تتعرض استقلالية البنوك المركزية لضغوط سياسية متزايدة مع عودة التضخم وارتفاع الأسعار إلى واجهة المخاوف الاقتصادية، في وقت يجد فيه صناع السياسة النقدية أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات غير شعبية، مثل رفع أسعار الفائدة أو تأجيل خفضها، لكبح موجة غلاء جديدة ومنع تحول صدمة أسعار مؤقتة إلى تضخم مزمن.
وبحسب وكالة رويترز، فقد تسارع التضخم عالمياً منذ أن دفعت الحرب في المنطقة أسعار النفط إلى الارتفاع، ما أجبر البنوك المركزية على تشديد سياستها النقدية أو التراجع عن إشارات سابقة كانت تمهد لخفض الفائدة.
غير أن هذه القرارات، رغم أهميتها في السيطرة على الأسعار، تفتح الباب أمام ضغوط سياسية مباشرة وغير مباشرة على المؤسسات النقدية.
التضخم يربك حسابات الفائدةوزادت بيانات التضخم الأخيرة من تعقيد المشهد، بعدما سجلت الأسعار ارتفاعا شهريا واضحا في منطقة اليورو والولايات المتحدة.
ففي منطقة اليورو، بلغ التضخم الشهري 1% في إبريل/نيسان، وارتفع المعدل السنوي إلى 3% مقابل 2.
6% في مارس/آذار.
وفي الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 0.
6% على أساس شهري في إبريل/نيسان، بعد زيادة 0.
9% في مارس/آذار، بينما صعد التضخم السنوي إلى 3.
8%.
هذه الأرقام رفعت توقعات الأسواق لاحتمال عودة البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، بعدما كانت الرهانات تميل سابقا إلى خفضها.
وقال نائب مدير الإدارة الأوروبية في صندوق النقد الدولي، هيلغه بيرغر، خلال جلسة بعنوان" استقلالية البنوك المركزية تحت الهجوم"، ضمن المؤتمر الاقتصادي الـ32 في دوبروفنيك بكرواتيا، الذي عقد اليوم السبت، إنه" من السهل أن يكون عضو البنك المركزي مستقلا عندما يكون التضخم منخفضا، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما يرتفع التضخم وتضطر البنوك المركزية إلى اتخاذ إجراءات لا يرغب الناس في تحملها".
وأضاف، أن" الوضع الحالي يشبه قتالا مباشرا"، مؤكدا ضرورة التعامل معه بالشكل الصحيح.
ضغوط سياسية تهدد استقلال القرار النقديوتواجه البنوك المركزية ضغوطا بأشكال مختلفة.
فبعض الحكومات تريد منها أن تجعل قراراتها النقدية في خدمة أهداف صناعية أو اقتصادية داخلية، بينما تضغط حكومات أخرى للحصول على جزء من أرباحها لدعم الميزانيات العامة.
وفي حالات أخرى، تُكلف البنوك المركزية بمهام متداخلة أو متناقضة، ما يجعل قراراتها أكثر صعوبة.
كما يزيد ارتفاع الديون العامة من تعقيد المهمة، لأن رفع أسعار الفائدة يساعد عادة في كبح التضخم، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة الاقتراض على الحكومات.
وتكمن الخطورة، وفق مسؤولين تحدثوا في المؤتمر، في أن" الأسواق إذا بدأت تشك في أن البنك المركزي لم يعد يتصرف باستقلالية كاملة في مكافحة التضخم، فإنها ستبني توقعاتها على سياسة نقدية أكثر تساهلا، ما يجعل السيطرة على ارتفاع الأسعار أكثر صعوبة".
وقال عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني، بوركهارد بالتس، إن" استقلالية البنوك المركزية غالبا ما يُنظر إليها كأمر مفروغ منه عندما تعمل بشكل جيد، لكنها تصبح صعبة الترميم إذا تضررت".
وأضاف إن" السياسة النقدية تحتاج إلى حماية من الحوافز السياسية قصيرة الأجل إذا كانت تريد تحقيق استقرار الأسعار".
في المقابل، رأى بعض المتحدثين في المؤتمر أن البنوك المركزية نفسها أسهمت في إضعاف مصداقيتها عندما تأخرت في التعامل مع موجة التضخم خلال عامي 2021 و2022، إذ وصفت الصدمة حينها بأنها مؤقتة لعدة أشهر، قبل أن تدرك حجمها الحقيقي وتطلق واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي المسجلة.
وارش بين التضخم وضغوط ترامبويضع هذا المشهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وارش أمام اختبار مبكر وحساس، فالرجل الذي عينه ترامب وسط آمال بخفض الفائدة قد يجد نفسه، مع عودة التضخم وارتفاع أسعار النفط، مضطرا إلى تأجيل الخفض أو حتى مجاراة الأصوات الداعية إلى تشديد السياسة النقدية إذا استمرت الأسعار في الصعود.
ليتحول من خيار سياسي راهن عليه ترامب لتليين السياسة النقدية، إلى مسؤول نقدي مضطر لإحباط رغبة الرئيس في خفض سريع للفائدة، حفاظا على مصداقية البنك المركزي واستقلاله في مواجهة التضخم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك