قناة الغد - «النواب الأميركي» يقر حزمة عقوبات «واسعة» ضد روسيا ومساعدات لأوكرانيا قناة التليفزيون العربي - المستشار العسكري للمرشد الإيراني يوجه رسالة لإسرائيل ويحذر واشنطن من انسداد أفق المفاوضات قناة الجزيرة مباشر - الرئيس الأوكراني يوجه دعوة إلى نظيره الروسي لوقف القتال بين البلدين وبوتين يرفض القدس العربي - النفط دون تغير يذكر وسط حالة من الغموض بشأن التطورات بين أمريكا وإيران CNN بالعربية - وزير أمريكي: سياسات الديمقراطيين السبب الرئيسي لارتفاع أسعار البنزين وليس حرب إيران العربي الجديد - الهروب من المخاطرة: غموض المفاوضات الأميركية الإيرانية يربك الأسواق العربي الجديد - الضفة الغربية | شهيد في رام الله وهجمات للمستوطنين في عدة مواقع وكالة شينخوا الصينية - ارتفاع حصيلة إصابات الإيبولا في الكونغو الديمقراطية إلى 381 حالة و63 وفاة العربي الجديد - ترامب يرشح محامياً قاضى أونروا وترافع لصالح إسرائيل سفيراً إلى مصر العربية نت - أطعمة ومشروبات قد تساعدك على النوم
عامة

بريطانيا وحزب العمال في حاجة إلى الإنقاذ

Independent عربية
Independent عربية منذ 6 أيام
2

إن حزب العمال يلعب بالنار، أو بصيغة أدق، يغامر بمستقبله ومستقبل البلاد.توليت قيادة حزب العمال لمدة 13 عاماً شهدت ثلاث انتخابات عامة. إنه حزب يضم في الغالب أشخاصاً شرفاء يحملون نيات حسنة ويريدون الخي...

ملخص مرصد
حزب العمال البريطاني يواجه انتقادات حادة بشأن سياساته بعد فوزه في انتخابات 2024، إذ يُتهم بافتقاره لخطة استراتيجية واضحة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية العالمية. ينتقد الكاتب غياب رؤية مستقبلية طويلة الأمد، مشدداً على ضرورة إعادة تقييم الأولويات مثل النمو الاقتصادي والهجرة والطاقة، مع تحذيره من تبعات السياسات الحالية على الاستثمار والازدهار. كما يدعو إلى إصلاح جذري في هيكل الحكومة لمواكبة الثورة التكنولوجية، معتبراً ذلك مفتاحاً لبقاء بريطانيا في مصاف الدول الرائدة.
  • انتقادات لحزب العمال البريطاني لافتقاره لخطة استراتيجية بعد فوزه في انتخابات 2024
  • دعوات لإعادة تقييم أولويات النمو الاقتصادي والهجرة والطاقة لمواجهة التحديات العالمية
  • تحذير من تبعات السياسات الحالية على الاستثمار والازدهار البريطاني
من: حزب العمال البريطاني (كير ستارمر، ويس ستريتينغ، آندي بيرنهام) أين: بريطانيا

إن حزب العمال يلعب بالنار، أو بصيغة أدق، يغامر بمستقبله ومستقبل البلاد.

توليت قيادة حزب العمال لمدة 13 عاماً شهدت ثلاث انتخابات عامة.

إنه حزب يضم في الغالب أشخاصاً شرفاء يحملون نيات حسنة ويريدون الخير للبلاد.

وتتمثل مهمته، كما ينص دستوره المعدل عام 1994، في ضمان بقاء" السلطة والثروة والفرص في أيدي الغالبية، وليس القلة" - وهي مهمة نبيلة للغاية.

لكن ما أخشاه هو أنه، كغيره من الأحزاب التقدمية، يمتلك قدرة شبه مطلقة على خداع نفسه.

لم يفز الحزب في انتخابات عام 2024 بفضل شعبيته، بل لكونه البديل المقبول (والفضل هنا يعود إلى كير ستارمر) لحكومة محافظة ارتأت البلاد أنها تصرفت بصورة مرفوضة.

ومع ذلك، ولأسباب منها الفراغ الفكري الذي ساد في سنوات حكم كوربن، لم يجر الحزب أي تحليل متعمق للتغيرات التي يشهدها العالم وتأثيرها في السياسات.

يمتلك ويس ستريتينغ مهارة كبيرة في السياسة، فيما كان آندي بيرنهام من أبرز الأعضاء في حكومتي، لكن النقاش الدائر في شأن زعامة الحزب يبدو وكأنه ينتمي إلى القرن الـ20 إلى حد كبير.

فهما متلهفان، مثل معظم السياسيين، للنأي بنفسيهما عن" فقاعة وستمنستر".

لكن مشكلة بريطانيا لا تكمن في" فقاعة وستمنستر"، بل في" فقاعة السياسة".

وربما تستطيع الأعين البعيدة من الساحة السياسية حالياً تكوين رؤية أوضح في شأن سياسات المستقبل.

يشهد العالم اليوم تغيرات جذرية، بينما لا يملك السياسيون الحاليون الذين يرزحون تحت ضغط شديد على مدار الساعة، الوقت الكافي لمجرد إدراك هذه التغيرات، ناهيك بدراستها بعمق.

تتطلب هذه التغيرات تفكيراً استراتيجياً طويل الأمد، وهو أمر غير مألوف في طريقة عمل معظم الأنظمة الديمقراطية الحديثة.

لا تكمن مشكلة الحكومة الرئيسة في شخصية كير، أو في عدم قدرتها على الترويج لـ" إنجازاتنا" أو في ضرورة التشديد على" قيم" حزب العمال بصورة أقوى، بل تكمن في أننا لا نملك خطة مدروسة ومتماسكة للبلاد في عالم سريع التقلب، ونحن في موقع سياسي خاطئ لا يؤهلنا لصياغة خطة مماثلة والفوز بولاية ثانية.

وتدير الحكومة شؤون البلاد إجمالاً من موقع" يساري معتدل" تقليدي، لا يتخطى حدود الحزب التقليدية.

ولا يهم تغيير القيادة من عدمه إذا لم يبدأ ذلك بنقاش حول السياسات.

هل نعطي الأولوية حقاً للنمو الاقتصادي، وهو الضروري ليس فقط لتحقيق الازدهار ولكن بالنسبة إلى العدالة الاجتماعية أيضاً، بينما ننفذ عدداً كبيراً من السياسات التي قد تقيده؟ هل اقتصادنا في حاجة، في الوقت الحالي، إلى تحقيق هدف الطاقة النظيفة أم الطاقة الرخيصة؟ كيف نبرر زيادة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية الذي قد تضخم بالفعل، فيما الضرائب مرتفعة ومستمرة في الارتفاع، وقيل لنا إنه علينا زيادة الإنفاق الدفاعي استعداداً لاحتمال نشوب حرب؟وهل نعيش حقاً اليوم في القرن الـ21 تجربة مماثلة للثورة الصناعية التي شهدها القرن الـ19، وإن كان الأمر كذلك، فهل لدينا القدرة على مواجهة تحد بهذا الحجم؟ وما هي فرص حدوث تغيير جذري في مجالات مثل الصحة والتعليم نتيجة لهذه الثورة، وما هي الأخطار الوجودية لهذه الثورة التي قد تسمح قريباً جداً لشخص يجلس في غرفة معيشته باختراق البنية التحتية الوطنية الحيوية وتعطيلها؟هل لدينا سياسة خارجية تتناسب مع النظام العالمي المتغير؟إن محاولة إطاحة رئيس الوزراء قبل أن نحدد الوجهة السياسية التي سنتبعها ليست طريقة تصرف مسؤولة.

وفي الوقت الحالي، وعلى رغم أننا ما زلنا في المراحل الأولى، يشهد حزب العمال صراعاً بين جناح" التحديث" الذي يبدو أنه ينادي بإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (كما يطالب الآن بفرض ضريبة متساوية على أرباح رأس المال والدخل، وهو أمر رفضته الحكومات المتعاقبة لأسباب وجيهة)، والجناح البديل، الذي يعتقد أن الحل يكمن في التوجه أكثر نحو اليسار فيما يتعلق بالضرائب والإنفاق والرعاية الاجتماعية، ويكرر انتقادات اليسار المتطرف بخصوص عدم تحقيق أي نتائج إيجابية خلال" الأربعين عاماً" الماضية من سياسات" النيوليبرالية"، والتي يفترض أنها تشمل الحكومة العمالية الأخيرة.

وترجح كفة الموقف اليساري في الفوز.

لا بأس نسبياً التمسك بهذا الوهم المتكرر ونحن في صفوف المعارضة، أي الاعتقاد بأن خسارة مقاعد لمصلحة اليمين تعني أن المواطن يريد من" حزب العمال" أن يتجه أكثر نحو اليسار، لكن تبني هذا التفكير نفسه أثناء وجودنا في الحكم قد يكون أمراً خطراً.

وما من أحد عارض" بريكست" بشراسة أكثر مني، وكان من السهل توقع نتيجة هذه العملية، وقد توقعناها، لكن كما سأوضح لاحقاً في هذا المقال، فإنه لا بد من التعامل بحذر وبفكر استراتيجي مع أي مقاربة تهدف إلى إعادة بريطانيا إلى إقامة علاقة منظمة مع أوروبا.

مثلما أن" بريكست" لم يكن أبداً الحل للتحديات التي واجهتها بريطانيا عام 2016، كذلك فإن التراجع عنه ليس حلاً لأوضاع البلاد الأشد سوءاً عام 2026.

يجب أن تكون علاقتنا بأوروبا جزءاً من استراتيجية شاملة لمستقبل بريطانيا، وهذا لا يبدأ بأوروبا، بل هنا في الداخل.

لسوء الحظ، رداً على سؤال" كيف نفوز بولاية حكومية كاملة للمرة الثانية؟ "، فإن الإجابة الوحيدة التي استبعدت على ما يبدو هي أن نتعلم من المرة الوحيدة التي تمكن فيها الحزب خلال تاريخه الممتد120 عاماً، من تحقيق ذلك.

لا تبدأ الحكومات الناجحة بمسابقة سمات شخصية.

ولا بسؤال سياسي، من قبيل كيف" ننقذ البلد" من حزب" ريفورم"، بل تبدأ بفكرة ومشروع ومقصد للحكم وتحليل للمشكلات ووضع خطة لتصحيحها.

إن التحدي الذي تواجهه الديمقراطية ليس الشفافية أو النزاهة أو نظريات المؤامرة حول القوة الخفية للنخب، بل هو الفعالية.

وهو القدرة على إنجاز المهام الكبيرة.

أن يكون لدينا قادة لا يديرون المشكلات، بل يحلونها.

كما كتب جون آدامز - الرئيس الثاني للولايات المتحدة - ذات مرة" ما أريده هو الثبات، فأنا أترنح مع كل نسمة هواء".

هذه هي المشكلة الجوهرية للحكومة، وليس الافتقار إلى" قدرة أفضل على التواصل" أو إلى زعيم يمتلك" حضوراً جذاباً".

ففي كثير من الأحيان يبدو أنها تترنح مع كل نسمة.

وتفتقر إلى الثبات.

يشهد العالم اليوم تغييرين تاريخيين - أحدهما جيوسياسي والآخر تكنولوجي - وبريطانيا غير مستعدة لأي منهما.

فهما يتطلبان تغييراً جذرياً في السياسة العامة ونظام الحكم والعمل السياسي.

وأفضل موقع سياسي يمكن تحقيق هذا التغيير من خلاله هو ما أسميه" الوسط الراديكالي".

إن أرضية الوسط - بالمعنى الدقيق للكلمة - هي أن تضع السياسات العامة أولاً والسياسة الحزبية أخيراً.

لذا، تبدأ بسؤال: ما هو الجواب الصحيح؟ وبعد أن تتوصل إليه فحسب، تنخرط في المهمة السياسية المتمثلة في إقناع الناس به.

تعيش بريطانيا في حال فوضى تحديداً لأنها فعلت عكس ذلك في السنوات الأخيرة.

فالحزبان الرئيسان انحرفا عن مسارهما بعدما قدماً الحسابات الداخلية على السياسات الرشيدة.

حزب العمال اتجه يساراً بعد عام 2007، وصولاً إلى عبثية قيادة كوربن.

أما المحافظون، فكان" بريكست" عنوان انحرافهم.

لم يتعافَ أي منهما تماماً، والمفارقة أن إخفاقاتهما أفرزت أحزاباً جديدة أكثر تطرفاً إلى اليسار واليمين.

نعم، تحتاج بريطانيا إلى تغيير جذري، لكن المعضلة، ليس في بريطانيا وحدها، أن العقلاء غالباً لا يكونون راديكاليين، فيما الراديكاليون نادراً ما يكونون عقلانيين.

أما التحول التاريخي الأول، فيتمثل في تبدل النظام الجيوسياسي، إذ لم تعد الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، بل باتت تتقاسم هذا الموقع مع الصين، على أن تنضم إليهما الهند مع مرور الوقت، في صيغة أشبه بـ" مجموعة الدولتين أو الثلاث".

وستتقدم هذه الدول بفارق شاسع على أي دولة تحتل المرتبة الرابعة.

ووفق هذا التصور، تصبح بقية الدول، بما فيها بريطانيا، قوى متوسطة.

أما التحول الثاني فهو الثورة التكنولوجية التي تحركها التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي ستغير كل شيء.

وأعني حرفياً كل شيء.

لا جدوى من الجدل حول ما إذا كانت هذه الثورة التكنولوجية أمراً جيداً أم سيئاً.

يكفي أن ندرك أنها" ظاهرة"، بل إنها" الظاهرة" بحد ذاتها.

وستؤدي إلى زوال بعض الوظائف، على رغم أنها ستخلق وظائف جديدة، لكن لا أحد يعرف حتى الآن العواقب الكاملة لها.

وستشهد الشركات والدول ازدهاراً أو انهياراً نتيجة لها.

وستحدث ثورة في القطاع الخاص، ومن المتوقع أن تحدث ثورة في الخدمات العامة والحكومة مع الوقت.

ومع ذلك، فإن الناس في معظم البلدان، بما في ذلك بريطانيا، ليس لديهم أي فكرة عما سيصيبهم.

هذا لا يلغي الحاجة إلى وضع سياسات فورية في مجالات معتادة مثل الهجرة أو الضرائب، لكنه سيغير حتى تلك المجالات بمرور الوقت.

فكروا كيف كانت بريطانيا في عام 1826، ومدى اختلافها في عام 1926، ثم في عام 2026.

هذا هو حجم التغيير، ولكن بوتيرة أسرع بكثير.

ويتعين على الحكومات، أياً تكن، أن تجد موقعها في هذا العالم الجديد.

ففي السياسة الخارجية، يعني ذلك بناء التحالفات اللازمة لإنجاز ما لا تستطيع الدول، باستثناء مجموعة" الدولتين أو الثلاث"، تحقيقه بمفردها.

أما داخلياً، فعلى الحكومات أن تحدد معنى الحكم في عصر الذكاء الاصطناعي.

كثيراً ما كانت السياسة، على الصعيد الدولي، مرتبطة في المقام الأول بالنفوذ.

وهذا لا يعني أن القيم غير مهمة، بل على العكس تماماً، لكن حماية تلك القيم تتطلب القوة أيضاً.

لأن الدول القوية عادة ما تحصل على ما تريده.

بينما الدول الأقل قوة لا تحصل عليه.

ومن أين تنبع القوة؟ من قوة اقتصاد البلد، وقوة قدراته العسكرية.

وقد جعلت هذه السمات بريطانيا أعظم قوة في العالم في القرن الـ19، وهي نفس السمات التي تستند إليها قوة أميركا اليوم.

ولهذا السبب تعد الصين، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد وجيش في العالم، القوة العظمى الأخرى.

تحالفت أميركا مع أوروبا في القرن الـ20 لكي تخوض إلى جانبنا حربين عالميتين، واستمر هذا التحالف بعد الحرب العالمية الثانية في مواجهة الشيوعية.

واليوم، تتشارك الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك بريطانيا، الأسواق، وتحالفاً عسكرياً ضمن حلف" الناتو"، والقيم الديمقراطية.

هذا هو المنطق الكامن وراء ما نسميه التحالف عبر الأطلسي.

غير أن هذا التحالف كثيراً ما كان شراكة غير متكافئة.

فالولايات المتحدة أقوى بكثير من أي دولة حليفة منفردة، وهي القوة المهيمنة، وهي بالتالي" صاحبة القرار".

وقد استمر هذا الوضع في الأقل خلال نصف القرن الماضي.

كان معظم الرؤساء الأميركيين يتحلون بكياسة شديدة حالت دون تعبيرهم عن ذلك صراحة، غير أنهم كانوا مقتنعين بهذه الفكرة، والأهم من ذلك، أنهم تصرفوا بناءً عليها.

ولهذا لا أعتقد أن رئاسة ترمب تمثل" قطيعة".

لدي احترام كبير لمارك كارني، وأتفهم تماماً، بصفته رئيس وزراء كندا، لماذا يبدو الأمر كذلك بالنسبة إليه، لا سيما عندما بدا أن استقلال كندا كدولة أصبح على المحك.

وأتفهم القلق الأوروبي حين توحي تصريحات بعض أركان الإدارة الأميركية بالتشكيك في جدوى" الناتو" أو التحالف عبر الأطلسي، لكنني أرى أن ما يحدث ليس" قطيعة" بقدر ما هو" مواجهة مع الواقع".

فنحن، على هذا الجانب من الأطلسي، نتلقى حقائق قاسية ينبغي أن نصحو عليها إذا كنا حكماء.

وعلى رغم أن الاستراتيجية الأمنية الأميركية تصاغ بلغة" أميركا أولاً"، فإنها تحدد التهديدات الرئيسة بالطريقة نفسها التي ترى بها أوروبا العالم: روسيا في القطب الشمالي، والصين على المدى الطويل عالمياً، وإيران في الشرق الأوسط.

والرئيس ترمب طالب بزيادة الإنفاق داخل" الناتو"، لا بحل التحالف.

قد يبدو أسلوب نقل هذه الرسالة قاسياً (وقد يقول الأميركيون إننا لن نأخذها على محمل الجد إلا إذا سمعناها بنبرة قاسية)، لكن في الواقع، ما يقولونه لنا ليس أن" الشراكة قد انتهت"، بل بالأحرى" كونوا شركاء أكبر وأفضل".

تحتاج أوروبا إلى بناء قدرة تنافسية اقتصادية وقدرة عسكرية.

وهي لا تنجح في الوقت الحالي في أي من المجالين بالشكل المطلوب.

ما يسمى النظام العالمي الجديد ليس وليد قطيعة بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

فما زالت دواعي وجود التحالف الغربي بنفس القوة التي كانت عليها دائماً.

بل هو نتيجة صعود الصين، وصعود الهند، وعودة روسيا إلى النزعة العسكرية، وظهور تكتلات قوى مؤثرة في الخليج ومناطق أخرى، بالتالي تغير موازين القوة.

وهو ليس" نظاماً" بعد، لأن ملامح هذا التوازن الجديد لم تتضح بالكامل.

إذاً، أين تقف بريطانيا من كل هذا؟ إنها عالقة بين النزعة الانعزالية لدى بعض أطياف اليمين، والتقدمية المضللة لدى بعض أطياف اليسار، واللتين إن اجتمعتا، فستعرضان بريطانيا لخطر البقاء معزولة على جزيرة خارج دائرة الأحداث.

قبل 20 عاماً، كنا بلا شك، حليف أميركا الرئيس في مجال الأمن والدفاع، وقادة في أوروبا، على رغم عدم انضمامنا إلى اتفاقية شنغن أو منطقة اليورو، وكنا بفضل وزارة التنمية الدولية، من اللاعبين الرئيسين في مجال القوة الناعمة في العالم النامي.

لكن كل ذلك أصبح الآن محل شك أو اندثر.

أصبحت الشراكة مع الولايات المتحدة أضعف.

وعلى سبيل التوضيح، لم يطلب منا أبداً" الانضمام" إلى العمل العسكري الأميركي في إيران، وبما أننا لم نكن أبداً طرفاً في التخطيط لمثل هذه المهمة، فلم يكن ممكناً لنا أن نشارك فيها.

كان الطلب في البداية ببساطة استخدام قواعدنا العسكرية لتزويد الطائرات الأميركية بالوقود.

أتفهم أسباب الرفض، لكنها ليست أفضل طريقة للتعامل مع حليفنا.

لقد خرجنا من أوروبا.

وحلت وزارة التنمية الدولية.

نسينا درساً أساساً ليس فقط في الدبلوماسية، بل في سياسة القوة: إذا أردت أن تلعب، عليك أن تجلس حول الطاولة.

وأن تضيف شيئاً إلى الطاولة.

أعرف مدى صعوبة أن تكون حليفاً للولايات المتحدة.

كنا أقوى داعميها بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول).

خضنا معارك في أفغانستان والعراق معاً، لكن ذلك كان مهماً للغاية بالنسبة إلى أميركا، ولذا كان مهماً بالنسبة إلينا أيضاً.

لا تزال أميركا تمثل النواة الأساسية التي لا غنى عنها في تحالف بريطانيا الأمني، لكن بقاءنا معها يعني أن نفعل ذلك حتى عندما يكون الأمر صعباً أو مكروهاً لدى الرأي العام.

ولا أحد خاض متاهة المجالس الأوروبية وبيروقراطية المفوضية الأوروبية والتسويات القبيحة أحياناً داخل الاتحاد الأوروبي، يمكنه أن يكون متحمساً ساذجاً لأوروبا بصيغتها الحالية.

ومرة أخرى، فإن الاستمرار في الانتظام بالشأن الأوروبي والبقاء جزءاً من نقاشاتها ليس خياراً يحظى بشعبية، لكن في عالم" مجوعة الدولتين أو الثلاث"، هل نريد فعلاً أن نغيب عن نقاشات قارتنا، وعن التفاعل مع أكبر سوق تجارية في العالم، وهي السوق التي ننجز معها قرابة نصف تجارتنا، أي أكثر من ضعف ما ننجزه مع الولايات المتحدة، ثاني أكبر شريك تجاري لنا؟ولن تتمكن أبداً من إقناع أي مجموعة استطلاع رأي صادفتها بدعم الإنفاق على التنمية الدولية، إلا ربما إذا كانت تتألف من أساقفة، لكن من المهم لقوة بريطانيا الخارجية أن تبني علاقات عميقة مع عالم نام يتطور بسرعة.

ما حدث قد حدث، ولا يمكن ببساطة التراجع عن أي من هذه القرارات، لكن استعادة مكانتنا تتطلب قيادة والتزاماً.

وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى علاقتنا مع الولايات المتحدة هو بناء قدرات دفاعية والاستعداد السياسي للدفاع عن التحالف، حتى عندما يكون ذلك مثيراً للجدل.

وأحدث مثال على ذلك هو إيران.

بالنسبة إلى القوة الناعمة، من المستحيل، لأسباب مالية، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن لدى بريطانيا أمور مهمة يمكنها تقديمها لشركائنا في العالم النامي: التجارة والاستثمار مع الشركات البريطانية، وخبرتنا المالية وسيادة القانون المحترمة على الصعيد العالمي، وقدراتنا التكنولوجية، وبناء القدرات في مجال الحوكمة.

وليس المجال هنا لتفصيل ذلك بالكامل، لكننا في حاجة إلى علاقة عملية مع القوة العظمى الأخرى: الصين.

وكان ستارمر محقاً تماماً في زيارتها.

لدينا خلافات جوهرية مع الصين، لكن الاعتقاد أن بإمكاننا تجاهلها، أو التعامل معها كما لو كانت نسخة حديثة من الاتحاد السوفياتي، هو خطأ فادح.

ينبغي أن يكون التحالف الغربي قوياً بما يكفي للتعامل مع أي تحديات قادمة من الصين، مع الاستمرار في الانتظام معها والتعاون حيثما أمكن.

وتعد دول الخليج عنصراً جديداً آخر في السياسة العالمية - فهي غنية، وتشهد تحديثاً سريعاً، ولديها استثمارات ضخمة في الغرب تزداد باستمرار، فضلاً عن أنها أصبحت من اللاعبين المهمين في العالم النامي.

ولن تغير الحرب في إيران من هذا الواقع.

وينبغي لأوروبا، بما فيها بريطانيا، أن تبني تحالفاً قوياً مع الشرق الأوسط، وليس مع دول الخليج فحسب، لكن مجدداً، هذا ليس بالأمر السهل لدى بعض الأوساط في الغرب، لأسباب متنوعة.

والخطر التراكمي على بريطانيا هو أن تتحول إلى دولة منغلقة بصورة مخيفة: متوجسة من أميركا بسبب الرئيس ترمب، وخارج أوروبا بذريعة حماية السيادة الوطنية، وتعتبر الصين" دولة عدوة"، وغير مهتمة كثيراً بالعالم النامي لأن سكانه فقراء وقد يهاجرون إليها.

ويبقى الجزء الأصعب هو علاقتنا بأوروبا.

لقد نجحت الحكومة بحق في خلق مناخ جديد في علاقاتنا الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، تتجه السياسة الداخلية - من خلال الإجراءات المتعلقة بالضرائب والإنفاق وسوق العمل - نحو مسار يحمل طابعاً" أوروبياً" أكثر.

وثمة شعور مُتنامٍ بأن البلاد، كلما أصبحت أكثر" أوروبية"، ومع تزايد التحول الشعبي ضد" بريكست"، ستصبح مهيأة في مرحلة ما لبدء نقاش حول" العودة".

صحيح أن الجنون هو الاتجاه الذي نسير فيه حالياً - أي أن نصبح" أوروبيين" في ممارساتنا بينما نكون خارج أوروبا.

ولكن إذا أردنا استعادة صورة من صور العلاقة المنظمة مع أوروبا، فلا يمكننا القيام بذلك إلا من موقع القوة الاقتصادية.

يجب أن نكون في قمة التنافسية الأوروبية.

وفي الوقت الحالي، نحن لسنا كذلك.

ستتطلب أي علاقة منظمة مفاوضات.

ويجب أن تكون تلك المفاوضات من موقع القوة، لا الضعف.

وتواجه أوروبا اليوم تحدي تنفيذ تقرير دراغي حول التنافسية.

فمعظم الدول تتفق على ضرورة تطبيقه، لكن كثيراً من المراقبين الموضوعيين يشككون في إمكان ذلك، لأنه يدعو إلى أسواق عمل أكثر مرونة، وإصلاحات في نظام الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك التقاعد، إضافة إلى تعزيز الابتكار التكنولوجي.

وجميع هذه الملفات تواجه معارضة شديدة.

لكن السياسة الأوروبية تتغير.

يتبنى البرلمان الأوروبي الحالي نهجاً أكثر واقعية.

وينطبق الأمر نفسه على المجلس الأوروبي، والمستشار الألماني والمفوضية الأوروبية يرحبان بتقرير دراغي مع وجود نية واضحة في الأقل لتنفيذه.

لذا، فبوادر الأمل موجودة، لكن الطريق أمامنا طويل.

وتبقى سياسة التكنولوجيا العامل الحاسم.

فإذا استمرت السياسات الأوروبية في التركيز على مواجهة الأخطار بدلاً من اغتنام الفرص، أي إذا رجحت كفة تنظيم التكنولوجيا على حساب قطاع التكنولوجيا نفسه، فسيصبح من المستحيل على بريطانيا العودة بالكامل إلى الاتحاد الأوروبي.

فلا يمكننا القول إن الابتكار التكنولوجي واعتماد التكنولوجيا يمثلان التحدي الرئيس للحكم الحديث، ثم نربط أنفسنا ببيئة تكنولوجية معادية لهذا التوجه في جوهرها.

من ناحية أخرى، إذا تفاوضنا من موقع قوة وأطلقنا عملية الحوار الآن مع الاتحاد الأوروبي، فسنكون في موقع أفضل للتأثير في اتجاه السياسة الأوروبية، بما في ذلك في مجال التكنولوجيا.

لذا، ما يجب على بريطانيا فعله هو أن تقول لـ" شركائنا" الأوروبيين: نريد العودة إلى علاقة منظمة ورسمية مع أوروبا، لكن لا يمكن أن يكون هذا عرضاً لا يقبل التفاوض من أي من الطرفين.

نريد أن نشارك الآن في النقاش الأوروبي حول مستقبل القارة.

سنبني ركائز متينة للشراكة مع أوروبا في مجالي الدفاع والطاقة، وهما مجالان من الواضح بالفعل أن مصالحنا المشتركة فيهما هائلة.

ونحتاج إلى حوار قوي حول سياسة التكنولوجيا.

وقد استخدمت عبارة" علاقة منظمة" عن قصد.

فهناك أيضاً نقاش نشط داخل أوروبا حول ما إذا كان من المنطقي أن تتحرك أوروبا بسرعات مختلفة في قضايا مختلفة.

ولذلك، ينبغي أن نبقي الباب مفتوحاً أمام تحديد معنى العلاقة الرسمية والمنظمة مع أوروبا، وأن يكون هذا المعنى نفسه جزءاً من الحوار.

الحقيقة هي أن بريطانيا خسرت جراء خروجها من الاتحاد الأوروبي، لكن أوروبا خسرت أيضاً.

فكلانا أصبح أضعف من دون الآخر، لكن لا يمكننا العودة إلى العيش المشترك ما لم يكن ذلك على أساس يعزز قدراتنا، الاقتصادية والسياسية، ولا يقوضها، وهذا ينطبق على كلينا.

الأجندة السياسة الجديدة لبريطانيالا يمكن تحديد سياسة بريطانيا تجاه أوروبا بمعزل عن سياستها الداخلية.

فلا بد أن تنسجم إحداهما مع الأخرى.

وإنني أتفق مع الحكومة في عديد من الإجراءات التي تتخذها: من الاستثمار في البنية التحتية، وبعض الإصلاحات في مجال التخطيط، وبعض جوانب خطة الرعاية الصحية، والانفتاح على الثورة الرقمية، وبعض بنود أجندة الهجرة وعمل الشرطة، وتخفيف حدة بعض أسوأ الخلافات التجارية مع أوروبا، إضافة إلى فتح باب النقاش حول بعض الإصلاحات الضرورية في مجال الرعاية الاجتماعية في الأقل.

وفيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية الكلية، قامت الحكومة بتهدئة" أسواق السندات" الشهيرة، في الأقل إلى أن اندلعت الحرب مع إيران وبدأت الاضطرابات الأخيرة على مستوى القيادة.

وليست هذه الإنجازات بالقليلة.

بل هذه حكومة مكونة، في مجملها، من أشخاص يحاولون بذل قصارى جهدهم بعدما ورثوا وضعاً هشاً.

ولكنها تواجه مشكلة جوهرية.

فالجمهور لا يريد" السياسة التقليدية".

والسبب الحقيقي وراء صعود قادة مثل دونالد ترمب وجورجيا ميلوني وخافيير ميلي هو أنهم يلبون هذا النداء.

قد تتفق معهم أو تختلف، لكن أبرز ما يميزهم أنهم يظهرون كقادة غير مقيدين بالتفكير التقليدي.

لديَّ خبرة في العمل مع إدارة ترمب، ويمكنني وصف الاختلاف بين نهجها والسياسة التقليدية على النحو التالي:يحدد القائد التقليدي وجهة على الطريق.

ثم يقود سيارته نحوها.

بعد ذلك، يصادف جداراً من الطوب يسد الطريق.

فيتوقف عند الجدار.

ويجلس ليبحث جميع خياراته.

ويستمر في التفكير.

وأخيراً يتخذ قراراً إما بالالتفاف حول الجدار أو المرور عبره أو تجاوزه، لكنها عملية معقدة.

فهي تستغرق وقتاً، وتواجه مقاومة مستمرة من جانب نظام حذر.

أما القائد غير التقليدي - وهو في هذه الحالة الرئيس ترمب - فيقود سيارته على الطريق، ثم يرى الجدار، فيسرع.

بالطبع، ستتطاير بعض قطع الحافلة، ويتسبب الاصطدام بقدر من الحطام والأضرار، ويشعر الركاب بشيء من الغثيان، ولكن، إذا حالفهم الحظ، سيتجاوز الجدار.

وهذا النهج يحفل بدرجة عالية من الأخطار المحتملة والفعالية المحتملة في آنٍ واحد.

بطبيعة الحال، يكمن الخطر في أن تكون سماكة أي جدار عدة أمتار وليس بضع سنتيمترات.

أنا لا أدافع عن هذا النهج.

بل أكتفي بوصف جاذبيته.

يبدو أنه يلبي التحدي المتعلق بالفعالية.

واليوم، بلغ مستوى الإحباط من النظام درجة تجعل الناس يميلون إلى المخاطرة.

لأن أي شيء أفضل من الضيق المؤلم الناجم عن تغييرات تدريجية لا تبدو قادرة أبداً على إحداث أي تغيير حقيقي.

وقد فهم هذا الجيل الجديد من القادة غير التقليديين أيضاً كيف تعمل وسائل الإعلام الحديثة.

فقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كلاً من السياسة ووسائل الإعلام التقليدية، التي قررت - معظمها إن لم نقل جميعها - أنه" إذا لم تستطع التغلب هزيمتهم، فانضم إليهم".

والنتيجة هي نقاش سياسي يجري في أجواء عواصف دائمة، قد تتحول في أي لحظة إلى إعصار، وباتجاهات متقلبة باستمرار.

يولي السياسيون التقليديون اهتماماً شديداً بالقضايا التي تشغل وسائل الإعلام، سواء التقليدية منها أو منصات التواصل الاجتماعي.

وهذا يعني أنهم يتأرجحون في كل اتجاه، في محاولة لمواكبة الريح السائدة.

والمفارقة هي أن الجمهور يشكل جزءاً من هذه الريح، لكنه في الوقت نفسه يشكك فيها بشدة.

ويبحث عن قادة قادرين على الصمود في وجهها.

لكن يبدو أن القادة غير التقليديين يتمتعون بالثبات الذي يفتقر إليه عديد من السياسيين التقليديين.

فلديهم موقف، وقاعدة جماهيرية، ومشروع.

إنهم مستعدون للوقوف في وجه وسائل الإعلام التي تعارضهم.

ولحماية أنفسهم، يبنون قاعدة جماهيرية - وهي نواة من المؤيدين الذين يتبعونهم، بصورة عمياء في بعض الأحيان.

لهذا السبب ينجون من" الفضائح" التي من شأنها أن تطيح أي سياسي تقليدي على الفور.

فالقاعدة لا تتبع الإعصار.

ولذلك، فهي تضعف تأثيره.

وإذا استخدمنا تشبيهاً آخر، يمكن القول إنهم ينتزعون أنياب الوحش.

ولدى هؤلاء القادة مشروع.

قد يعجبك أو لا يعجبك، لكنهم يمتلكونه.

وهو يمنحهم قوة وهدفاً.

قبل انتخابات 2024، كنت أسأل أعضاء حزب العمال: كيف تصنفون أنفسكم؟ هل أنتم امتداد لـ" العمال الجدد"، أم عائدون إلى" العمال القدامى"، أم تتبنون ما يسمى" العمال الزرق"؟ وغالباً كان الرد أنهم لا يريدون هذا التصنيف أصلاً، لكن المشكلة أن عدم تحديد الهوية السياسية بوضوح يعني أن الآخرين هم من سيحددونها بدلاً منهم.

وعندها يجد الحزب نفسه عالقاً بين القديم والجديد، بلا اتجاه واضح، ليصبح في النهاية مجرد" حزب عادي" يتحرك ضمن منطقة راحته التقليدية دون مشروع مميز.

والأسوأ من ذلك، أنكم ستنجذبون بصورة تلقائية قبل الانتخابات إلى خطاب" حزب العمال الجديد"، لأنه سيكسبكم على الأرجح أصوات الناخبين المترددين ورجال الأعمال، لكن بعد الانتخابات، ستدفعكم الضغوط داخل الحزب نحو" حزب العمال القديم"، لأنه سيسهل عليكم الأمور، ولأنكم لم توضحوا أبداً الأسباب التي تجعله خطأً.

لذلك، فإن لم تحذروا، سيصوت لكم الناس معتقدين أنهم سيحصلون على نسخة من حزب العمال" الجديد (نسبياً)"، ثم يشعرون بعد تولي الحكومة أنهم حصلوا بدلاً من ذلك على نسخة من حزب العمال" القديم (نسبياً)".

وستنتهي القيادة إلى تجسيد مشكلة الاختيار الأساس الذي يواجه حزب العمال، لا حلها.

وسيشعر الناخبون بأنهم تعرضوا للخداع.

بسبب طريقة صياغة البيان الانتخابي، تولت الحكومة السلطة حاملة معها التزامات كان من شأنها أن تحدث فجوة حتمية بين خطاب الحكومة حول النمو وتأثير هذه الالتزامات على ما يحتاج إليه مجتمع الأعمال لاستعادة شهية القطاع الخاص للاستثمار والمخاطرة وتحريك الأسواق.

وكانت هذه الالتزامات هي: التشريعات الجديدة لحقوق العمال، وتسريع الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية والتخلص التدريجي من قطاع النفط والغاز البريطاني، ورفع الحد الأدنى للأجور بما يتجاوز معدل التضخم، والتغييرات الضريبية المتعلقة بـ" غير المقيمين".

كان الأجدر برئيس الوزراء ووزيرة الخزانة أن يعلنا، منذ البداية: أن الظروف الاقتصادية جعلت تنفيذ هذه الالتزامات أمراً غير حكيم.

فالأولوية هي النمو.

وهذا يتطلب قطاعاً خاصاً مزدهراً عانى لسنوات عدم الاستقرار الاقتصادي، وسنبذل قصارى جهدنا لجعل قطاع الأعمال يشعر بالاحترام والدعم.

كان التخلي عن الالتزامات ليكون مؤلماً، إنما مقبولاً، لأن الحكومة كانت ستبدأ بنية حسنة حقيقية في تعاملها مع قطاع الأعمال.

لكننا لم نفعل ذلك، وما زاد الطين بلة أننا اخترنا رفع ضريبة التأمين الوطني، وليس ضريبة القيمة المضافة، من أجل سد الفجوة المالية في الموازنة الأولى.

وكان أي من هذين النوعين من الزيادة الضريبية ليكون غير شعبي.

إلا أن إحداهما فقط قوضت ثقة الشركات.

ثم، في الموازنة الأخيرة، بدا الأمر وكأننا نزيد الضرائب لتمويل نفقات إضافية للرعاية الاجتماعية، في حين يعتقد الجمهور بالفعل أن فواتير الرعاية الاجتماعية باهظة.

بصورة عامة، شكلت هذه الإجراءات عوائق، وليس دوافع، أمام الشركات البريطانية، على رغم المكاسب الاقتصادية الكلية التي تستحق وزيرة الخزانة الإشادة عليها بحق.

على أقل تقدير، يجدر بالحكومة أن تحاول الحد من تأثير التغييرات التي أدخلتها، وكما طالبنا باستمرار، إلغاء جوانب خطة صافي انبعاثات صفرية التي تعطي الأولوية للطاقة النظيفة على حساب الطاقة الأرخص، ومن الآن فصاعداً، الحرص على تطابق الأفعال مع الأقوال في شأن النمو.

سيكون هذا أفضل لبريطانيا، لكنه ليس كافياً بحد ذاته لتجديد البلاد.

إذ يتطلب تحقيق ذلك عملية إعادة ضبط جذرية.

أياً كان الفائز في الانتخابات المقبلة، فسينظر إليه على أنه يقدم رؤية جذرية.

في الوقت الحالي، لدينا حزب الخضر الذي يقدم رؤيته اليسارية الراديكالية.

وحزب" ريفورم" الذي يقدم رؤيته اليمينية الراديكالية.

أما حزب المحافظين فيقدم نسخة مخففة من حزب" ريفورم".

ويبقى الحزب الديمقراطي الليبرالي (الديمقراطيون الليبراليون) كعاداته ينتظر اتجاه الريح.

في ظل هذه الظروف، إذا استمر حزب العمال في سياسة" العمال فقط"، فهو يخاطر بخسارة قاعدته الانتخابية لمصلحة اليسار واليمين على حد سواء.

وإذا اختار بصورة فعالة هوية" العمال القديم/ الزرق"، فقد يستعيد جزءاً مما يسمى" الجدار الأحمر" (ولكن يجب أن نتذكر أن حزب العمال الجديد احتفظ بهذه المقاعد عام 2005، وخسرها حزب العمال لاحقاً عندما اتجه نحو اليسار)، لكنه يخاطر عندئذٍ بفقدان المناطق التي كسبها في الجنوب.

إن الاستراتيجية الوحيدة المجدية للعمال من الناحية الانتخابية هي أن يصبح" الوسط الراديكالي".

هناك تشرذم واسع في كافة أنحاء الساحة السياسية الغربية، وهو ما ينعكس في حال الانقسام التي تعانيها وسائل الإعلام.

إذا ما ألقينا نظرة على أوروبا، نجد أن الأحزاب اليسارية واليمينية التقليدية قد فقدت قسماً كبيراً من قاعدتها الجماهيرية.

أو شهدت اضطرابات داخلية.

وقد استجابت هذه الأحزاب، في الغالب، بمحاولة الانحراف إلى اليسار أو اليمين، انطلاقاً من الاعتقاد الخاطئ بأن الوسط قد اختفى، أو عرفت الوسط تعريفاً ضعيفاً وواهياً على أنه" غير متطرف" أو" معتدل".

وقد حدث هذا بسبب الخلط بين عنصرين مختلفين.

فالوسط لا يزال الموقع الذي يمكن الفوز من خلاله في الانتخابات.

إن أحد أسباب فوز حزب العمال عام 2024 هو اعتقاد الناس بأن الحزب ذو توجه وسطي نوعاً ما، على رغم أنه لم يكن كذلك في الواقع.

فاز ماكرون في فرنسا استناداً إلى توجهه الوسطي.

وكذلك فعل الديمقراطيون في هولندا حديثاً.

كما فعل توسك في بولندا.

ومارك كارني أيضاً.

وألبانيز في أستراليا.

ولو اختار الديمقراطيون مرشحاً وسطياً قوياً في انتخابات الولايات المتحدة لعام 2024، لكانت النتيجة أشد تنافسية.

إن المشكلة التي يعانيها الوسط هي مشكلة في العرض، وليس الطلب.

ومع ذلك، لا يجوز أبداً أن يكون الوسط بمثابة موقع لتسيير الوضع الراهن.

أو لموازنة الفرق بين اليسار واليمين.

أو لمجرد" الاعتدال".

بل، كما قلت سابقاً، إن الوسط هو المكان الذي تأتي فيه خطط السياسات العامة أولاً والسياسة الحزبية الثانية، إذ تتوصل إلى التحليل الصحيح، ثم الإجابة الصحيحة، وتبني استراتيجيتك السياسية حولها.

ولذلك، عندما تتطلب الإجابة الصحيحة تغييراً جذرياً، يجب أن يكون الوسط هو صانع التغيير الجذري.

هذه هو المساحة الشاغرة في السياسة البريطانية.

الأحزاب لم تعد تملك المجال السياسي كما كان قبل 20 عاماً، حين كان الناخبون مرتبطين بها ارتباط عقائدي.

كانوا يتماهون مع الحزب، سواء كان حزب العمال أو المحافظين.

وكانت الأحزاب تمتلك ذلك المجال.

حتى لو تخلت عنه أحياناً.

لكن الوضع اختلف.

فاليوم، أنت لا تمتلك المجال، بل تشغله.

أو لا تشغله.

وإذا لم تشغله، فهو فارغ ومفتوح للجميع.

إن المجال السياسي مزدحم على يمين حزب العمال ويساره، لكن الوسط ليس كذلك.

وما هي المنفعة الكبرى التي يقدمها؟ إنه الأفضل لمصلحة البلاد أيضاً.

ينطلق" الوسط الراديكالي" من فرضية أن الحكم في عصر الذكاء الاصطناعي سيشكل التحدي الرئيس.

والفرصة الرئيسة أيضاً.

وهو الطريق إلى الازدهار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

وإليكم ما قد تبدو عليه هذه الأجندة:سيخوض القطاع الخاص عملية تكيف مع هذا العالم الجديد الذي يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، وعليه فإن الشركات ورواد الأعمال في حاجة إلى أن يثقوا بأن الحكومة تقف إلى جانبهم، فتعمل على إزالة العوائق أمام نمو الأعمال، لا على استحداثها في خضم هذا التحول الضخم.

وعليه، ينبغي تصحيح أو تخفيف وطأة كل تلك التدابير التي تعوق الأعمال، كما ورد سابقاً.

نحن في حاجة إلى برنامج تغيير جذري لإصلاح التخطيط وإلغاء القيود التنظيمية.

إن نظام التخطيط في بريطانيا رهيب.

لقد اتخذت الحكومة خطوات مهمة، لكنها لا تزال بعيدة كل البعد من الإصلاح الجذري الحقيقي.

يجب إعطاء الأولوية لتوفير طاقة أقل كلفة وتسريع التحول إلى الكهرباء، حتى على حساب مستهدفات" صافي الصفر"، مع الاستفادة مما تبقى من موارد النفط والغاز في بحر الشمال.

وهذا أمر أساس لتعزيز القدرة التنافسية واغتنام فرص الذكاء الاصطناعي.

يجب أن ننشئ شراكة كبرى جديدة مع القطاعين الخاص والتطوعي للتدريب المهني والتأهيل - ليس فقط للشباب والعاطلين من العمل، بل للقوى العاملة الحالية التي ستتأثر وظائفها بالذكاء الاصطناعي وتحتاج إلى تعلم طريقة اعتماده.

يجب البناء على إصلاحات التعليم في المدارس التي بدأت في عهد حزب العمال الجديد واستمرت في عهد المحافظين، لا إضعافها.

ويجب الحفاظ على قوة جامعاتنا، لأنها بالغة الأهمية بالنسبة إلى اقتصاد التكنولوجيا.

هذا هو مفتاح زيادة الفرص والثروة، حتى أكثر مما كان عليه الحال عام 1997.

يمكن تشجيع" إحياء الصناعة" في شمال البلاد من خلال تقديم الحكومة للحوافز والدعم، ولكن الأهم من ذلك كله، أنه سيتحقق من خلال توفير بنية تحتية متطورة، وتعليم جيد، والتحرر من البيروقراطية، وعمل الحكومة بالشراكة مع القطاع الخاص ومع الجناح التقدمي في الحركة النقابية.

ومن خلال التعريف الموسع لقطاع" الصناعة"، إذا أردنا استحداث فرص العمل، لأن جزءاً كبيراً من التصنيع المستقبلي سيعتمد على الأرجح على الروبوتات، على رغم وجود فرص مهمة أيضاً في المجالات التي تتطلب درجة عالية من المهارات التقليدية.

وضع خطة إصلاح جذري لنظام الرعاية الاجتماعية على المدى الطويل.

بحلول نهاية هذا العقد، قد نجد أنفسنا ننفق على إعانات العجز والإعاقة أكثر مما ننفق على الدفاع.

ولا يمكن لأي دولة جادة أن تفعل ذلك.

لقد تضاعف الإنفاق على الصحة النفسية خلال السنوات الخمس أو الست الماضية.

وهذا النظام يشجع الناس، في بعض الأحيان، على عدم العمل، وأنه لا يمكن تحمل كلفة نظام" القفل الثلاثي" على المدى الطويل.

كل هذا صعب للغاية، لكن الشعب البريطاني يدرك، في قرارة نفسه، ضرورة القيام به.

إذا كرر حزب المحافظين عرضه بالتعاون في مجال الرعاية الاجتماعية، فيجب على حزب العمال قبول العرض.

لا يحتاج نظام الخدمات الصحية الوطنية إلى إعادة هيكلة، بل إلى إصلاح شامل لنظام الرعاية الصحية.

والانتقال من العلاج إلى الوقاية.

والجمع بين الخدمات الخاصة والعامة في إطار إعادة تنظيم جذرية للقطاعين.

وإعادة هيكلة خدمات الرعاية الصحية، مثل توفير أدوية إنقاص الوزن وغيرها من المنتجات الوقائية على نطاق واسع.

كذلك، ينبغي التخلص من المسلمات القديمة التي حولت" الخدمة الصحية الوطنية" إلى ما يشبه قضية عقائدية، بدلاً من أن تكون خدمة عصرية تتغير أسسها بفعل القوة التحويلية للتكنولوجيا.

اتخاذ إجراءات فعالة (أي" كل ما يلزم" ) لحل مشكلة الهجرة غير الشرعية.

إن وزيرة الداخلية محقة في اعتقادها بأن حل هذه المشكلة أمر حاسم، وأن طبيعتها قد تغيرت تماماً منذ العام 2007.

ومعالجة هذا الملف شرط مسبق لإقناع البريطانيين بالانتظام في نقاشات أوسع حول المستقبل.

يجب أن نعالج مشكلة القوارب الصغيرة بأي وسيلة كانت، وأن ندرك في الوقت نفسه ضرورة الهجرة الموجهة في قطاعات معينة من أجل النمو الاقتصادي، وألا نتردد في الدعوة إليها.

والأهم من ذلك كله، هو إعادة تنظيم الحكومة بأكملها بهدف الاستفادة من الثورة التكنولوجية في القرن الـ21.

ستحكم جميع الحكومات في المستقبل المنظور في عصر الذكاء الاصطناعي.

وتلك التي تفهمه ستشهد ازدهار بلدانها، أما تلك التي لا تفهمه، فلن ترى ذلك.

هذا هو التحدي الحقيقي عبر جميع القطاعات، بما في ذلك الرعاية الاجتماعية والصحة (الهوية الرقمية مجرد عنصر واحد في هذا الإطار، وإن كان حيوياً).

وسيحدد هذا مستقبل الاقتصاد البريطاني الذي يتمتع، للمفارقة، بمكانة قوية في مجال التكنولوجيا، لكننا نخاطر بتبديدها.

يجب أن يكون هدفنا على المدى البعيد إقامة دولة مجددة تنخفض فيها الضرائب والإنفاق، وترتفع الإنتاجية، وينظر إلى الحكومة بوصفها جهة داعمة وليس توجيهية، مع وجود إجماع سياسي يساند مثل هذه الهيكلة الجذرية للدولة.

وتترافق هذه الأجندة السياسية مع إعادة تنظيم شاملة للحكومة.

ولا نقصد إعادة تدريب موظفي الخدمة المدنية، بل تشكيل كادر جديد من القوى العاملة، يتمتع بالمهارات التقنية المتخصصة اللازمة لإجراء تغيير بنيوي.

ووزارات يديرها فعلياً وزراء لا ينتمون بالضرورة إلى دوائر البرلمان، شريطة أن يمتلكوا الخبرة والقدرة اللازمتين في مجال إدارة التغيير، مع وضع آلية خاصة تضمن خضوعهم للمساءلة.

من دون أجندة من هذا النوع، جذرية ولكن رشيدة، ستواصل بريطانيا انحدارها الطويل نحو التراجع عن مصاف الدول الرائدة بين الأمم.

تقهقرنا ليس قدراً محتوماً.

فلا تزال بريطانيا تتمتع بنقاط قوة هائلة وفيها شعب يتمتع بمواهب عالية، ولديها قدر من الاحترام المتبقي في العالم، لكن علينا أن نظهر أننا ندرك كيف يتغير هذا العالم، والمكانة التي ينبغي أن نحتلها فيه.

وهذا يتطلب، بدوره تغييراً جذرياً في سياستنا الحالية.

لقد فعلنا ذلك من قبل، ويمكننا إعادة فعله، لكن، أتُرانا نقدم على ذلك؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك