موت امرئ بسبب حزن شديد، لفقدانه" حب حياته"، لن يكون سبباً عابراً.
إنّه أساس عيشٍ، وإنْ يتمكّن العقل من تحقيق توازن مطلوب في حياة صعبة، في راهن مُثقل بانهيار وتمزّق وقلق وتبدّلات خطرة في مفاهيم ومسالك ومفردات وعلاقات.
والموت، بسبب هذا الحب، يُفترض بها أن تشكّل لحظة تأمل في أحوال كوكب، يضجّ فيه انعدام كل أفق لسكينة وراحة.
وهذا غير شامل الجميع، فلا شكّ أنّ هناك من يُثابر على مواجهة الخراب بالحب، أو على عيش الحب من دون دافع أو هدف، إذ لا داعي لدافع أو هدف كي يعيش المرء حباً، أو حب حياته.
أيكون السابق كلاماً انفعالياً، مع شيوع نبأ رحيل الإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي (1969 ـ 2026)، وقول مقرّبين/مُقرّبات منها، في بيان مقتضب، إنّ سبب الموت" حزن" يُلمّ بها، بعد مرور عام و36 يوماً على وفاة ماتياس ريبا، زوجها و" حب حياتها" (لو موند، 4 يونيو/حزيران 2026)، وحب حياتها شاب سويدي، يتوفّى في 29 إبريل/نيسان 2025 (مواليد استوكهولم، 1972)؟ غالب الظن أنْ لا.
إذْ يندر أن يُعلَن سببٌ كهذا، مع أنّ شخصيات عامة تغادر الحياة، موتاً طبيعياً أو انتحاراً أو توقاً إلى خلاص، لأنّ حباً كهذا يسبقها إلى ذاك المجهول.
ماتياس يدرس الاقتصاد، والحب يورّطه في العمل الفني لمن تُصبح زوجته، ووفاته" تترك فراغاً هائلاً في حياتها" (مدام فيغارو، 4 يونيو/حزيران 2026)، " بعد 31 عاماً من حياة رائعة أمضيناها معاً"، تقول ساترابي.
باكراً جداً، ينخرط في المسيرة الفنية لصاحبة رائعة" برسيبوليس"، إذْ يُشارك في أول فيلم رسوم متحركة قصير لها، تُنجزه بصفتها طالبة في المدرسة العليا للفنون الزخرفية بستراسبور (فرنسا).
لكنّها تتعاون لاحقاً مع الفرنسي فانسان بارونو، مؤلّف أشرطة مُصوّرة ومخرج أفلام، في" برسيبوليس" (2007)، استناداً إلى الأجزاء الأربعة الصادرة بالعنوان نفسه بين عامي 2000 و2003 (النص الكامل في مجلّد واحد، 2007)، و" دجاج بالخوخ" (Poulet aux prunes)، بعد أربعة أعوام.
وإذْ يصنع" برسيبوليس" شهرة لها، بفضل الكتاب أولاً لكنّ للفيلم تأثيراً أكبر في صُنع تلك الشهرة، فإنّ" دجاج بالخوخ" يُكمِل هذه الشهرة، مؤكّداً أنّ لها قدرة جمالية على ابتكار صُور وسرد حكاية عبرها.
والشهرة، إذْ تضعها في مصاف سينمائيين وسينمائيات فرنسيين يُبدعون في جعل الصُور (تحريك، تمثيل) انعكاساً لأحوال وحالات ومسائل، فإنها (الشهرة) تنبثق أيضاً (ربما أولاً) من كون المؤلَّف نفسه سيرة حياة امرأة، تولد في إيران (22 نوفمبر/تشرين الثاني 1969)، قبل أقلّ من عشرة أعوام على الثورة الإسلامية (7 يناير/كانون الثاني 1978 ـ 11 فبراير/شباط 1979)، وتشهد، بعينيّ الطفلة، تحوّلات بلد وأناس، وعائلتها متعاطفةٌ حينها مع الشيوعية، وعمّها أنوش، زعيم الحزب الشيوعي الإيراني، " المتعلّقة به كثيراً"، يُعدَم بسبب آرائه السياسية.
والسيرة مفتوحة على الذاتي والعام، ومشغولة فنياً بجماليات الأسود والأبيض، وبدقّة بصرية تُذهل بسلاسة سرد يحمل في طياته كمّاً هائلاً من الحكايات والتخبّطات والتحوّلات والعلاقات.
تُغادر مرجان ساترابي بلدها عام 1984، ببلوغها 15 عاماً، لإكمال دراستها في الكلية الفرنسية بفيينا (النمسا) لأربعة أعوام، قبل عودتها إلى عائلتها ومدينتها.
في كلية طهران للفنون الجميلة، تنال شهادة الماجسيتر في الاتصالات البصرية، ثم تغادر مجدّداً إلى فرنسا، عام 1994.
لكنّ علاقتها بالسينما تسبق هذا كلّه، إذ يُقال إنّها تكتشفها بفضل أفلام فرنسوا تروفو ولوي بونويل.
مع هذا، تنصرف إلى فنون أخرى، بدءاً من الأشرطة/القصص المُصوّرة والرسم وكتابة نصوص أغان ومُقدّمات أعمال موسيقية، ثم تُشارك بصفتها ممثلة في أفلام ثلاثة، اثنان منها تخرجهما هي بنفسها: Les Beaux Gosses (إنتاج 2009) لرياض ستّوف، وLa Bande des Jotas (إنتاج 2013)، وParadis Paris (إنتاج 2024).
سيُستعاد" برسيبوليس" (عاصمة الإمبراطورية الفارسية الأخمينية) أكثر من غيره، فمحتواه يُثير شهية التعليق، وشهرته تحثّ على مقاربته غداة رحيل صانعته، خاصة أنّ اختياره لمسابقة الدورة الـ60 (16 ـ 27 مايو/أيار 2007) لمهرجان كانّ السينمائي، قبل فوزه بجائزة لجنة التحكيم مناصفة مع Stellet Licht، للمكسيكي كارلوس رايغاداس، يُغضب النظام الحاكم في إيران، الذي يعتبره مسيئاً للبلد.
لكن، لساترابي نتاج آخر، لن يقلّ قيماً فنية وجمالية وسجالية عنه، خارج السينما وفيها.
نشاط ميداني لها بفرنسا، إذْ ستكون" أحد الأصوات الأبرز والأهمها والأكثر تأثيراً في انتفاضة إيرانيين وإيرانيات"، بعد مقتل مهسا أميني في 16 سبتمبر/أيلول 2022، قبل خمسة أيام فقط على احتفالها بعيد ميلادها الـ23، على أيدي رجال" دورية التوجيه"، المعروفة بشرطة الأخلاق.
كتابة في رحيلها تنفتح على فنون واشتغالات، كما تقول حياة وحباً وحزناً.
إعادة" قراءة" نتاجها كلّه تشبه رحلة في معنى الصورة ومساراتها وإمكانيات تعبيرها، وتمريناً على فعلٍ يستفزّ تفكيراً وتأمّلاً، خاصة أنّ عالم اليوم مرهونٌ لمجانين البطش والتنكيل والإبادة.
لعلّ موتها يكون وجهاً آخر لتمرّد صامت على هذا كلّه، أيضاً.
فالتمرّد، كما يُروى عن سيرتها الحياتية، جزءٌ من مكوّناتِ شخصيةٍ، تجعل يومياتها مرايا، وأفعالها إبداعاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك