في ظل ضجيج الأوراق المتدفقة وأصوات الأحزمة الدوارة داخل أحد مصانع الطباعة في مدينة كيوتو اليابانية، وقف فنانان يراقبان مقالتهما المصورة وهي تخرج إلى النور على هيئة صفحات صحافية كبيرة، في إطار محاولة لاستقطاب جمهور جديد في عصر يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
ورغم التراجع المستمر في صناعة النشر، تزداد شعبية النشر الذاتي ومجلات" زين" (Zine) اليدوية في اليابان، في انعكاس لحب اليابانيين المستمر للورق حتى في العصر الرقمي.
ويعود مصطلح" زين" إلى اختصار لكلمة" ماغازين" (Magazine)، وقد شاع استخدامه لوصف المنشورات المستقلة التي ينتجها أفراد أو مجموعات صغيرة خارج مؤسسات النشر التقليدية، وغالباً ما تُطبع بكميات محدودة وتتناول موضوعات متخصصة أو شخصية.
وقال أحد الفنانَين، كازوما أوبارا، لوكالة فرانس برس بينما كانت يداه ملطختَين بالحبر داخل المطبعة: " أعتقد أن الورق وسيلة تخاطب الحواس الخمس كلها"، في إشارة إلى ما يراه اختلافاً جوهرياً عن وسائل التواصل الاجتماعي.
وينتمي أوبارا وشريكه الإبداعي أكيهيكو موري إلى جيل جديد من الفنانين الذين يستفيدون من خدمات الطباعة التي توفرها صحيفة" كيوتو شيمبون" (Kyoto Shimbun)، في وقت تسعى فيه الصحيفة إلى إيجاد استخدامات بديلة لمعداتها مع تراجع أعداد المشتركين.
وخلال طباعة عملهما على ورق الصحف، كان خمسة فنيين يرتدون الزي الرسمي يقلبون الصفحات بسرعة للتأكد من جودة الطباعة.
ويرى المصور، البالغ من العمر 40 عاماً، أن" المطبوعات وسيلة شديدة الانفتاح.
يمكنك أن تعطيها لشخص آخر، ويمكنكما قراءتها معاً"، واصفاً الهواتف المحمولة بأنها" منعزلة جداً".
أما الكاتب موري، البالغ من العمر 44 عاماً، فرأى أن الناس يستطيعون" الشعور بشغف المبدع عندما يمسكون العمل بأيديهم"، مضيفاً: " هذا ما يجعلها جذابة إلى هذا الحد، وهو أمر لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليده".
عُرض عمل الثنائي لاحقاً ضمن فعاليات مهرجان التصوير الفوتوغرافي الدولي" كيوتوغرافي" (Kyotographie)، الذي اختتم فعالياته في مايو/أيار الماضي.
ويشير يوشيهيكو أوكازاكي من شركة" كيوتو شيمبون للطباعة" أن خدمات الشركة قد استُخدمت من فنانين تتراوح أعمارهم بين المراهقة والسبعينيّات، وأضاف: " المفاجئ أن الفكرة تلقى صدى لدى الشباب أيضاً.
بل أسمع أحياناً تعليقات من نوع: إنها مثيرة للاهتمام تحديداً لأنها قديمة".
وشهدت اليابان تراجعاً حاداً في وسائل الإعلام المطبوعة، إذ انخفضت مبيعات الكتب والمجلات إلى نحو 40 بالمئة فقط من ذروتها المسجلة عام 1996 عندما بلغت 2.
6 تريليون ين (16.
3 مليار دولار)، كما بلغ توزيع الصحف ذروته عام 1997 عند 53.
76 مليون نسخة، قبل أن يتراجع إلى أقل من نصف هذا الرقم بحلول عام 2025، وفقاً لجمعية ناشري ومحرري الصحف اليابانية.
ويخشى كثير من الكتّاب والناشرين حول العالم أن يؤدي الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي إلى تسريع هذا التراجع.
ففي المملكة المتحدة، أظهرت دراسة أجريت عام 2025 أن نصف الروائيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي قد يحل محلّ أعمالهم مستقبلاً.
لكن، كما هو الحال في دول أخرى، يشهد النشر الذاتي، بما في ذلك مجلات" زين" التي ظهرت في ثلاثينيّات القرن الماضي بين محبي الخيال العلمي في الولايات المتحدة، نمواً ملحوظاً في اليابان، خصوصاً بين الأجيال الشابة.
وأفادت هيئة الإذاعة اليابانية" إن إتش كيه" (NHK)، نقلاً عن شركة أبحاث خاصة، بأن قيمة سوق النشر الذاتي بلغت نحو 150 مليار ين خلال السنة المنتهية في مارس/آذار 2026، أي ما يقارب ضعف حجمها قبل أربع سنوات.
وفي إحدى عطلات نهاية الأسبوع في طوكيو، توافد مئات الزوار إلى معرض لمجلات" زين" عرض طيفاً واسعاً من الإصدارات اليدوية بأحجام وأشكال مختلفة، بعضها يضم تصاميم تجريدية وصوراً فوتوغرافية وتأملات شخصية.
وقالت هارومي كيكوتشي، البالغة من العمر 22 عاماً: " الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي تحركهما خوارزميات تقدم لنا فقط ما نريد رؤيته أو ما يناسبنا"، وأكملت: " لكن وجود هذا العدد الكبير من صانعي مجلات زين هنا يدل على وجود رؤى مختلفة ومتنوعة للعالم".
من جهتها، أوضحت واتاشي كيشينو، التي ترسم تفاصيل حياتها اليومية برسوم بالأبيض والأسود، أن الناس يستطيعون إنتاج أشياء كثيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، وتابعت: " لكنني أؤمن بأن هناك سحراً خاصاً في امتلاك شيء ملموس يمكن الإمساك به باليد"، بينما كانت تستعرض أعمالها.
كما بدأت المكتبات الكبرى في اليابان مواكبة هذا التوجه، مع تراجع اهتمام الشباب بالكتب التقليدية.
فقد خصصت مكتبة" سانسيدو" (Sanseido)، التي تأسست قبل 145 عاماً في حي جيمبوتشو الشهير بالكتب في طوكيو، مساحة لمجلات" زين" على رفوفها قبل نحو عام.
ويشير ماساتو سوغيورا، نائب رئيس وحدة الترويج للمبيعات في المكتبة، قائلاً: " شعرنا بأن مجلات زين قادرة على جذب جمهور مختلف عن القراء التقليديين"، وأضاف: " الجميع يبحث عن شيء يخاطبه شخصياً.
وربما ينجذب القراء أكثر إلى مجلات زين لأنها متخصصة وتتناول موضوعات أوسع وأكثر تنوعاً".
ورغم هيمنة العالم الرقمي، لا تزال كيشينو متفائلة بمستقبل الكتب والمجلات الورقية.
فهي ترى أن" هناك دفئاً لا يمكن أن يقدمه سوى الورق"، مضيفة: " ثمة أشخاص ما زالوا يبحثون عن هذا الشعور بالتأكيد".
(فرانس برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك