في آخر الشارع، حيث تبدأ الريح ولا تنتهي، كان هناك متجر صغير لا يلتفت إليه أحد… إلا من عرف صاحبه حقًا.
كان اسمه يونس.
يبيع السكر.
رجل لا يشيخ سريعًا، لكن التعب كان يسكن عينيه قبل ملامحه.
وكان يقول وهو يناول الناس الأكياس بابتسامة هادئة:“خذوا منه… فالدنيا تحتاج شيئًا يخفف مرارتها.
”فيضحكون، يرحلون، ويعود الصمت.
لكن ما لم يعرفه أحد… أن يونس لم يكن يحب السكر.
كان يفتح متجره قبل أن تستيقظ القرية، ويغلقه بعد أن تنطفئ آخر نافذة، كأنه يعيش على هامش الحياة لا في قلبها.
وفي الليل، كان يشعر بذوبان داخلي بطيء، بثقل خفيّ يشبه الاحتراق، كأن شيئًا فيه يتآكل بصمت.
في ليلة عادية، انكسر شيء داخله فجأة.
سقط كيس السكر من يده، وانسكب على الأرض كرماد أبيض.
جلس يونس بصمت، بينما صار الهواء أثقل من أن يُتنفّس.
رأى رجلًا أنهكته الحياة… دون أن يطلب النجدة مرة واحدة.
ومن مكان بعيد يشبه الطفولة، سمع صوتًا يناديه:“كنت تضحك كثيرًا… كي لا يسمعك أحد وأنت تتكسر.
”بكى كأن التعب كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
عاد الضوء فجأة، واختفى كل شيء.
في الصباح، فُتح المتجر كعادته.
شيء ثالث مرّ من داخله، وتركه أبطأ… أهدأ… وأكثر صدقًا في صمته.
صار فقط يسأل الزبائن بهدوء:ثم علّق ورقة صغيرة على الباب، كتب فيها:“الذين يبدون بخير دائمًا… ليسوا بخير أصلًا.
”وفي اليوم الذي غاب فيه يونس، لم يُغلق المتجر.
بقيت اللمبة الصفراء مضاءة، وبقي السكر في مكانه، كأن الرجل خرج وسيعود بعد قليل.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر في القرية:لم يعد أحد يشتري السكر بالطريقة نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك