على الرغم من تكشف حجم المأساة وصدور إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي وثقت أعداد المخفيين قسراً بعد سقوط النظام بما يزيد على 177 ألفاً وأكثر من 45 ألف ضحية ممّن قتلوا في مراكز احتجاز نظام الأسد منذ بداية الثورة.
إلا أنّ ملف مساعدات ذوي المفقودين بقي في المناطق الرمادية وفي مرحلة" عدم الكفاية" بالنسبة إلى الجهات المعنية والمشروعات الإغاثية والإنسانية.
ولا يقتصر الأمر على قلّة عدد المساعدات الواصلة إلى عائلات المفقودين أو كونها تُقدَّم لمرة واحدة باعتبارها" إغاثة طارئة"، بل يمتد إلى صعوبة إحصاء وتوثيق جميع العائلات وضمان حقّها بالطرق القانونية، ما يعني استمرار بقائهم" على الهامش" وخارج مسار العدالة الانتقالية التي تضمن تعويض الضحايا وذويهم.
بملامح لا تخلو من التعب والصبر الطويل، تنتظر النساء تسلم المساعدات في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق؛ في القاعة التي تغصّ بقصص تتشابه في الألم والفقد وإن اختلفت في التفاصيل.
في هذه القاعة، وزّعت رابطة" أحرار صيدنايا ومعتقلات الأسد" مساعدات مالية وغذائية لعائلات وذوي المفقودين والضحايا.
تدرك النساء أن هذه المساعدات غير كافية لسدّ احتياج عائلاتهن وربما لن توزع مرة ثانية إلا بعد مرور أشهر، لكنها وكما تقول صفاء" بحصة بتسند جرّة".
فقدت صفاء طالب زوجها محمد خير سعيد فتّة، في سجن صيدنايا بعد أن أُصدرت له شهادة وفاة في عام 2023، أي بعد مرور 11 عاماً على اعتقاله من صحنايا، ومن دون معلومات إضافية عن مكان قتله.
تقول صفاء في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: " قالوا لي بعد اعتقاله: أنتم أهل داريا كلّكم إرهابيون، لقد فقدت زوجي ولم يبقَ لي معيل، ولدينا 7 أولاد.
نأمل أن يُنظر في أحوالنا وأحوال أولادنا".
ويذكر فؤاد نعال، مدير رابطة" أحرار صيدنايا ومعتقلات الأسد" أن الرابطة تتواصل باستمرار مع العائلات وفق قوائم موثّقة لضمان استفادة أكبر عدد في كلّ مرة توزيع.
وتشمل المساعدات مواد غذائية وحصص من اللحوم، ومواد طبية ومنظفات، ومساعدات مالية.
يقول نعال: " قدمنا مساعدات لقرابة 810 عائلات من ذوي المفقودين والضحايا منذ رمضان الفائت.
وتختلف هذه المساعدات في حجمها ونوعها بحسب قيمة التبرعات، لا سيما أن عمل الرابطة قائم بشكل قائم على التبرع".
رابط إلكتروني يوثّق حجم المأساةما إن أنشأت رابط" أحرار صيدنايا ومعتقلات الأسد" رابطاً إلكترونياً لتسجيل ذوي المفقودين في قوائم المستفيدين من المساعدات حتى انتشر هذا الرابط بشكل كبير بين العائلات والأمهات اللواتي بقين بلا معيل في غياب أزواجهن.
لا يظهر انتشار الرابط بهذه السرعة مدى احتياج العائلات وتضرر حالها وحسب، بل يشير أيضاً إلى فاجعة جماعية لحقت بالأهالي في مناطق بحد ذاتها من دمشق وغوطتها؛ إذ أظهرت شهادات النساء في مركز توزيع المساعدات أن قسماً كبيراً منهن، مع عائلاتهن، كن من سكان داريا وحرستا ودوما خلال السنوات الأولى للثورة.
وتذكر عناية أبو الريش والدة الشهيد رامز زاهر سويد في حديثها لموقع" تلفزيون سوريا"، أنّها سجّلت في الرابطة من خلال جارتها التي أرسلت إليها رابطاً إلكترونياً للتسجيل.
وكانت عناية وجارتها في منطقة داريا بينما اعتقل ابنها أمام" حاجز السنتر" القريب من مفرق داريا.
وتقول أبو الريش: " اعتُقل ابني منذ كان في السابعة عشرة من عمره.
وفي بيان الدعوى من القضاء العسكري تبين أنه حُكم 12 عاماً لكنه قتل قبل انقضاء المدة بسكتة قلبية".
وتعد هذه العبارة من الصيغ المتكررة في التقارير الطبية الصادرة عن مستشفى تشرين العسكري بشأن معتقلين قضوا تحت التعذيب.
أما ماجدة نايفة التي تنحدر من دوما فقد فقدت ولديها محمد كوانة ويسرى كوانة بعد اعتقالهما في 2013، وقد قتل ابنها في المعتقل بعد أسبوع بحسب شهادة الوفاة التي أصدرها له النظام، بينما ابنتها فلا تزال بلا أي خبر أو أثر منذ اعتقالها في فرع المنطقة.
فقدت ماجدة ولديها الاثنين وفقدت أختها ثلاثة من أولادها في حملة الاعتقال الجماعي نفسها التي شنها عناصر النظام المخلوع في منطقة صحنايا بعد علمه بأن عائلات كاملة من دوما هربت من القصف إلى مزرعة هناك، من دون أن يعلموا أن نجاتهم من القصف لا تعني سلامتهم من الاعتقال.
وجاءت ماجدة وأختها بعد التسجيل على الرابط الإلكتروني لمقابلة مدير الرابطة لتوثيق حالة ولديها، لكنها لم تأخذ المساعدات بعد لعدم اكتمال إجراءات التسجيل.
فقدت مها مرعي زوجها أيمن محمد المصري خلال" مداهمة" في حرستا اعتُقل فيها عشرات الرجال والشباب ونُقلوا إلى مشفى الشرطة في حرستا، ورغم أنها حاولت كثيراً البحث والسؤال عنه لكن من دون فائدة.
تقول مرعي لموقع تلفزيون سوريا: " لم أترك مكان وأنا أبحث عنه، وحينما أرادت استكمال بعض الأوراق المتعلقة بابنها، أجبروني على كتابة ضبط من أجل إثبات وفاته وقالوا لي: اكتبي أنه توفي بسبب العصابات الإرهابية".
وبسؤالها عن الإعانات التي قُدمت لها بصفتها زوجة مفقود، أوضحت مرعي أنّ هناك تهميش لملف عائلات المفقودين باعتباره ملفاً لم يأخذ الأولوية بعد.
وكانت مرعي قد سجّلت بياناتها ووثقت حالة زوجها المفقود في جمعيات مختلفة من دون فائدة.
وتقول: " أعطوني قطعة لحمة فقط في إحدى الجمعيات، لا يوجد دعم كافٍ ونأمل بتحسين أوضاعنا، وهذه أول مرة آتي إلى مركز التوزيع هنا".
" هذا حقّ عائلات المفقودين".
بهذه الكلمات عبّرت وداد أبو سليم، زوجة المعتقل في" مجزرة علي الوحش" سيف الدين حامد، عن ضرورة الالتفات إلى أحوال النساء والأطفال بعد سنوات من غياب الأب والزوج والأخ.
وتتذكر وداد تفاصيل واقعة الاعتقال الجماعي الذي طال جميع الرجال في جنوبي دمشق، وتقول: " احتجزونا مع الأطفال في جامع فاطمة بعد أن أخذوا الشباب والرجال وصادروا هوياتنا الشخصية، وهددونا بقتل أطفالنا الصغار".
وبعد مرور 12 عاماً على المجزرة، تتلقى وداد المساعدات للمرة الأولى كإعانة في غياب زوجها.
وتضيف: " ليست القضية قضية معونة أو ظرف فيه القليل من المال، نحن نطالب فقط بألّا يضيع دمهم هدراً، وألا ينسوهم أو ينسوا آلافا من عائلات المفقودين والمعتقلين".
في حديثه لموقع تلفزيون سوريا يؤكد مدير رابطة" أحرار صيدنايا ومعتقلات الأسد"، فؤاد النعال، أن النساء في ملف المساعدات الإنسانية بمختلف أشكالها، ويقول: " على الرغم من أن عدد المعتقلين المحررين كبير جداً وأوضاعهم صعبة لا سيما أنهم يحتاجون إلى مصدر دخل وإعادة دمج في المجتمع بعد سنوات الاعتقال الطويلة، فتركيزنا على نساء المفقودين وعائلات الضحايا خلال هذه الفترة".
ويذكر النعال أن حجم الإعانة المقدم في مقابل حجم المعاناة ضئيل جداً، ويستوجب الأمر تدخل الجهات المعنية بدءاً من الحكومة، يقول: " يهمنا أن تتبنى الحكومة قضيتهم وتساعدهم بشكل يومي أو شهري أو سنوي، فمهما ساعدنا نحن كجمعيات مدنية يبقى الملف ضخماً".
وعلى الرغم من أن تحقيق جبر الضرر هو جزء أساسي في مسار العدالة الانتقالية فإن عدداً كبيراً من النساء امتنعن عن ملاحقة حقوقهنّ في ذلك خجلاً من الطلب وتعففاً عن السؤال.
وعن ذلك يذكر النعال محاولاته الدائمة لدفع النساء للمطالبة بحقوقهن يقول: " أخبرت النساء: لا تجعلن أنفسكن في موضع ضعف، يجب أن تطالبن بذلك بقوة؛ فالجميع يعمل عندكن ولا تعملن عند أحد.
بل هم ملزمون".
يعكس واقع عمل منظمات المجتمع المدني حجم العقبات التي ترافق ملف الإغاثة وتعويض ذوي المفقودين.
وفي هذا السياق، يستعرض فؤاد نعال، مدير رابطة" أحرار صيدنايا ومعتقلات الأسد"، وهو معتقل سابق أمضى 21 عاماً في سجون النظام، خلال حديثه لموقع" تلفزيون سوريا"، أبرز الإشكالات التي واجهت الرابطة في تعاملها مع وزارة الشؤون الاجتماعية منذ تأسيسها، ولا سيما في ما يتعلق بملفات عائلات المفقودين والناجين والناجيات من سجون النظام المخلوع.
ويشير نعال إلى وجود ممارسات وصفها بأنها" تضييق" أثرت في آليات عمل الرابطة وقدرتها على متابعة هذه الملفات.
يوضح نعال أن الرابطة تمكنت من تقديم الإغاثة لأكثر من 800 عائلة عبر تحركات سريعة، في محاولة لتجاوز الإجراءات الإدارية المعقدة التي ما تزال تؤثر في عمل بعض المؤسسات الحكومية.
ومع ذلك، واجهت الرابطة، بحسب نعال، صعوبات رسمية منذ مراحلها الأولى، إذ منحتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ترخيصاً مؤقتاً بدلاً من الترخيص الدائم نتيجة ما وصف بأنه" خطأ إداري" استغرق تصحيحه ثلاثة أشهر، إلى جانب تأخر إنجاز إجراءات بسيطة، منها معاملة تغيير الختم، وعدم تخصيص غرفة أو مقر للرابطة يساعدها في خدمة المستفيدين.
ولجأت الرابطة إلى توزيع المساعدات داخل مبنى مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في منطقة باب مصلى بدمشق؛ من أجل" توزيع المساعدات على مرأى الوزارة" كما يقول نعال، وهو ما يعدّ دعوة مباشرة للوزارة لمعاينة حجم الإنجاز على أرض الواقع.
ويؤكد الباحث في مركز الحوار السوري، المحامي نور العبد الله، أن الحكومة السورية تتحمل اليوم مسؤولية أخلاقية وقانونية في تحقيق جبر الضرر، بوصفه جزءاً من واجباتها وامتداداً لما يصفه بـ" منطق استمرار الشخصية القانونية للدولة".
بينما تعنى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بعمليات جبر الضرر المستعجلة.
يقول العبد الله لموقع تلفزيون سوريا: " الدور الحالي لوزارة الشؤون الاجتماعية كبير فهي معنية بتوجيه الإمكانات المتاحة لعملية مساندة الضحايا، وجزء من ذلك يرتبط بقدرتها على الحصول على دعم منظمات دولية أو التنسيق معها لخدمة الضحايا".
ويقول نعال: " عائلات الضحايا والمفقودين تستحق التكريم والتقدير السيادي"، ويشير إلى أن بعض المنظمات حازت امتيازات وتسهيلات من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بناءً على اعتبارات خاصة، ما دفعهم إلى تصعيد المطالب والإلحاح على الجهات الرسمية وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، بهدف دفعهم إلى تبني هذا الملف بشكل مباشر بعيداً عن بيروقراطية الوزارات وتقاعسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك