلاق شعارات مؤيدة لإسرائيل.
أما المرحلة الثالثة، فكانت إعلانات مزيفة بُثّت على نطاق واسع في عشرات المواقع عشية الجولة الثانية من الانتخابات البلدية.
ولا تزال هوية مَن موّل هذه الإعلانات مجهولة، لكن الأكيد أن الإعلانات كلّفت مبالغ كبيرة، يمكن تقديرها بعشرة آلاف يورو على الأقل.
لا بد من التقصي للوصول إلى هوية الممولين.
لكن في ضوء تسلسل الأحداث، تبقى الفرضية الأرجح اليوم أن الأمر مرتبط مجدداً بعمليات تدخّل أجنبي، لكن يتعين على القضاء إثبات ذلك.
تتحدث وسائل إعلامية فرنسية عن دور لشركة" بلاك كور"، ومقرها تل أبيب.
هل هي الجهة التي تشتبه بها عندما تتحدث عن جهات مرتبطة بإسرائيل؟هناك" بلاك كور"، وهناك أيضاً" إل نيت"، التي ثبت تورطها بصورة أو بأخرى في هذه القضية.
والأمر اللافت أن مدير" إل نيت" في فرنسا ليس سوى الرئيس السابق لمجلس المؤسسات اليهودية في تولوز، الذي دعا علناً إلى التصويت لخصمي في الانتخابات، جان لوك مودانك، وكشف عما يعتقده حول قائمتنا الانتخابية.
هذا موثق بتسجيل مصور.
هل تلقيت دعماً من الحكومة أو من مسؤولين في الدولة؟ هل تواصلت معك وكالة فيجينوم، أو وزارة الداخلية، باعتبارها معنية بصون نزاهة الانتخابات؟ثمة أمران مختلفان ينبغي التمييز بينهما.
أولاً، أود أن أتوجه بالشكر إلى العاملين في الدولة الذين تفاعلوا بسرعة وقاموا برصد التدخلات الأولى، وهم يؤدون عملهم بشكل سليم في رأيي.
أما من الحكومة، فلا شيء على الإطلاق، لم أتلق أي تواصل أو استفسار.
لكنني ألاحظ أن عدداً متزايداً من الناس باتوا يدركون طبيعة الهجمات وأساليب التلاعب التي جرت.
ما الذي يدفع جهة ما إلى استهدافك تحديداً؟الهدف كان إضافة طبقة جديدة من الهجمات والمعوقات على حظوظنا في الجولة الثانية من الانتخابات التي كانت، أساساًَ، مليئة بالتحريض وبالمعلومات الكاذبة.
لفهم الأمر، تخيل نفسك ناخباً عادياً ولا اطلاع كبيراً لك على السياق السياسي، ما يعني أنك تلتفت إلى الانتخابات في اللحظة الأخيرة.
وحينها، تفتح موقعاً إخبارياً محلياً أو صحيفة ورقية محلية وترى أخباراً وإعلانات مزيفة حول مرشح ما.
كيف يمكنك حينها أن تثق بهذه المرشح وبمصداقيته؟ هذا ما حدث معنا.
هل تعتقد أن ذلك أسهم في هزيمتك في الجولة الثانية؟لا شك في ذلك.
يصعب قياس التأثير الفعلي لحملة التضليل بدقة، لكن حين تُبث هذه الإعلانات على مواقع وتطبيقات مثل" كاندي كراش" و" فينتيد"، ومواقع الرهانات الرياضية، وحتى مواقع قواميس على شبكة الإنترنت، إضافة إلى صحف ومواقع محلية في تولوز ومحيطها، ويشاهد آلاف الناس كل هذه المعلومات الكاذبة، فإن هذا يرسم بكل تأكيد صورة سلبية لا تلعب أي دور في مصلحتك، بل على العكس.
كيف تفسر أن السياسيين الثلاثة الذين جرى استهداف حملاتهم ينتمون جميعاً إلى" فرنسا الأبية"؟لأننا الحركة الوحيدة التي لها موقف صريح من الحكومة الإسرائيلية، هذا كل ما في الأمر.
ما يبدو استثنائياً في فرنسا، أي موقفنا من سياسات إسرائيل، ليس استثنائياً في دول مثل إسبانيا وبلجيكا وأيرلندا وإيطاليا، حيث يتفق الجميع على إدانة ما يرتكبه بنيامين نتنياهو.
في فرنسا الأمر أكثر تعقيداً.
هل لجأت إلى القضاء أو تقدمت بشكاوى؟نعم، ثمة طعن بإلغاء نتيجة الانتخابات يتعين على القضاء البت فيه قبل نهاية يونيو/حزيران المقبل.
ولهذا يحتاج القضاء إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات، وهو ما يفسر مطالبتنا برفع السرية عن التقارير التي تحجبها الحكومة.
كما تقدمت بشكاوى عن كل تهديد بالقتل تلقيته وكل عملية تدخل رُصدت.
بيكمال: الاهتمام الإعلامي الواسع بالموضوع يُجبر الحكومة على الاستجابة، لكن الانطباع العام هو أن ثمة نية في عدم التحركهل تعتقد أنه إذا نجح الطعن قد تُعاد الانتخابات؟إذا قررت المحكمة ذلك فنعم، هذا ما سيجري.
لكنها قضية بالغة التعقيد.
لو سألتني قبل شهرين لقلت لك إن حظوظ البتّ في الطعن لصالحنا ضئيلة جداً.
لكن القضية باتت تأخذ أبعاداً غير مسبوقة: صحيفة" هآرتس" الإسرائيلية نفسها تكشف أن عملاء سابقين في الاستخبارات الإسرائيلية تورطوا في هذه القضية، فضلاً عن المدير السابق للأمن السيبراني الإسرائيلي.
الجميع مصدوم من الحجم الذي بلغته هذه الحملة التشهيرية.
هل تخشى أن تقوم الحكومة الفرنسية بالتعتيم على هذه القضية ودفنها؟واضح أن الحكومة لا تبدو في عجلة من أمرها، هذا أقل ما يمكن قوله.
غير أن الاهتمام الإعلامي الواسع بالموضوع يُكرهها على الاستجابة ولو في بعض المسائل.
لكن الانطباع العام اليوم هو أن ثمة نية في عدم التحرك.
هل قارنت هذا الموقف بما فعلته الحكومة إزاء التدخلات الروسية في انتخابات فرنسية سابقة؟بالتأكيد.
أعتقد أن الاختلاف في ردة الفعل هنا وهناك يعود إلى التوجه الجيوسياسي للحكومة الفرنسية.
ففي أسوأ الأحوال هي متواطئة مع إسرائيل، وفي أحسن الأحوال تقف منها موقف المتفرج.
لهذا، كنت أعتقد أنه سيجري استدعاء السفير الإسرائيلي في باريس وطلب توضيحات منه، لكن ذلك لم يحدث.
كيف يتعامل معك خصومك في المجلس البلدي بمدينة تولوز؟ هل تطرّق أحد المنتخبين منهم إلى موضوع التضليل أو قدم أي توضيحات؟لا، على الإطلاق.
موقفهم هو التهوين من القضية والتقليل من شأنها.
من البديهي أنهم لا يريدون لهذه المعلومات أن تتسرب إلى الرأي العام، لأن ذلك يطعن في شرعية انتخابهم ذاتها.
ويظهر ذلك جلياً في تصرفاتهم، فهم يبدون مرتبكين جداً، لأنهم يدركون أن ما جرى كان قذراً، إن جاز التعبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك