أثارت ثورة الذكاء الاصطناعي خلال العامين الأخيرين خوفًا واسعًا من تحوّله إلى بديل مُباشر عن البشر في سوق العمل، مع اندفاع شركات كبرى لاستخدامه في مهام كانت تعتمد على الموظفين.
وتسبب هذا الأمر في موجات تسريحٍ واسعة قدّرت تقارير حجمها بين 5 و10 آلاف وظيفة شهريًا العام الماضي في قطاعات أميركية عدة، وأكثر من 49 ألف وظيفة منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية أبريل/ نيسان.
لكن هذه الموجة بدأت تفقد زخمها لصالح البشر، بعد اصطدامها بما وصف بـ" صدمة تكلفة الذكاء الاصطناعي".
صعوبة التعامل مع الجانب الإنسانيوظهر هذا التحوّل بوضوح في تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة" أوبن إيه آي" سام ألتمان، خلال مقابلة افتراضية مع بنك الكومنولث الأسترالي في مؤتمر بمدينة سيدني.
وبعدما كان يتحدث مرارًا عن احتمال اختفاء فئات كاملة من الوظائف، خاصة الوظائف المكتبية، بسبب الذكاء الاصطناعي، قال ألتمان إنّ" حدسه كان خاطئًا" وإنّه “سعيد بذلك”، موضحًا أنّ" الجانب الإنساني" في العمل والتفاعل بين الناس ما زال من الصعب على الذكاء الاصطناعي أن يحلّ محله.
وتبدو تصريحات ألتمان انعكاسًا لما يحدث داخل الشركات، فبعد أشهر من التوسّع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بدأت مؤسسات كبرى تُراجع جدوى هذا الاندفاع أمام تكاليفه المرتفعة وتفاوت العائد.
ففي" مايكروسوفت" مثلًا، قرّرت الشركة تقليص معظم تراخيص أداة" كلود كود" التابعة لشركة" أنثروبيك" داخل بعض فرقها، رغم شعبيتها بين المطوّرين، ودفعهم إلى استخدام أداتها الخاصة" كوبايلوت سي إل آي" بهدف معلن هو" توحيد أدوات البرمجة المعتمدة داخليًا".
لكنّ موقع" ذا فيرج" نقل عن مصادر داخل الشركة قولها إنّ الخطوة تحمل أيضًا بُعدًا ماليًا، إذ هدفت لخفض نفقات التشغيل مع بداية السنة المالية الجديدة.
تكلفة أعلى من تكلفة الموظفينوفي شركة النقل التشاركي الأميركية" أوبر"، ظهرت المشكلة من زاوية التكلفة أيضًا، بعدما استهلكت الشركة ميزانية عام 2026 المُخصّصة لأداة البرمجة بالذكاء الاصطناعي “كلود كود” خلال أربعة أشهر فقط، فيما قال رئيس العمليات أندرو ماكدونالد إن تبرير تكاليف الذكاء الاصطناعي داخل الشركة أصبح أكثر صعوبة، خصوصًا مع عدم وضوح ما إذا كان هذا الإنفاق ينعكس على مزايا أفضل للمستخدمين.
وفي" إنفيديا"، عملاق صناعة الرقائق وأحد أكبر المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، نقل موقع" أكسيوس" عن نائب رئيس التعلم العميق التطبيقي في الشركة براين كاتانزارو، قوله إنّ تكلفة الحوسبة التي يحتاجها فريقه أصبحت أعلى بكثير من تكلفة الموظفين أنفسهم.
أما سلسلة المقاهي الأميركية الشهيرة" ستاربكس"، فواجهت المشكلة من زاوية مختلفة، إذ أوقفت، بحسب رويترز، أداة ذكاء اصطناعي لمُراقبة المخزون بعد أشهر من تعميمها في متاجر أميركا الشمالية، بعدما أخطأت في عدّ المنتجات وتصنيفها، مثل الخلط بين أنواع الحليب أو عدم التعرّف على بعض العناصر الموجودة على الرفوف.
وقال ألتمان، في ختام تفسيره لتبدل موقفه، إنّ الناس" يهتمون فعلًا بتفاعلاتهم مع بعضهم"، مضيفًا أنّ ذلك جعله يعتقد أنّ صورة الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي" ستكون على الأرجح مختلفة جدًا عما كنا نعتقد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك