العربي الجديد - المعاناة تلف جنوب السودان: فساد وأزمة اقتصادية طاحنة ومجاعة العربي الجديد - شبح الهجرة الطوعية في غزة...استغلال الإنهاك الاقتصادي الجزيرة نت - الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع بالنيل الأزرق روسيا اليوم - بيلاروس.. علماء آثار يكتشفون قطعا نادرة تعود للسلافيين القدماء في مينسك روسيا اليوم - دراسة: الوجبات السريعة في الطفولة قد تعيد برمجة الدماغ وتؤثر على الشهية الجزيرة نت - "هزيمة نادرة" لترمب.. هل يتمكن النواب الأمريكيون أخيرا من إنهاء حرب إيران؟ روسيا اليوم - اكتشاف جديد يعمق حيرة العلماء حول أصل "شبيه القمر" المرافق للأرض روسيا اليوم - بورليايف: سوق السينما يبحث عن التسلية لا الأفكار العميقة وعلينا إحياء "غوسكينو" السوفيتية Independent عربية - هل يترك "الاتفاق المحتمل" إيران مثخنة بالجراح لكن دون انكسار؟ العربي الجديد - عبد الله مكسور في "عبور مؤجل" على هامش التغريبة الفلسطينية
عامة

استيطان دارفور... مخطط الدعم السريع لإعادة رسم خريطة غرب السودان

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 3 أيام
3

تدمر مليشيا الدعم السريع خريطة دارفور الديموغرافية عبر ثلاثية التطهير العرقي والتهجير وإحلال مجموعات سكانية موالية مكان أبناء الأرض، وللسيطرة عليهم تعين قادة للإدارات الأهلية الجديدة وتقتل القيادات ال...

ملخص مرصد
تواصل مليشيا الدعم السريع في السودان عمليات تهجير قسري بحق القبائل الأفريقية في دارفور، مستهدفةً منازلهم وإحلال مجموعات موالية مكانهم. قالت بخيتة محمدين، نازحة من الفاشر، إن قوات الدعم السريع صادرت منزلها وطردتها بحجة انتمائها لقبيلة الزغاوة. بحسب تقرير البعثة الدولية لتقصي الحقائق، تُرتكب جرائم إبادة جماعية ضد السكان الأفارقة في الإقليم منذ أكتوبر 2025.
  • قوات الدعم السريع تهجر 107 آلاف شخص من شمال دارفور خلال شهر واحد (أكتوبر-ديسمبر 2025)
  • إقامة إدارات أهلية جديدة بقيادة قبائل عربية بديلة عن الزعامات التقليدية للقبائل الأفريقية
  • المتحدث باسم حكومة الدعم السريع ينفي التطهير العرقي، معتبراً التقارير دعاية سلبية
من: مليشيا الدعم السريع، بخيتة محمدين، محمد سليمان رابح بليلة، محمد حمدان دقلو (حميدتي) أين: دارفور (الفاشر، الجنينة، شمال دارفور، وسط دارفور)

تدمر مليشيا الدعم السريع خريطة دارفور الديموغرافية عبر ثلاثية التطهير العرقي والتهجير وإحلال مجموعات سكانية موالية مكان أبناء الأرض، وللسيطرة عليهم تعين قادة للإدارات الأهلية الجديدة وتقتل القيادات القبلية الشرعية.

- بقلب مرتجف توجهت الخمسينية السودانية بخيتة محمدين إلى منزلها الواقع في الحي الشرقي بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان من أجل تفقده، بعد مغادرتها مخيم النازحين في منطقة طويلة إلى الغرب من مدينة الفاشر، في رحلة مضنية سيرا على الأقدام لنحو 60 كيلومتراً، إلا أنها صدمت بما رأت، إذ كان عناصر مليشيا الدعم السريع يسرحون ويمرحون داخل البيت، ولدى محاولتها الحديث معهم، أبلغها الجنود بمصادرته: " لأن مُلاكه ينتمون إلى القوة المشتركة الموالية للجيش السوداني"، كما تقول بأسى.

لم يكتفِ الجنود بكيل الاتهامات الجزافية للسيدة وهم يلوحون ببنادق الـ" كلاشنكوف"، بل مضى أحدهم أبعد من ذلك قائلاً بحدة: " أنتم قبيلة الزغاوة (إحدى أبرز المجموعات الأفريقية في دارفور وبلغ عدد مهجريهم مائة ألف نسمة عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة بحسب منظمة الهجرة الدولية) لا مكان لكم هنا"؛ بحسب ما ذكرته محمدين لـ" العربي الجديد" في مقابلة جرت عبر وسيط من مخيم النازحين بمنطقة طويلة التي تسيطر عليها حالياً قوات حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، مضيفة: " أنا مواطنة مدنية، ولا تربطني أي صلة بانتماءات مسلحة أو تنظيمات سياسية".

وتكشف السيدة التي سُلب عقارها عن تكرار المشهد على يد قوات الدعم السريع بحق جيرانها بالفاشر في أحياء النصر والجبل والثورة، وهو ما يتقاطع مع إفادات شهود عيان أبلغوا فريق الأمم المتحدة لتقصي الحقائق عن الانتهاكات في إقليم دارفور، وأكدوا سماع عناصر قوات الدعم السريع تسأل النازحين والعائدين علانية: " هل بينكم زغاوة؟ "، " إذا وجدنا زغاوة فسنقتلكم جميعاً"، و" نحن نريد القضاء على البشرة السوداء في دارفور"، وفق ما جاء في تقرير" السودان: مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر"، الصادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في 17 فبراير/شباط 2026.

رافق عمليات توطين جنود الدعم السريع في مناطق القبائل الأفريقية، إنشاء إدارات أهلية جديدة بالمنطقة، في كسر لقاعدة توريث المنصب ضمن أطر تسلسل كانت تجري داخل القبيلة لتحصل لاحقا على الاعتراف الحكومي بما يمنحها الشرعية الأهلية والقانونية، إذ عُين محمد سليمان رابح بليلة أميراً لـقبيلة الزيادية ذات الجذور العربية في مدينة مليط (تبعد 65 كيلومترا عن عاصمة ولاية شمال دارفور وهي المقر التاريخي لقبيلة البرتي الأفريقية)، وذلك بدلاً من قيادتها التاريخية بزعامة الملك أحمد ياي، بحسب ما يوضحه الخبير في شؤون قبائل دارفور علي منصور انطلاقا من معايشته للنسيج الاجتماعي في المنطقة، قائلا إن الدعم السريع يفرض الإدارات الأهلية الجديدة بالقوة، ووصل الأمر حد قتل قيادات قبلية مثل عمدة منطقة خزان جديد بولاية شرق دارفور، محمد جعفر كرم الدين الذي ينتمي إلى قبيلة الزغاوة وعمدة قبيلة البرقد، عبد القاسم دولي.

وفي ولاية وسط دارفور، أصدرت الدعم السريع قراراً بعزل زعيم قبيلة الفور الأفريقية في زالنجي، التجاني السيسي، لتصبح القبيلة دون زعامة، فيما عُين محمود صوصل أميراً للقبائل العربية في المنطقة.

تتقاطع إفادة منصور مع وثيقة حصلت عليها" العربي الجديد" تضم قرار تكليف محمد سليمان رابح بليلة، أميرا للزيادية بمحلية مليط، واعتماد 15 عمدة في ذات التكليف الصادر في الخامس من فبراير 2026 عن والي ولاية شمال دارفور، اللواء جدو حمدان أحمد محمد، ويشغل منصب قائد الفرقة السابعة مشاة التابعة لقوات الدعم السريع بالفاشر كما أنه الوالي المكلف لشمال دارفور بحسب القرار رقم 4 الصادر عن قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو" حميدتي".

وينتمي اللواء محمد، ويعرف بلقب" أبو نشوك" إلى قبيلة الرزيقات العربية وهو الذي قاد عمليه حصار مدينة الفاشر، حسب الخبير منصور، الذي يقول: " أبو نشوك هو من أصدر قرار تكليف محمد إسماعيل أدم حامد بقيادة المكتب التنفيذي للإدارة الأهلية في الولاية، في 18 ديسمبر 2025، وهو أداته في عملية التلاعب الديموغرافي الجارية.

فبعد تعاظم نفوذ القبائل العربية، بدأت عملية استيطان في القرى الفاصلة بين مدينتي الفاشر ونيالا، حيث ظهرت تجمعات عربية في قرى مثل شدني وصبية غربي دارفور التي تم تغيير اسمها إلى أم ضوبان، وتم تنصيب إدارة أهلية لقبيلة الرزيقات (الحمدانية) العربية بقيادة عبد الله أبونوبة".

الأمر ذاته تكرر في مناطق جبل مرة وسط دارفور؛ إذ تم استيطان منطقة يطلق عليها دوقي وتحويل اسمها إلى أم القرى، وهي أراضٍ تتبع لقبيلة الفور الأفريقية، وبعد طرد سكانها تم إحلال أحد فروع قبيلة الماهرية العربية (يطلق عليهم أولاد منصور) وتعيين أحد أفراد أسرة قائد المليشيا عمدة لها ويدعى جمعة دقلو.

كل ما سبق يعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بجانب تشكل عناصر الإبادة الجماعية للمجموعات العرقية الأفريقية، حسب الخبير في القانون الدولي ومدير المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام (منظمة غير حكومية في السودان) مساعد محمد علي، قائلا لـ" العربي الجديد" إن اتفاقية جنيف الرابعة تعتبر التهجير القسري جريمة ضد الإنسانية، إذ نصت المادة الرابعة أن تهجير المجموعات بالقوة وإحلال مجموعات أخرى مكانها يعد جريمة، تمكن إحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية التي تملك تفويضاً من مجلس الأمن للتحقيق في جرائم دارفور منذ عام 2005.

خلال الفترة بين 26 أكتوبر وحتى الثامن من ديسمبر الماضي بلغ عدد مشردي ولاية شمال دارفور 107 آلاف فرد، يمثلون أكثر من 24 ألف أسرة"، وفق بيانات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية المقدمة في بداية العام الجاري إلى مجلس الأمن الدولي عملا بالقرار 1593 (2005)، ومن بين هؤلاء الضحايا الناشطة في المجتمع المدني حواء محمود التي فرت من مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، حيث كانت تسكن، لتستقر في معسكر اللاجئين بمدينة أدري أقصى شرق تشاد على الحدود مع السودان، وتروي ما جرى في 23 إبريل/نيسان 2023 حين دهمت 4 سيارات عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع المنطقة التي تسكن بها وأطلقت النار قبل أن تهاجم أحياء في المنطقة الجنوبية من المدنية والتي تقطن بها قبيلة المساليت الأفريقية.

وقتها قتل" 800 شخص في حي أردمتا بمدينة الجنينة"، بحسب بيان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الصادر في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

ومن بين الضحايا، والد حواء إذ أرداه جنود المليشيا بمجرد دخول المنزل، كما تقول، مضيفة بألم: " منعونا من دفنه لمدة ثلاث أيام".

لاحقا غادر أفراد أسرة حواء مدينة الجنينة إلى أدري وتركوا خلفهم الأوراق التي تثبت انتماءهم لقبيلة المساليت، كما تروي لـ" العربي الجديد"، وتتابع: " بعد أشهر من وصولنا إلى معسكر اللاجئين في أدري عرفت من العائدين إلى الجنينة أن جنود الدعم السريع، استولوا على منازل مواطنين وسكنوا بها مع أسرهم في أحياء الجمارك والصفاء والصافية.

أما منزلنا فقد سكن فيه أحد قادة الدعم السريع مع أسرته".

تتقاطع وقائع معاناة عائلة حواء بحذافيرها مع ما جرى لأسرة الثلاثيني محمود إدريس، الذي غادر مدينة الفاشر إلى دولة أوغندا، تاركا خلفه منزله وشركته في مجال المقاولات، كما يقول، لـ" العربي الجديد"، موضحا أن شقيقه وابن عمه قتلا خلال عام 2025 جراء استهداف حمل طابعاً عرقياً من قوات الدعم السريع.

ويصف المهندس المعماري إدريس ما حدث حينها، بالقول: " استهدفت قذائف قوات الدعم السريع منازل المواطنين بشكل متعمد ضمن مخطط لتصفية المجموعات العرقية، بذريعة أنها موالية للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني".

من أبرز أهداف مليشيا الدعم السريع في تهجير القبائل الأفريقية السيطرة على مواردهم كالأراضي الزراعية، ومناطق التعدين الغنية بالذهب، كما يقول المستشار السياسي لرئيس الوزراء السوداني محمد محمد خير، مضيفا لـ" العربي الجديد": " للأسف العديد من القبائل ذات الجذور العربية تحالفت مع قوات الدعم السريع بهدف استيطان تلك المناطق ونهبها، وإن كان بعضهم لا يعلن هذا مباشرة إلا أن ما يجري على أرض الواقع يدل على أنه يتم بشكل مبطن".

بينما تحالفت بعض القبائل مع الدعم السريع للنجاة من العنف، كون المليشيات هي المسيطرة في غرب السودان، كما أن تلك القبائل تفتقر إلى حماية مؤسسات الدولة الرسمية، بحسب ما تراه الباحثة في مركز دراسات السلام بجامعة النيل الأزرق، الدكتورة هنادي المك، موضحة لـ" العربي الجديد" أن السيطرة العسكرية الواسعة لقوات الدعم السريع أدت إلى حاجة مجموعات سكانية كبيرة للتكيف معها.

لكن المتحدث باسم حكومة تأسيس (غير المعترف بها دوليا) والتي يقودها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، الدكتور علاء الدين نقد، ينفي التطهير العرقي أو توطين القبائل العربية في مناطق القبائل الأفريقية واصفا الوقائع المثبتة بأنها" دعاية سلبية"، وتابع قائلا لـ" العربي الجديد": " قمنا بالرد على تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، رغم أن التقرير به عطب في المنهجية التي أعد بها لأن المقابلات التي اعتمد عليها أجريت في معسكر العفاض (يأوي نازحين) في مدينة الدبة شمالي السودان، وتمت صناعته من قبل الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش السوداني".

وعن إمكانية تحويل قادة قوات الدعم السريع إلى المحكمة الجنائية الدولية، يقول نقد إن تقرير اللجنة صُمم حتى يقود لإصدار مذكرات اتهام من قبل الجنايات الدولية.

تشريد 107 آلاف شخص يمثلون أكثر من 24 ألف أسرة خلال شهر واحد في دارفورغير أن ما قاله نقد يتنافى مع الوقائع المثبتة آنفة الذكر بالإضافة إلى ما توصل إليه تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصى الحقائق، من أدلة تؤكد ارتكاب الدعم السريع لجريمة الإبادة الجماعية ضد القبائل الأفريقية لدى اقتحام مدينة الفاشر في 26 أكتوبر 2025.

وعلاوة على الوقائع والوثائق الداعمة، يقول المحامي في مدينة الفاشر والمدافع عن حقوق الإنسان محمد نكروما، إن إفادات ضحايا قوات الدعم السريع المتقاطعة وأعدادهم الهائلة، تؤكد وقوع عملية تهجير قسري للسكان الأصليين بقوة السلاح وبشكل علني بلا مواربة.

يتابع نكروما، الذي ترأس لجنة المصالحة والوساطة في مدينة الفاشر خلال الفترة بين 17 إبريل 2023 وحتى فبراير 2024 وعمل على محاولات عديدة لوقف القتال وتجنيب المدنيين تبعاته، " حقوق الضحايا المهجرين في منازلهم وأراضيهم لن تسقط بالتقادم".

لكن المهندس إدريس، يرى أن حديث نكروما حالم، في ظل أن منزله بحي الدرجة وسط جنوب الفاشر يقطنه حالياً أحد ضباط الدعم السريع، كما أن التعايش مجددا مع مجموعات مسلحة ذات أبعاد عرقية ترى في الآخر عدواً، أصبح مستحيلاً بعدما تم تدمير السلم والأمن الأهليين، مستدركاً: " ربما لن نعود إلى دارفور مجدداً".

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك