هل بدأت الجماهير الغفيرة، شرقًا وغربًا، تتنبّه للمخاطر المحدقة بالإنسانية، من جرّاء نشوء وارتقاء الذكاءات الاصطناعية؟الأيام القليلة المنصرمة، حملت عدة حوادث عنف، تَشِي بأن هناك مَن بات يحمل الضغائن الكبيرة لرموز الأوليغارشية التقنية، والتي تمتلك كبريات الشركات الفاعلة في ذلك المضمار.
في العاشر من أبريل/ نيسان المنصرم، تعرَّضَ منزل" سام ألتمان"، الرئيس التنفيذي لشركةOpen AI لهجوم بزجاجة مولوتوف، وبعدها بأسبوعين أطلق أحدهم النار على مقر إقامة عضو المجلس الديمقراطي في مدينة" أنديانابوليس"، بولاية أنديانا الأميركية، مع رسالة ضد فكرة بناء مركز بيانات في البلدة.
تُرى، هل هذه حركة شعبوية صاعدة في الأفق، تتخوف من مآلات الذكاءات الاصطناعية، والكوارث لا الحوادث التي يمكن أن تتسبب فيها للعوام، فيما الخواص والنخبة يَجْنون الأرباح الهائلة الطائلة؟في المنتصف بين الحادثتين، وبالتحديد في 13 أبريل/ نسيان عينه، أصدرت جامعة ستانفورد الأميركية الشهيرة، مؤشّرها السنوي للذكاء الاصطناعي، والذي يقدّم لمحة سنوية عن وضع صناعة تلك الذكاءات.
المفاجأة أن المؤشر أظهر أن ما يقارب ثلثي الأميركيين، يميلون إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي، سيؤدي إلى انخفاض فرص العمل خلال العشرين عامًا القادمة.
قبل ذلك بنحو شهر، وعبر استطلاع لمؤسسة غالوب، كانت المفاجأة الأكثر هَوْلًا، وهي زيادة حادة في المواقف السلبية، تجاه نمو سلاسل تلك الصناعة بين جيل" زِد".
وفقًا للاستطلاع، انخفضت نسبة أبناء ذلك الجيل الذين شعروا بالحماس كلما تطورت تلك الآليات من 36% إلى 22%، بينما ارتفع عدد الذين شعروا بالغضب تجاه التقدم التكنولوجي هذا، من 22% إلى 31%.
ما الذي تعنيه حوادث العنف المتقدمة، عطفًا على أرقام استطلاعات الرأي؟من الواضح أن هناك ما يشبه الصحوة بعد السكرة، ذلك أنه وإن كانت معطيات تلك الثورة التكنولوجية، قد خطفت الألباب، لا سيما أن قدراتها تكاد تشابه السحر في روايات الأولين، إلا أنها وفي ذات الوقت تفتح الطريق أمام بعض السيناريوهات التي تشكل وبالًا على البشرية في الحال والاستقبال.
خذْ إليك على سبيل المثال، إمكانية القضاء على الجنس البشري من خلال سلاح بيولوجي فائق الوصف، يمكن التوصّل إليه عبر علماء مارقين يستخدمون ذكاءات متجاوزة للحدود الجغرافية.
الأمر الآخر، والذي بات حكمًا يفتح الباب واسعًا، لثورة عمالية، تفوق مئات المرات تلك التي عرفها عمّال أوروبا حين ظهور الثورة الصناعية في شكلها الأوليّ، موصول بإمكانية استحواذ الروبوتات على وظائف الطبقة الكادحة، والتي لن يكون أمامها خيار، سوى العمل في وظائف مؤقتة.
يعنّ لنا التساؤل: " هل هذه المخاوف في موقعها وموضعها بالفعل، أم أنها محض إرهاصات تواكب كل النوازل والمخترعات؟ ".
من الواضح أن هناك ارتدادات سلبية، بدأت تظهر على حياة الناس، لا سيما من جراء الاستثمارات الهائلة في قطاع مراكز البيانات، والتي تحتاج إلى مليارات الدولارات، وتؤثر على مجالَيْن رئيسيَّيْن، لا يمكن الحياة من دونهما: المياه، والكهرباء.
مؤخَّرًا بدأ سكّان ولاية فيرجينيا الأميركية، مركز ازدهار البيانات في الولايات المتحدة، في إظهار مخاوفهم، وذلك بسبب الارتفاع المتوقّع لأسعار الكهرباء، في المناطق السكنية بنسبة تصل إلى 25% بحلول عام 2030.
من هنا يمكننا القطع بأن العنف والرفض لمسارات الصناعات الذكية، والتي تقوم عليها نخبة أوليغاركية أميركية، ليس عنفًا مسيسًا، ولا عرقيًّا أو مذهبيًّا، إنما هو عنف بطعم الدفاع عن جودة الحياة، وتكافؤ الفرص، عدالة توزيع الثروات، ناهيك عن خصوصية الكائن الآدمي، في مواجهة توحش الآلات المفرغة من الروح.
غنيٌّ عن القول، إن مراكز البيانات الهائلة الحجم، تحتاج بجانب الكهرباء، إلى توافر كميات طائلة من المياه، والتي سيتم اختصامها من موارد البشر، وما تحتاجه الأراضي الزراعية لتوفير محاصيل الغذاء.
بجانب تلك الفخاخ المستقبلية، هناك حالة من القلق المتنامي، من تحوّل تلك الأوليغاركية الوليدة، إلى جماعة ضغط" لوبي" يتحكّم في المصائر والأقدار، وذلك من خلال التبرعات المالية الهائلة، القادرة على إيصال مواليهم لمراكز القيادة، تهيئة للموافقة على مشروعات قوانين من شأنها تيسير ابتكارتهم وترويجها، حتى لو كان الأمر على حساب الملايين من أقنان الأرض.
مؤخَّرًا كتب" ماديسون ميلر" من موقع إكسيوس الأميركي يقول: " لو كان الذكاء الاصطناعي مرشّحًا لمنصبٍ سياسيّ، لكان سيخسر خسارة فادحة.
لماذا؟ ".
ببساطة شديدة لأن الناس، لا سيما الأجيال الجديدة بدأت تتصاعد رَدّات أفعالها تجاه هذا النوع من الذكاءات، ومَرَدّ ذلك خوفهم من أن يسلبهم وظائفهم، ويرفع أكلاف الحياة عليهم، فيما يزيد من ثراء الأثرياء، كلّ ذلك مع الإضرار بالبيئة.
وفقًا لاستطلاعٍ أجراه معهد غالوب في أوائل الشهر المنصرم أبدى 18% فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عامًا، شيئًا من الأمل بشأن الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يضفيه على حيواتهم من كرامة العيش الإنساني.
فيما استطلاع آخر جرى في ذات التوقيت من قِبَل مؤسسة You Gov، أكّد على ارتفاع الآراء السلبية تجاه الذكاء الاصطناعي من 34 % قبل ثلاث سنوات إلى ما يزيد قليلًا عن 50% الآن.
يتزايد القلق ويتفاقم بسبب حالة عدم اليقين التي يشعر بها العديد من الخريجين الجدد عند دخولهم أماكن العمل حيث يقلص الذكاء الاصطناعي بسرعة فرص العمل المتاحة للمبتدئين.
وتزداد هشاشة مجالات البرمجة وكتابة المحتوى، والتصميم، والبحث القانوني، والترجمة، والتدريب الداخلي في الوظائف المكتبية، مع انتشار الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من استخفاف البعض بهذه الادّعاءات، يبدو أن الجيل الأصغر سنًّا هو الأكثر إدراكا لوجهة هذا التطور.
هل الأمر قاصر على صغار السن، لا سِيَّما في الداخل الأميركي؟الحقيقة أن كبار السن ربما يكونوا ضحايا أكثر، وذلك لعدم قدرتهم على التماهي مع الأتمتة الحديثة، وبخاصة العاملين في الصناعات الإبداعية، وفقدانهم للمهارات الحداثية، ما يجعل منهم رصيدًا فائضًا أو زائدًا عن الحاجة المطلوبة في سوق العمل.
أكثر من ذلك، والعهدة هنا على صحيفة النيويورك تايمز ذائعة الصيت، فإن العاملين والمطوّرين في دائرة الذكاءات الاصطناعية، باتوا بدورهم يستشعرون نوعًا من القلق من جرّاء صناعات أيديهم ومنتجات عقولهم.
لماذا؟بالتاكيد خوفًا من أن يكون ما يبتكرونه موجَّهًا للاستخدام على نحوٍ لا يريدونه، كما الحال في الأغراض العسكرية والاستخباريّة، والانتقاص من الحريات الخاصة.
ومن هنا بدأ تفكيرهم في بلورة مسار نقابي تضامني، في محاولةٍ لحماية كرامة النوع البشري، ومن ثم توجيه مسار الذكاء الاصطناعي حتى لا يدفع المجتمعُ أكلافًا عالية وغالية من حاضره ولاحقًا من مستقبله.
هل يعني ما تقدَّمَ أن الذكاءات الاصطناعية شرٌّ مطلق مستطير؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك