يتربع المتحف العمومي الوطني للآثار القديمة والفنون الإسلامية في قلب العاصمة الجزائرية بوصفه أحد أعرق وأكبر المتاحف في البلاد، إذ يضم مجموعات أثرية وفنية نادرة توثق تاريخ الجزائر عبر مختلف العصور والحضارات التي مرت على أراضيها.
وتعود بدايات هذا الصرح الثقافي إلى عام 1835، حين أصدر المارشال كلوزيل، الحاكم العام للجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي، قرارًا بجمع القطع الأثرية المكتشفة وحفظها في مكان واحد بمنطقة القصبة السفلى في ساحة الشهداء.
وبعد ذلك بثلاثة أعوام، عُيّن الباحث وعالم الآثار الفرنسي أدريان بيربروغر أول أمين للمتحف، قبل أن يستقر المتحف في مقره الحالي بحديقة الحرية منذ عام 1897، حيث لا يزال يستقبل الزوار والباحثين حتى اليوم.
يضم المتحف جناحين رئيسيين؛ الأول مخصص للآثار القديمة ويحتوي على مجموعات متنوعة من العملات التاريخية، بينها عملات تعود إلى الملك ماسينيسا والملك يوبا الثاني، إضافة إلى تماثيل ونقوش وقطع أثرية تعود إلى الفترات النوميدية والرومانية والمسيحية.
أما الجناح الثاني، فيُعنى بالفنون الإسلامية، ويضم مخطوطات ومسكوكات وسيوفًا ومجوهرات وتحفًا فنية تمثل مختلف المراحل التاريخية التي عرفتها الجزائر ومنطقة شمال إفريقيا منذ الفتوحات الإسلامية وحتى العصر الحديث.
ويؤكد القائمون على المتحف أن المجموعات المعروضة جرى تنظيمها وفق رؤية متحفية تتيح للزائر فهم السياق التاريخي لكل قطعة، من خلال مسار يربط بين التحف والحقب التي تنتمي إليها.
عام 2003 أُعيد تنظيم المعروضات عبر فصل مقتنيات الآثار القديمة عن مقتنيات الفنون الإسلامية، بعدما كانت جميعها تُعرض في جناح واحد، ليصبح لكل قسم فضاؤه الخاص الذي يبرز خصوصيته التاريخية والحضارية.
ويأخذ جناح الفنون الإسلامية الزائر في رحلة عبر دول وسلالات حكمت المنطقة، بدءًا من الدولة الرستمية والفاطمية والزيرية والحمادية، مرورًا بالمرابطين والموحدين والزيانيين والحفصيين والمرينيين، وصولًا إلى العهد العثماني الذي امتد لأكثر من ثلاثة قرون، ثم فترة الاحتلال الفرنسي والمقاومات الشعبية التي رافقته.
ولا تقتصر مقتنيات المتحف على الآثار التاريخية، بل تشمل أيضًا أعمالًا فنية وزخرفية لفنانين جزائريين بارزين، من بينهم محمد راسم، وعمر راسم، ومحمد تمام، ومصطفى بن دباغ، الذين أسهموا في توثيق الهوية الفنية والثقافية للجزائر بعد الاستقلال.
كما يستعد المتحف لافتتاح قاعة جديدة مخصصة للمسكوكات الإسلامية، ستعرض مجموعات من العملات التاريخية التي تعكس تطور الحياة الاقتصادية والسياسية في المنطقة عبر قرون متعاقبة.
وبما يختزنه من شواهد أثرية وفنية، يواصل المتحف العمومي الوطني للآثار القديمة والفنون الإسلامية أداء دوره في حفظ الذاكرة التاريخية للجزائر وتعريف الأجيال المتعاقبة بموروثها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك