تتزايد أعداد المصابين بالكوليرا والوفيات من بينهم يومياً في مناطق غرب إقليم كردفان السوداني، في ظلّ عجز المراكز الصحية القليلة العاملة عن استيعاب المصابين أو إنقاذ المعرضين للموت.
تشهد مناطق غرب إقليم كردفان الواقعة خارج سيطرة الحكومة السودانية، تفشياً واسعاً لوباء الكوليرا الذي تمدّد بسرعة في العديد من المدن والقرى التي تعاني من انهيار شبه كامل للقطاع الصحي مع نقص شديد في الكوادر الطبية.
ومع تزايد أعداد الوفيات والإصابات، وجد المرضى أنفسهم أمام معضلة ندرة المحاليل الوريدية والأدوية الأساسية ما جعل العاملين الصحيين يطلقون تحذيرات متكرّرة من كارثة إنسانية تتفاقم.
وتفشت الكوليرا وسط تجمعات العاملين في مناجم الذهب، وفي مخيّمات النازحين بعدة مناطق في ولاية غرب كردفان، من بينها فوجا والنهود والفولة والدِبب وغبيش وود بندة، والتي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وتحول العدد القليل من المراكز الصحية الصغيرة العاملة إلى مراكز عزل مكتظة بالمرضى.
ويتوقع أن تكون الحالات المرصودة أقل بكثير عن الأرقام الحقيقية بسبب صعوبة وصول الفرق الطبية والإغاثية إلى تلك المناطق، كما تُرجح الكوادر الطبية اتساع رقعة انتشار الوباء إلى مناطق جديدة في إقليمَي كردفان ودارفور، إذ توجد عشرات المخيّمات المكتظة بالنازحين.
وفي 3 مارس/آذار الماضي، أعلنت وزارة الصحة السودانية انتهاء تفشي الكوليرا بعد عدم تسجيل أي إصابات لمدة 48 يوماً متصلة، وهي المدة اللازمة لإعلان انتهاء تفشي الوباء، والذي ظهر في يوليو/تموز 2024 في مناطق شرقي السودان، وانتشر لاحقاً إلى جميع المناطق تقريباً، ما أدى إلى إصابة 124.
418، ووفاة 3.
573، وفقاً لبيانات وزارة الصحة الاتحادية.
وظهرت الكوليرا مجدداً قبل ثلاثة أسابيع في إدارية فوجا التابعة لولاية غرب كردفان، لكن حجم الانتشار تضاعف خلال الأسبوع الماضي، بحسب غرفة طوارئ غرب كردفان، والتي أكدت أن أعداد الإصابات تتزايد يومياً، ولا يمكن حصرها بدقة بسبب عدم وصول الكثير من المرضى إلى مواقع العزل.
وتجاوز عدد الإصابات 300، سجلت من بينهم 70 وفاة، بحسب مصادر طبية ميدانية.
يقول المتحدث باسم غرف طوارئ غرب كردفان، عُدي عبد الله، إنّ" الأوضاع متأزمة، وقابلة للانفجار إذا لم تجرِ السيطرة عليها في أسرع وقت.
يصعب معرفة العدد الحقيقي للضحايا نتيجة كثرة عدد مخيّمات النازحين، وتباعد القرى، وصعوبة المتابعة الدقيقة لأوضاع المرضى، خصوصاً أن بعض الأُسر اكتفت بالعزل المنزلي بدلاً من نقل المصابين إلى مراكز العزل الرسمية.
تدخلت بعض الجهات، من بينها الحكومة المشكلة من الدعم السريع، والتي وزعت أدوية ومحاليل وريدية على مراكز الحجز والمستشفيات".
ويوضح عبد الله لـ" العربي الجديد": " هناك معضلات كثيرة تواجه سكان غرب كردفان، وأغلبهم من النازحين الذين يقيمون في مخيّمات تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية، مثل مياه الشرب النظيفة ومرافق الصرف الصحي، ما يجعل المئات يضطرون لقضاء حاجتهم في العراء، وهذا سبب أساسي لانتشار الوباء بهذه السرعة خلال الأيام الماضية، إلى جانب شرب المياه غير النقية أو المخزنة.
يضطر السكان إلى حفر خزانات بدائية في الأرض يحتفظون فيها بالمياه لعدة أشهر، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام البشري".
وتوقفت معظم محطات إنتاج المياه في المنطقة نتيجة عمليات التخريب الواسعة والسرقات التي طاولت ألواح الطاقة الشمسية التي تشغل الآبار منذ انقطاع الكهرباء قبل أكثر من ثلاثة أعوام في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
واعترفت وزارة الصحة الاتحادية بوجود صعوبات كبيرة في الوصول إلى المناطق المنكوبة في كردفان لوقوعها تحت سيطرة الدعم السريع، والتي تعرقل عمل الكوادر الطبية والعاملين في المجال الصحي في أجزاء من كردفان ودارفور.
وقال وزير الصحة الاتحادي هيثم محمد إبراهيم، إنّ الأعراض الإكلينيكية التي ظهرت على المرضى في كردفان تشير إلى عودة الكوليرا مجدداً بعد إعلان خلو السودان منها خلال الأشهر الماضية، وأوضح لـ" العربي الجديد"، أنهم تمكّنوا من إرسال فرق طبية إلى المنطقة بالتنسيق مع عدد من الجهات، من بينها وزارات الصحة الولائية في إقليم كردفان، لرصد المناطق التي ظهرت فيها الكوليرا، وأخذ عينات لمزيد من الفحص الطبي، مع تحديد الاحتياجات الضرورية من أجل توفيرها.
وأضاف إبراهيم: " ما دام هناك مخاطر حقيقية، مثل تلوث مياه الشرب وتدهور الأوضاع البيئية، فليس من المُستبعد ظهور الكوليرا في أي منطقة، مثلما ظهرت مرات عدة خلال السنوات الماضية.
تعاني وزارات الصحة الولائية من ضعف التمويل، وعدم القدرة على الاستجابة السريعة لقلة مواردها وشح إمكانياتها".
وتعتبر محلية فوجا التي ظهرت فيها الكوليرا من أكثر المناطق اكتظاظاً في غرب كردفان، لوجود عدد من مناجم التعدين التقليدي للذهب، والتي يعمل بها آلاف الأشخاص، ويقيم هؤلاء في أكواخ بسيطة، ويقضون حاجتهم في العراء لعدم توفر الصرف الصحي.
ويقول طبيب يعمل بالمنطقة، فضل حجب هويته لدواعٍ أمنية: " تشهد المنطقة تدهوراً بيئياً خطيراً ناتجاً عن مناجم التعدين الأهلي التي لا توجد بها أي خدمات إصحاح بيئي، وبعد ظهور الكوليرا غادر كثير من المعدّنين إلى مناطق مختلفة، وتسبّبوا في نقل الوباء إلى تلك المناطق"، وأوضح الطبيب لـ" العربي الجديد": " معظم المناطق التي ظهرت فيها الكوليرا لا توجد بها مستشفيات ولا مراكز صحية، مع نقص كبير في الكوادر الطبية بجميع مناطق غرب كردفان، وبالتالي فالمصابون لا يحصلون على أي رعاية طبية".
ويتابع: " الكثير من الكوادر الصحية تركت العمل بسبب المخاوف الأمنية، فضلاً عن توقف غالبية المراكز الصحية في القرى والبلدات الريفية، وتحتاج المنطقة إلى تكثيف الجهود الطبية، وفرض رقابة صحية على المياه والأسواق وتوسيع مراكز العزل، وتوفير مختبرات متنقلة إلى جانب الإمدادات الطبية بأنواعها، مع ضرورة توفير المياه النقية والصرف الصحي، والتوعية المجتمعية الشاملة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك