لعلّ أفضل ما يوضح أن طائر النحام الوردي، المعروف أيضاً باسم" الفلامنغو"، ويُعدّ وافداً جديداً إلى بحيرة البندقية (Venetian Lagoon)، هو أن اللهجة المحلية في المنطقة لا تتضمن اسماً خاصاً به.
لكن هذه الطيور ذات اللون الوردي الباهت، والتي تُعرف بالإيطالية باسم" فينيكوتيري" (Fenicotteri)، باتت تتوافد إلى البندقية بأعداد قياسية، في وقت قد تسهم فيه الجهود البيئية الرامية إلى استعادة الأراضي الرطبة المتضررة في توسيع موائلها الطبيعية وربما تشجيعها على التعشيش داخل البحيرة.
وبدأت طيور الفلامنغو التي تشتهر بمواقع تعشيشها في إسبانيا وفرنسا بالظهور في بحيرة البندقية الشاسعة مطلع الألفية الجديدة، ولا سيما في مناطق الصيد والمسطحات الطينية الواقعة في أطراف البحيرة.
أما مشاهدتها داخل المركز التاريخي لمدينة البندقية، الذي يقصده ملايين السياح، فظلت نادرة.
ويرى خبراء البيئة أن وصول هذه الطيور إلى البندقية، في ظل توسع نطاق انتشار الفلامنغو الأوروبي، يعد مؤشراً على صحة النظام البيئي للبحيرة وملاءمتها بوصفها موقعاً للتغذية.
وسجل عدد طيور الفلامنغو التي قضت الشتاء في البندقية العام الماضي مستوى قياسياً بلغ نحو 24 ألف طائر، بزيادة قدرها ثمانية آلاف طائر مقارنة بالعام السابق.
وأوضح عالم الطيور أليساندرو سارتوري أن هذه الأعداد" تجعل من بحيرة البندقية واحدة من أهم مواقع قضاء الشتاء بالنسبة لهذا النوع ضمن كامل نطاق انتشاره".
ويجري سارتوري جولات أسبوعية بالقارب في البحيرة بحثاً عن مؤشرات إلى بدء التعشيش، إذ إن ذلك سيكون دليلاً على وجود مستعمرة محلية قادرة على الاستمرار ذاتياً.
وحتى الآن لم تُسجل أي مؤشرات جديدة، بعدما باءت محاولتا تعشيش في عامي 2008 و2013 في مناطق الصيد شمال البحيرة بالفشل بسبب عوامل عدة، من بينها عواصف برد عنيفة أدت إلى نفوق عشرات الطيور.
وأظهر الإحصاء الأخير أن أكثر من 90% من طيور الفلامنغو تتركز في شمال البحيرة، حيث توجد مساحات واسعة من المستنقعات الملحية الطبيعية.
كما تنجذب هذه الطيور إلى مناطق الصيد التقليدية، وهي أراضٍ رطبة شبه طبيعية محاطة بسدود وتوفر كميات وفيرة من الغذاء، لكنها قد تؤدي أحياناً إلى احتكاك مع الأنشطة البشرية.
ويعزز مشروع لإعادة إنشاء المستنقعات الملحية في جنوب البحيرة، بعيداً عن المركز التاريخي والميناء الصناعي، الآمال في زيادة أعداد طيور الفلامنغو في تلك المنطقة أيضاً، من خلال توفير موائل جديدة في جزء من البحيرة شهد تآكلاً شديداً للأراضي الرطبة.
كما قد يسهم ذلك في إبعاد الطيور عن المناطق التي تتنافس فيها مع الاستخدامات البشرية في الشمال.
وتغطي بحيرة البندقية مساحة تبلغ 550 كيلومتراً مربعاً، وكانت المستنقعات الملحية تشكل في الأصل نحو نصف مساحتها.
أما اليوم فلا تتجاوز هذه المساحات، المعروفة محلياً باسم" باريني" (Barene)، نحو 7% فقط من مساحة البحيرة، نصفها تقريباً أعيد إنشاؤه، بحسب جين دا موستو، المديرة التنفيذية لمنظمة" وي آر هير فينيس" (We Are Here Venice)، الشريك المحلي في مشروع" ووترلاندز" (WaterLANDS) الأوروبي الذي تبلغ قيمته 23.
6 مليون يورو ويستمر خمس سنوات لإعادة تأهيل الأراضي الرطبة في أنحاء أوروبا.
وتبدو الأضرار أكثر وضوحاً في وسط البحيرة وجنوبها، نتيجة التقاء عوامل التآكل الطبيعي مع أعمال تجريف قنوات الشحن المؤدية إلى ميناء مارغيرا (Marghera) الصناعي خلال ستينيات القرن الماضي.
وتضيف دا موستو: " منذ ذلك الحين، تسارع تآكل البحيرة وفقدان الرواسب منها إلى درجة أن البندقية باتت تتجه تدريجياً نحو التحول إلى خليج بحري".
وأضافت أن مشروع إعادة تأهيل الأراضي الرطبة" يهدف تحديداً إلى إثبات إمكانية عكس هذا المسار وتغيير مجرى التاريخ".
وتسهم إعادة إنشاء المستنقعات الملحية في تعزيز قدرة البحيرة على احتجاز ثاني أكسيد الكربون، وهو أحد الغازات المسببة للاحتباس الحراري، كما تساعد في التخفيف من آثار ارتفاع مستوى سطح البحر.
لكن دا موستو أوضحت أن تحقيق فوائد مناخية ملموسة يتطلب استعادة مساحات أكبر بكثير، فيما يتمثل هدف المشروع الأوروبي في جعل إعادة إنشاء هذه المستنقعات قابلة للتوسع على نطاق واسع.
كما قد تستفيد طيور الفلامنغو أيضاً من زيادة التنوع البيولوجي.
ويعمل فريق دا موستو على دراسة وسائل تعزيز التنوع الحيوي في المستنقعات المستحدثة، بما في ذلك زراعة أنواع نباتية تساعد على الحد من التآكل وزيادة قدرة الأراضي الرطبة على الصمود.
وتحمل المسطحات الطينية التي يجري العمل فيها مؤشرات واضحة على وجود طيور الفلامنغو، أبرزها الريش الوردي المتناثر.
وفي أحد الأيام شوهد سرب يضم نحو 30 طائراً في الأفق قبل أن يفرّ عندما أطلق زوج من طيور صائد المحار صيحات تحذيرية.
ويعتقد سارتوري أن عمليات إعادة التأهيل بدأت بالفعل تجذب مزيداً من طيور الفلامنغو إلى جنوب البحيرة.
فخلال السنوات الثلاث الماضية ارتفع عددها هناك من بضع طيور فقط إلى ما بين 300 و400 طائر في بعض الفترات.
وقال: " نأمل أن تجد هذه الطيور، كما فعلت في مناطق أخرى من البحر المتوسط، مواقع مناسبة للتعشيش هنا على هذه المستنقعات الملحية".
ويؤكد وجود طيور الفلامنغو في البحيرة أهمية النظام البيئي للبندقية، كما يتيح للزوار فهماً مختلفاً للمدينة الشهيرة وقنواتها وجزرها، ليس فقط من منظورها التاريخي والفني، بل أيضاً من منظورها البيئي.
ومع ذلك، فإن الزوار الذين يأملون في مشاهدة طيور الفلامنغو بسهولة قد يشعرون بخيبة أمل، إذ اضطر صحافيو وكالة أسوشييتد برس إلى الإبحار لمدة ساعة كاملة قبل العثور عليها.
وتعيش الطيور في مناطق ضحلة يصعب الوصول إليها، حيث يتطلب التنقل الآمن معرفة دقيقة بحركة المد والجزر والممرات المائية.
وحتى من مسافات بعيدة، فإنها سريعة التأثر بالاضطرابات وسرعان ما تحلق مبتعدة.
ويتوقع سارتوري أن تصبح مشاهدة طيور الفلامنغو أكثر شيوعاً مع استمرار زيادة أعدادها، خصوصاً من سواحل جزيرتي مورانو (Murano) وبورانو (Burano)، رغم أن ظهورها داخل المركز التاريخي للبندقية لا يزال نادراً.
وشدد قائلاً: " يجب أن يتم ذلك دائماً مع احترام هذه الحيوانات، والحفاظ على مسافة آمنة منها، وعدم التدخل في حياتها اليومية".
(أسوشييتد برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك