عندما سئم المراهق يونسى ياو وأصدقاؤه عام 1976 من تسلط الجنود النيجيريين في مدرستهم، لجأوا إلى أغنية ساخرة هي" زومبي" (Zombie) للموسيقي النيجيري الشهير فيلا كوتي، وهي الأغنية الرئيسية في ألبومه الصادر في ذلك العام.
في ذلك الوقت، كان الجيش يحكم نيجيريا منذ عقد كامل بعد انقلاب عسكري، فيما كانت البلاد لا تزال تتعافى من حرب أهلية دامية أودت بحياة ما لا يقل عن ثلاثة ملايين شخص، وهزّت أركان الديمقراطية الناشئة في الدولة الغنية بالموارد بعد استقلالها عن بريطانيا عام 1960.
وكان الحاكم العسكري أولوسيغون أوباسانجو قد أرسل جنوداً إلى المدارس الثانوية في أنحاء البلاد لفرض الانضباط، في خطوة عكست أسلوب الحكم الذي اتبعته الأنظمة العسكرية المتعاقبة.
وفي المقابل، كان فيلا كوتي في مواجهة دائمة مع السلطات، من خلال جلساته المفتوحة التي كانت تمزج الموسيقى بالنقد السياسي الحاد، إلى جانب كلماته الغنائية المتمردة وصداماته المتكررة مع المسؤولين.
لكن مع إصدار أغنية" زومبي"، انتقلت المواجهة إلى مستوى جديد.
ففي الأغنية، يسخر كوتي من الجنود ويصفهم بأنهم ينفذون الأوامر من دون تفكير: " الزومبي لا يلتفت إلا إذا طُلب منه ذلك، والزومبي لا يفكر إلا إذا أُمر بالتفكير"، وذلك على إيقاعات" أفروبيت" (Afrobeat) المميزة، فيما يحاكي أوامر العروض العسكرية من قبيل: تقدّم، حيِّ، أطلق النار.
وهكذا كانت المواجهة الكبرى بين الفنان والسلطة العسكرية على وشك الانفجار.
وتحدث يونسى ياو، البالغ اليوم 66 عاماً والناشط السياسي المقيم في أبوجا، لوكالة أسوشييتد برس، قائلاً: " كنا نراه رمزاً لمحاولتنا الناشئة للدفاع عن هامش الحرية المحدود الذي نملكه"، وأضاف أن كلمات الأغنية تحولت إلى وسيلة احتجاج ليس فقط ضد الجنود، بل أيضاً ضد بعض المعلمين الذين لم يكن الطلاب يكنّون لهم الكثير من المودة.
وُلد فيلا كوتي عام 1938 خلال الحقبة الاستعمارية، ويُعدّ أحد أعظم الفنانين في تاريخ نيجيريا.
وامتدت مسيرته الفنية لأكثر من أربعة عقود، من أواخر خمسينيات القرن الماضي حتى التسعينيات.
وبعد وفاته عام 1997، مُنح جائزة الإنجاز مدى الحياة في حفل توزيع جوائز غرامي (Grammy Awards) في فبراير/شباط الماضي.
وكانت موسيقى" أفروبيت" من ابتكار فيلا كوتي وعازف الطبول الأسطوري توني ألين، وهي نمط موسيقي يعتمد على الآلات ويجمع بين الإيقاعات التقليدية لغرب أفريقيا وأنماط موسيقية أميركية سوداء مثل الجاز والفانك.
ولم يكن كوتي مجرد موسيقي، بل مؤرخاً فنياً لحقبة الحكم العسكري في نيجيريا.
فمنذ انقلاب عام 1966، شهدت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية، مع فترات قصيرة ومتقطعة من الحكم المدني، حتى عودة الديمقراطية عام 1999.
وصدر ألبوم" زومبي" الأصلي على هيئة مقطوعتَين فقط، بلغت مدتهما الإجمالية 25 دقيقة و24 ثانية.
ويرى نقاد موسيقيون أنه يبقى أكثر أعمال كوتي السياسية تميزاً وتأثيراً.
أما الأغنية الثانية" مستر فولو فولو" (Mister Follow Follow) فتتناول أيضاً موضوع الطاعة العمياء للسلطة والرضوخ للأمر الواقع.
وأشار ليمي غاريوكو، المصمم الذي أعدّ غلاف الألبوم وأحد أبرز المتعاونين مع كوتي، قائلاً: " كان هذا ألبومه الحاسم، ومن أكثر لحظاته جرأة.
كان غاضباً جداً من تصرفات الحكومة العسكرية.
وعندما كان يؤلف الأغنية سألناه إن كانت هجوماً مباشراً على النظام، فأجاب: نعم".
ويشير باحثون إلى أن مفهوم" الزومبي" الذي أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية العالمية يعود أصلاً إلى أساطير غرب ووسط أفريقيا، حيث يُصوَّر الزومبي كشخص فاقد الإرادة تسيطر عليه أرواح الموتى.
وفي عام 1982 استلهم مايكل جاكسون هذه الصورة في الفيديو الشهير لأغنيته" ثريلر" (Thriller).
وعندما حصلت نيجيريا على استقلالها عام 1960، كانت الآمال كبيرة، خصوصاً بعد اكتشاف احتياطات نفطية ضخمة في دلتا النيجر.
لكن عائدات النفط لم تنعكس على حياة معظم السكان.
واستغل العسكريون الذين استولوا على السلطة عام 1966 هذا الفشل ذريعةً للبقاء في الحكم، متهمين الحكومات المدنية بالفساد وإهدار ثروات البلاد.
وبعد مرور خمسين عاماً، يرى محللون أن كثيراً من المشكلات ما زالت قائمة.
فما زال نفوذ المؤسسة العسكرية حاضراً بقوة في الحياة العامة، بينما تعاني البلاد معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة وأزمات أمنية معقدة.
ويرى الناقد الموسيقي دامي أجايي أن فيلا كان سابقاً لعصره، " بدا وكأنه استشرف حجم التدهور الذي سيتركه الحكم العسكري في نيجيريا.
لقد كان يقول للناس إن هؤلاء سيدمرون بلادكم، ولا يمكن السماح لزومبي بأن يتحكم بكل شيء".
وجاءت عواقب إصدار" زومبي" سريعة وقاسية.
إذ أرسلت الحكومة العسكرية نحو ألف جندي إلى مقر إقامة كوتي، وهو مجمع كان قد أعلن أنه مستقل عن نيجيريا ولا يخضع لقوانينها، وقام الجنود بإحراقه بالكامل.
وأصيبت والدته، الناشطة البارزة فونمي رانسوم كوتي، بجروح خطيرة خلال المداهمة أدت لاحقاً إلى وفاتها، كما تعرض الفنان نفسه لإصابات بالغة.
وحُظرت الأغنية من البث الإذاعي، كما وردت تقارير عن اعتقال أشخاص بسبب تشغيلها علناً في الحفلات أو النوادي أو عبر مكبرات الصوت.
ورغم أن فنانين نيجيريين آخرين حاولوا لاحقاً انتقاد تجاوزات السلطة عبر أنماط موسيقية مختلفة مثل الريغي والفوجي والبوب، فإن النقاد يؤكدون أن أحداً لم يصل إلى مستوى المواجهة الذي خاضه فيلا كوتي.
فبحسب الناقد الموسيقي أيوميدي تايو: " عواقب ذلك العمل موثقة جيداً، ولا أعتقد أن أحداً يملك الجرأة نفسها لتوجيه انتقاد مباشر للحكومة.
ما فعله فيلا كان استثنائياً، ولم يتكرر بالحجم نفسه حتى اليوم".
(أسوشييتد برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك