" ثمرة النار" (الآداب، بيروت، 2025) للروائية اللبنانية حنين الصايغ، بعد" ميثاق النساء"، روايتان ترجعان إلى البيئة نفسها، بيئة مشايخ الموحّدين الدروز في لبنان.
الرواية الثانية كالأولى، تدور في الغالب حول نساء هذا القطاع.
النساء اللواتي هنّ أظهر ما فيه وأكثره خصوصية.
بطلتا الرواية نبيلة وابنتها سمر تمتلكان، بخلاف زوجيهما، الشخصية والفردية.
نبيلة لا تنفصل عن بيئتها، بيئة المشايخ، إنها غير زوجها لكنها لا تهجره.
هي فردٌ في محيطها لكنّها لا تتمرّد عليه.
إن لها من الحيلة والدُّربة بحيث تقدر أن توازن بين المصالحة مع الوضع الاجتماعي، والتفرّد ضمنه.
نبيلة هي الشيخة لكنها في الوقت نفسه الحرّة، وفي وسعها أن تكونهما معاً.
من وراء بيئتها تقدّم في الإذاعة، باسم آخر، برنامجاً للطبخ.
ليس هذا وحده بل هي باسم آخر أيضاً" عاشقة الظل" تراسل زوجها الذي لا يدري بها، تعرض عليه مسائل يجاوب عليها بغير ما اعتادته منه، وغير ما يمارسه في بيته.
الزوج يقول ما لا يفعله، هو في ذلك رجل على الدوام، الرجولة في الرواية تكاد تكون نفسها عند الجميع، إن لها من العموم ما يجعل أصحابها بلا فردية، بعكس النساء اللواتي لكل منهنّ تجربتها الخاصة، شخصيتها وفرادتها.
نبيلة تحتال على واقعها بطُرق متفاوتة، كلّ منها لا تضيف لها اسماً آخر فحسب، بل شخصية أُخرى.
نبيلة هي غير مقدّمة برنامج الطبخ، وغير عاشقة الظلّ.
كذلك هي أُمّها وشقيقاتها، مهيبة الأمّ تحبس نجاة البكر في البيت، تمانع زواجها وتبعد عنها العرسان، لتبقى في رعاية أخيها، نجاة تقبل هذه التضحية.
سمر شقيقتها الأقرب تعيش قصة حبّ مع إياد الذي تنقطع قدماه بعد أن انفجرت فيهما قنبلة أثناء التدريب، هكذا نلمّ، بالحرب الأهلية في لبنان.
بنات نبيلة مختلفات، أمل لها اختلاف أمها لكنها لا تحتال عليه، بل تخرجه للعلن، لا تتخفّى كأمها ولا تتلطّى بزوجها، بل ترفضه بعد أن أجبرت على الاقتران به في سنّ مبكرة، بعد ذلك، تتزوج غيره ومن غير الملّة.
تتدبّر فيلماً للمنبوذين من الطائفة.
نبيلة وأمل ليستا وحدهما المختلفتين، كُلّ بطريقتها، يُمكننا أن نجد اختلافاً حتى لدى المتشدّدات دينياً.
فتيات نبيلة، التي هي كما أُمّها أنجبت فتيات فقط، لكلّ منهنّ هذه التجربة الخاصة، المتحرّرة بينهنّ وحتى المتديّنة.
الرجال خارج العموم لا يستطيعون ممارسة اختلافهم داخل البيئة، اختلافهم يخرجهم بالكامل منها.
ذوقان الأخ من أُمّ ثانية، يبتعد إلى المهجر وكلّ ذنبه أنه تزوّج من غير درزية.
مكرم المثليّ هاجر إلى دبي ولم يحضر جنازة أبيه، وليد دخل في بارانويا.
نساء حنين الصايغ متفوّقات على الرجال الذين تعميهم ذكوريتهم وتحدّ من مستواهم، كما هو الأمر مع علي زوج نبيلة.
لا يطيق الرجال المختلفون الحياة الجماعية فيخرجون منها أو تنبذهم، بينما تملك النساء حيلة أوسع.
سرد يجمع بين البُعد الأنثروبولوجي والمتعة الروائيةإنهن يبقين ويمارسن تمرّدهن، بل ويفرضنه على مجتمعاتهن.
ذلك لا يمنع من أنهنّ يعانين ويتحيّرن إزاءه كما حدث مع نبيلة، وكما حدث مع ابنتها أمل.
نبيلة الأمّ تخترع لنفسها أكثر من شخصية، لتتصالح مع نفسها ووسطها في آن معاً.
أمل تخفي زواجها من غير درزي، وتتوجّس من فيلمها عن المنبوذين الدروز، لكنها تنتهي بأن تفرض نفسها وخياراتها.
هكذا تقدر حنين على الموازنة بين الوقائع والتطلعات، بل نجد أن للتطلّعات واقعها وللخلاف أبوابه ومادته.
كل هذا بقدرة الفنّ الروائي على أن يكون، في الوقت نفسه، وثيقة وفنّاً.
الرواية تكاد تكون عن عائلة نبيلة عبر أربعة أجيال.
هكذا نتعرّف على الجدّة مهيبة والبنت نبيلة والحفيدة أمل وبنتها رحمة.
نساء من سلالة مربّعة يُمارسن يومياتهنّ واختلافهنّ، من دون أن ينفصلن عن مجتمعهنّ بكامله.
تقدر حنين الصايغ على أن تزاوج بين الوقائع والأفكار التي تصدر عنها، وتبقى في موازاتها.
هناك الواقعة ومقابلها صداها وما يخرج منها.
نبيلة الشيخة صانعة خبز ماهرة، ولا نتعجّب من شخصياتها الأُخرى، فهذه تبدو موازية لحياتها تلك، التي هي أكثر من حياة واحدة وأكثر من شخص واحد.
إنها عائلة لكنها بيئة كاملة، مشايخها وشيخاتها وأفرادها رجالاً ونساء وأولاداً وبنات، لكن الصايغ العارفة ببيئات الجماعة وأحوالها تنفذ إلى ما لم نكن نعرفه عنها رغم طول معايشتنا لها وقربنا الحميم منها.
تنفذ إلى ما لا ينكشف، لنا رغم تواتره واتصاله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك