انتهت رسمياً ثماني سنوات قضاها جيروم باول على رأس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي، ليحلّ محله كيفين وارش بعد أن أقرّ مجلس الشيوخ تعيينه بأصواتٍ بلغت 54 صوتاً مقابل 45، في جلسةٍ 13 مايو/ أيار 2026، التي اتّسمت بانقسامٍ غير مسبوق.
وفي اليوم التالي، أعلن البنك المركزي الأميركي بقاء باول رئيساً بصورةٍ مؤقّتةٍ إلى حين أداء وارش اليمين الدستورية أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دون أن يُكشف بعد عن موعد محدّد لهذا الحفل.
غير أنّ عضوي المجلس، ستيفن ميران وميشيل بومان، عبّرا في بيانٍ مشتركٍ عن رفضهما هذا الترتيب المؤقّت، لما فيه من غموضٍ زمني.
وبينما تنحّى باول عن المقعد الرئيسي، أبقى على عضويته في مجلس المحافظين، ريثما ينتهي التحقيق الجنائي الذي تجريه إدارة ترامب معه.
كيفين وارش، المحامي الذي تخرَّج في هارفارد، والمصرفي الذي عمل في مورغان ستانلي، ليس وجهاً جديداً على العواصف المالية، فقد عايش من كثب أزمة عام 2008 من داخل جدران الاحتياط الفيدرالي، وكان له دور محوري في هندسة حزم الإنقاذ العاجلة، ودمج المؤسسات المتعثّرة، مساهماً في صياغة سياساتٍ أرست دعائم النظام المصرفي الأميركي في أحلك لحظاته.
ومن أبرز ما يميِّز رؤيته الاقتصادية، دعوته إلى سياسة نقدية تراعي أسعار الأصول والإنتاجية، مع ميلٍ واضحٍ إلى التشدّد في مواجهة التضخّم، ورفضٍ قاطعٍ لبرامج التيسير الكمّي التي يرى فيها بذوراً لفقاعاتٍ تضخّم أسعار الأصول.
إنّه رجلُ الأزمات بامتياز، يحمل في جعبته خبرات نادرة تجمع بين القانون والمال والسياسة النقدية.
فور تولّيه دفّة القيادة، يعتزم وارش إحداث تغييرات هيكلية جذرية وفق محللين، أبرزها تقليص اجتماعات السياسة النقدية من ثمانية إلى أربعة سنوياً، والحدّ من التوجيهات المستقبلية للأسواق حول مسار الفائدة، وهي خطواتٌ يرى خبراء مصرف جي بي مورغان أنّها تقع ضمن صلاحياته التقديرية.
ويترأّسُ اجتماعه الأول في منتصف يونيو/ حزيران الجاري، وسط بياناتٍ تضخمية ضاغطة، إذ سجّل مؤشر أسعار المنتجين ارتفاعاً بنسبة 6% سنوياً في إبريل/ نيسان الماضي، وهي أسرع وتيرة منذ أواخر عام 2022، بينما تتراوح الفائدة بين 3.
5 و3.
75%، دون أفقٍ لخفضها هذا العام.
وهكذا يواجه وارش اختباراً مزدوجاً.
فمن جهة، عليه أن يرفض ضغوط ترامب ويثبت استقلاليته عن البيت الأبيض، ومن جهةٍ أخرى، أن يقنع مجلساً منقسماً داخل الفيدرالي بقدرته على بناء توافقٍ في ظروف استثنائية.
قبل ثماني سنوات، جلس جيروم باول على كرسي الرئاسة وسط مخاوف من ركودٍ صامتٍ وعمالةٍ خاملة.
أمّا اليوم، فيترك خلفه اقتصاداً مغايراً بالكامل، تتمثّل أهمّ معالمه في تضخّم متوحّش بعد الجائحة، ظلَّ لعامين فوق العتبة المستهدفة، وفائدة قفزت إلى ذروة عقدين.
وفي خضمِّ ذلك، صمد باول أمام هجمات ترامب الشخصية، ثمّ تحدَّى تحقيقاً وزارياً غير مسبوق.
ورغم أنّه ليس خبيراً اقتصادياً، بل محامياً ومُولعاً بالغيتار، فإنّه أصبح رمزاً لحراسة استقلال البنك المركزي.
والمدهش أنّه سيبقى في مقعد العضوية حتى يتأكّد من خلاص المؤسسة من قبضة السياسة.
من أعظم الدروس التي يتركها باول لخلفه أنّ التضخّم لا يرحم من يظنّه عابراً.
فبعد جائحة كورونا، قفزت أسعار المستهلكين إلى ذروة لم يشهدها العالم منذ أربعين عاماً، حين بلغت 9.
1% في يونيو 2022.
واليوم، تزيد الأسعار الإجمالية بنسبة 27% عن مستوى ما قبل كورونا، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية وحدها بنسبة 30%، بعد أن كانت الزيادة لا تتجاوز 3.
6% في السنوات الست التي سبقت الجائحة.
وقد أبقى الفيدرالي الفائدة قرب الصفر حتى مارس/ آذار 2022، معتقداً أنّ التضخّم الناتج عن اضطرابات سلاسل التوريد سيكون مؤقّتاً، وأنّ رفع أسعار الفائدة سيضرّ بالاقتصاد الأميركي ويؤجِّج البطالة.
أمّا الخطأ الآخر الذي يُعاب على باول، فهو سوء قراءة المؤشّرات.
ففي الوقت الذي ضخّت فيه واشنطن نحو 5 تريليونات دولار على شكل تحفيزات ومساعدات، بقيت الفائدة قرب الصفر، ممّا أشعل الإنفاق والطلب في الوقت الذي بقيت فيه سلاسل التوريد عاجزة عن تلبية ذلك الطلب.
فقد أصرَّ الفيدرالي على وصف صدمة العرض بالمؤقّتة، رغم صراخ البيانات بوصول الطلب الكلي إلى ذروته، لكن باول تعلّم الدرس متأخِّراً، فقاد أكبر حملة رفع فائدة منذ الثمانينيات، وحقّق هبوطاً سلساً في التضخّم الذي وصل إلى 2.
3% في سبتمبر/ أيلول 2024.
ثمّ انقلبت الطاولة مجدّداً عندما فرض ترامب تعرفاته الشاملة، ليعيد التضخّم ويثبت أنّ استقلالية الفيدرالي تواجه امتحاناً لا ينتهي.
في الواقع، جاء باول إلى منصبه وفي أولوياته خلق أكبر عدد ممكن من فرص العمل، وخاصة لأصحاب الدخل المحدود، لكن هذا التوجُّه كلّفه ثمناً، إذ يراه بعض الاقتصاديين سبباً رئيسياً في تأخُّر رفع الفائدة رغم تصاعد التضخّم بعد الجائحة.
ففي أغسطس/ آب 2021، حين كانت البطالة لا تزال مرتفعة عند 5.
4%، فضّل باول الانتظار بدلاً من التحرّك، غير أنّ مدافعين عنه، ومنهم الخبيرة الاقتصادية السابقة في الفيدرالي جوليا كورونادو، يرون أنّه كان محقّاً تماماً؛ فطالما لا تظهر أي مؤشرات على تضخّم وشيك، فمن الحكمة إبقاء الفائدة منخفضة والضغط بقوّة لدفع التشغيل إلى أقصى حدّ.
هذا الدرس بالتحديد سيجد وارش نفسه أمام اختبار العودة إليه في كل مرّة يتعارض فيها خفض البطالة مع كبح الأسعار.
لعلّ الصورة التي لن ينساها التاريخ لباول هي وقوفه إلى جوار ترامب في موقع مشروع تجديد مبنى الفيدرالي، ثمّ إخراجه نظارته ليصحِّح أمام الكاميرات تكاليف التجديد التي بالغ فيها ترامب.
بتلك الجرأة، أثبت باول استعداده لصدّ أي هجوم على استقلالية البنك المركزي، وهو مبدأ يراه الخبراء ضرورياً لاتّخاذ قرارات مؤلمة يرفضها السياسيون.
وقد بنى باول جسوراً متينة مع الكونغرس، فقد التقى أعضاء مجلس الشيوخ أكثر من ضعف ما فعله أسلافه، موزِّعاً لقاءاته بين الحزبين بعدالة، إلى درجة أن منتقديه في السياسات النقدية يشيدون بحمايته استقلالية الفيدرالي، وهو الإرث الأهمّ الذي سيحتاجه وارش في مواجهة أي تدخُّل مستقبلي من البيت الأبيض.
خلاصة القول إن باول لم يكن خبيراً اقتصادياً، لكنّه بيَّن أنّ التضخّم لا يغفر التهاون، وبرهن أنّ الاستقلالية تُنتزع بجرأة المواقف لا بالشعارات.
أمّا وارش، فسيبدأ من حيث انتهى باول، أي انطلاقاً من ضغوط ترامب، وعودة التضخّم، وانقسام المجلس.
فهل يصنع وارش تاريخاً أم يكرِّر الأخطاء؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك