بالتوازي مع تصعيد إسرائيل غاراتها على جنوب لبنان، ولا سيما على مدينتي النبطية وصور، واستهدافها الضاحية الجنوبية لبيروت أمس الخميس للمرة الثانية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 17 إبريل/نيسان الماضي، برز سدّ القرعون في واجهة التطورات الميدانية مع تكثيف الغارات الإسرائيلية على منطقة البقاع الغربي ومحيط السدّ والطرق المحاذية له.
ودفع ذلك المصلحة الوطنية لنهر الليطاني إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المنشأة، شملت إعلان محيط السدّ منطقة عسكرية مغلقة.
وزاد المخاوف من استهداف سدّ القرعون زعم جيش الاحتلال أمس الخميس أن عدداً من عناصر حزب الله رُصدوا في وقت سابق من هذا الأسبوع وهم يحاولون المساس بنشاطه، وقد تمّت مهاجمتهم، ملوّحاً إلى أن استهداف السدّ" من شأنه أن يؤدي إلى ضرر بالغ باقتصاد دولة لبنان والدولة اللبنانية نفسها"، التي عليها، حسب تعبيره، " مسؤولية حماية البنى التحتية الوطنية ومنع استغلالها لأغراض إرهابية من قبل حزب الله".
وحذّر حزب الله مساء أمس من أن" تكون هذه الادعاءات والذرائع المفبركة تمهيداً لاعتداء إسرائيلي جديد يستهدف سدّ القرعون أو محيطه، أو يستهدف المنشآت المدنية والحيوية في لبنان"، واضعاً" هذه التهديدات برسم المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، التي باتت مطالبة بكسر صمتها إزاء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وبناه التحتية".
ويُعدّ سدّ القرعون من أهم المنشآت والمرافق الحيوية، ويمثل ركناً أساسياً مائياً وكهربائياً وزراعياً، إذ إنه أقيم على نهر الليطاني الأطول والأكبر في لبنان، إذ يبلغ طوله 170 كلم، وقدرته المائية تبلغ تقريباً 750 مليون متر مكعّب سنوياً، وأقيمت عليه المشاريع والدراسات للاستفادة منه في إنتاج الطاقة الكهرومائية وتأمين مياه الري والشرب للبقاع والجنوب والساحل، بهدف تنمية القطاع الزراعي والكهربائي، وللحدّ من النزوح والهجرة.
وعلى أثر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت محيط سدّ القرعون في 26 مايو/أيار، سارعت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني إلى اتخاذ سلسلة إجراءات وتدابير والتحرّك على أكثر من خطّ لبناني ودولي من أجل تأمين حماية السدّ، محذّرة من أن" أي استهداف مباشر أو غير مباشر للسدّ أو منشآته قد يؤدي إلى مخاطر كارثية على السكان والبنى التحتية والمنشآت الحيوية في المناطق الواقعة أسفل السدّ، نظراً لما يمثله السدّ من منشأة مدنية استراتيجية ترتبط بالأمن المائي والطاقة والري في لبنان".
كذلك، في خطوة نادرة جداً تقوم بها مؤسسة رسمية منذ بدء العدوان على لبنان، سارعت المصلحة إلى توثيق الأضرار والمخاطر الناجمة عن الغارات في محضر قضائي رسمي، مطالبة بتدخل دبلوماسي عاجل لتحييد السدّ عن أي اعتداءات، خاصة أن السدود تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يحظّر استهدافها، وهو ما أكده رئيس مجلس إدارة المصلحة سامي علوية لـ" العربي الجديد".
وأفادت مصلحة الليطاني في المحضر بأنّ المحيط تعرّض لبعض الأضرار الناتجة من الشظايا المتطايرة من الصخور والأحجار على المنشأة العائدة لسدّ القرعون، ما أدّى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق وتضرّر بعض الكابلات الكهربائية وقسم من التابلوهات وتضرر بعض الأعمدة الكهربائية الموجودة في قلب المنشأة.
وقال علوية إنه" تواصل مع الرئيس جوزاف عون، وجرى التنسيق مع الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية المختصة لاتخاذ إجراءات استثنائية لحماية المنشأة، كما تواصل لهذه الغاية مع رئيس الحكومة نواف سلام ووزارة الطاقة، وحصلت اتصالات عبر الجهات المختصة من خلال لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية (ميكانيزم) مع الولايات المتحدة، بهدف التحذير من خطورة أي أعمال عدائية أو غارات في محيط السدّ".
ولفت علوية إلى أن" القرار اتُّخذ بإقفال الطريق المؤدية إلى السدّ بالكامل، ومنع التجمّعات والأنشطة في محيطه، وإعلان منطقة السدّ منطقة عسكرية مغلقة حفاظاً على السلامة العامة وحماية المنشآت الحيوية، وذلك لسحب أي ذريعة أيضاً لاستهدافه"، مشيراً إلى أن سدّ القرعون لم يُستهدَف في السابق.
ووجّهت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني كتاباً إلى محافظ البقاع القاضي كمال أبو جودة، طلبت فيه اتخاذ تدابير عاجلة لمنع المرور والتجمعات ضمن استملاكات المصلحة في محيط سدّ القرعون، والتنسيق مع بلدية القرعون والقوى الأمنية المختصة لمنع ارتياد المقاهي والنقاط السياحية والمرافق الترفيهية الواقعة ضمن النطاق المحيط بالسدّ، وذلك حفاظاً على السلامة العامة وحماية السدّ والمنشآت المائية المرتبطة به من أي مخاطر محتملة.
وعلى الخطّ الدولي، وجّه علوية رسالة شديدة اللهجة إلى عبد العزيز الملا، المدير التنفيذي في مجموعة البنك الدولي، أحاطه فيها علماً" بالاعتداءات التي طاولت محيط سدّ القرعون والطرق المحاذية له، وما تشكله هذه الأعمال من مخاطر جدية على منشأة مائية حيوية واستراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والطاقة والري والسلامة العامة في لبنان".
وأرفق علوية تصوراً أعدّته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ضمن برنامج دعم إدارة حوض نهر الليطاني، حول سيناريوهات مخاطر انهيار سدّ القرعون والمناطق المعرّضة للفيضانات المحتملة في حال حصول أي خلل إنشائي أو استهداف مباشر للسدّ، وما قد يترتب على ذلك من تهديد واسع للسكان والبنى التحتية والمنشآت الحيوية في المناطق الواقعة أسفل السدّ.
كما لفت في رسالته إلى أن عدداً من المشاريع المموّلة من البنك الدولي ترتبط بصورة مباشرة بسلامة سدّ القرعون واستمرارية تشغيل منشآته، ولا سيما مشروع جرّ مياه الأولي إلى بيروت، إضافة إلى مشروع تأهيل معامل الليطاني ضمن مشاريع الطاقة المتجددة، الأمر الذي يجعل أي تهديد للسدّ أو منشآته تهديداً مباشراً لاستمرارية هذه المشاريع الحيوية وأهدافها التنموية والإنمائية.
وختم علوية رسالته: " نتطلع إلى دعمكم ومتابعتكم لهذا الملف على المستويين التقني والدولي، بما يساهم في تحييد سدّ القرعون ومنشآت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني عن أي اعتداءات، باعتبارها منشآت مدنية حيوية يحظر استهدافها بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف".
وبحسب" المفكرة القانونية"، فإن التوثيق القضائي الذي تقدّمت به المصلحة الوطنية لنهر الليطاني يسهم في تثبيت الأضرار التي نتجت من الاعتداءات الإسرائيلية، ويمنحها أيضاً قوّة ثبوتية تصمد أمام المراجع القضائية والرسمية، سواء في لبنان أو في دول أجنبية أو أمام مؤسسات الأمم المتّحدة.
ويكتسي التوثيق أهمية خاصة مع احتمال قدوم بعثة من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لتوثيق انتهاكات القانون الدولي الإنساني في لبنان.
وتلتقي هذه الخطوة مع توصيات المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء موريس تيدبال-بينز، الذي حثّ النيابات العامّة، خلال زيارته إلى لبنان في أكتوبر/تشرين الأول 2025، على فتح تحقيقات جنائية بموجب قانون العقوبات في الاعتداءات الإسرائيلية، وذلك من أجل المحافظة على الأدلّة ومنع فقدانها أو العبث بها.
كما تلتقي مع توصيات منظمات حقوقية، من ضمنها" المفكرة القانونية"، إلى السلطات اللبنانية بضرورة تطوير الجهود الوطنية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية، لا سيما من خلال إجراء تحقيقات قضائية تحت إشراف القضاء العدلي، وتوفير الموارد والتدريبات اللازمة لإنجازها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك