من المفهوم، والمطلوب، أن يتساءل مثقّفون عرب ولبنانيون عن جدوى خيارات حزب الله العسكرية، وعن أحاديتها، وعن ارتباطها بهيمنة الحزب على الدولة عقوداً، بل ومساهمته في تقويضها.
لكن أن يتحوّل مثقّفون دعاةً إلى مشروع التفاوض المباشر مع إسرائيل باعتباره مخرجاً وحيداً للأزمة، فهذا ممّا يتعذّر تفهّمه.
لا يستحقّ هذا الرأي التنديد الأخلاقي والسياسي فحسب، ولكن قبل ذلك المساءلة المنطقية.
في حماسته للتفاوض، يصرّ هذا الفريق على تصوير رفض العلاقة مع إسرائيل موقفاً عاطفياً، رومانسيةً سياسيةً، أو في أحسن الأحوال موقفاً أخلاقياً طوباوياً، يستدعي الوضع الراهن عقلانية وبرغماتية تتجاوزه.
لكنّهم في ذلك، للمفارقة، يستدعون لغة قديمة عمرها عقود طويلة، منذ ما قبل" كامب ديفيد" (1978)، ويقدّمونها حلّاً عصرياً ضرورياً لتحطيم الأصنام وفض الغبار عن المواقف" القديمة" من إسرائيل.
ولكنّ رفض العلاقة مع إسرائيل لم يكن يوماً موقفاً أخلاقياً فحسب، وإنّما كان موقفاً عقلانياً وواقعياً.
فكان التحفّظ على مشروع حزب الله بِعدّه نقيضاً لبناء الدولة اللبنانية تحفّظاً مشروعاً وله وجاهة، فإنّ إسرائيل، كما وضّح مثقّفون عرب سنين، وكما يقول مسؤولون إسرائيليون بصراحة وقحة، أقلّ المعنيين بوجود دول ومؤسّسات راسخة في محيطها.
ولا يحتاج المختلف مع هذا الرأي إلى استدعاء عقود طويلة من العلاقة مع إسرائيل، ولا أن يعود إلى اتفاقات التطبيع وجولات التفاوض العربية معها، وما آلت إليه من استبداد أبشع ودول أوهن، إذ يكفيه أن ينظر في محيطه المباشر.
على المتحمّسين للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل أن يتجرّأوا على تسمية الأشياء بمسمّياتها: إنّهم يدعون إلى استسلام كامل لإسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك