عندما تتآكل حرية المؤسسة بالاعتماد على أنظمة تقنية لا يمكن التحكم فيها تحكماً كاملاً أو استبدالها بسهولة، عندما تتراكم الديون باسم التقدم، فلا تظهر في الميزانية العامة، يتشكل لنا ما نسميه الدين التقني السيادي الذي إن لم ننتبه له، سيأتي وقت لا بد لنا فيه من السداد.
يتمحور اليوم نقاش حول السيادة الرقمية تولد منه في أوروبا أطر لحوكمة البيانات، وفي غيرها استراتيجيات لإنتاج الرقائق، سعياً نحو تحقيق سيادة على التقنيات التي تحرك عجلة التقدم.
ومع ذلك، تختفي أوجه السيادة الرقمية الأهم من هذه المحادثات، المسألة ليست في التقدم نفسه، إنما في آلية تراكم الديون التقنية كعرض جانبي للتقدم، لا تتراكم الديون بسبب فقدان السيطرة على البيانات والأنظمة من حيث مراقبتها أو جمعها، ولكن بسبب آلية التقدم التي تعتمدها المؤسسة نفسها.
يتراكم الدين بقناع التقدم عندما تتبنى المؤسسة مثلاً منصة حديثة بمواصفات عالمية، تعد المنصة بتوحيد المشتريات وإعادة تنظيم كشوف المرتبات والتمويل والخدمات اللوجستية مما يرفع من مستوى التكامل بين الأنظمة، بعد نجاح التطوير تتحسن الخدمات، وتبدأ العلامات الإيجابية في الظهور وعلى رأسها السرعة والكفاءة، لكن هذا التحسين يحمل في طياته تبعات مهمة.
ما تحصل عليه مع المنصة هو منظومة من الدعم لها هيكلية خاصة.
أولًا، نظام المشتريات يضع إطارًا منذ البداية للتأهيل ومن ثم فرز المنافسين.
ثانيًا، يختار المسؤول التقني ما يضمن له الدعم القيادي في حال النجاح أو التعثر، وهو الخيار الذي لا يستغرب نجاحه ولا يلام عند فشله، مع تحقيق الأهداف التقنية يصبح للتطوير عائد اجتماعي وسياسي للفرد وللفريق، فالنجاح هو ما يحتفى به لا الفشل طبعًا.
في خضم العملية التطويرية توضع الأسئلة الصعبة جانبًا إلى أن يتحقق الهدف أو يكتمل المشروع، فليس هذا وقت استعراض كشف الحسابات وجرد المديونيات، مع الوقت ينمو النظام وتتراكم المديونيات ويحقق الحل التقني شرعية يصعب مساءلتها.
لا يتوقف التقدم عند نظام واحد إنما يتراكم في طبقات تزيد تعقيدًا، فإذا طور نظام الموارد المؤسسية مثلًا سيتبعه نظام الذكاء الاصطناعي الذي يستفيد من البنية التقنية فيبني عليها، هذا التراكم التقني يتبعه تراكم المديونية السيادية، إلى أن يتحول الاعتماد التشغيلي إلى اعتماد معرفي: الأنظمة مرتبطة هيكليًا بمفاهيم المورد وأطره الفكرية وأساليب عمله التي تجعل من البيانات قيمة يستفاد منها في ذلك الإطار الهيكلي، كلما زدت من استثمارك تعمق ارتباطك بالمنظومة حتى يكون ارتباطًا عضويًا يكلف الانفصال منه كثيرًا.
يكمن الخطر عندما يتوافق موعد سداد الدين التقني السيادي مع اللحظة الحرجة لتوسيع هامش الاستقلالية التقنية.
حسب قانون ميرفي، فإن هذا التوافق سيحدث على موعد السداد مهما كان بعيدًا أن يحل قبل وقته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك