قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إنّ الإعانات الصناعية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، مع بروز الصين باعتبارها أكبر مقدم للدعم الحكومي للشركات، في تطور ترى المنظمة أنه قد يؤدي إلى تشوهات ضارة في الأسواق العالمية، وفق ما ذكرت" بلومبيرغ".
وأوضحت المنظمة، التي تتخذ من باريس مقراً لها، في بيانات جديدة نشرتها اليوم الاثنين، أن حجم المساعدات الحكومية المقدمة لأكبر المجموعات الصناعية في العالم ضمن 15 قطاعاً رئيسياً بلغ خلال عامَي 2023 و2024 مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية، ما يعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد العالمي.
وبحسب" بلومبيرغ" تظهر بيانات المنظمة أن الشركات الصينية حصلت على دعم حكومي يفوق ما تتلقاه الشركات في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما يتراوح بين ثلاثة وثمانية أضعاف، كما تجاوز حجم هذا الدعم ما تحصل عليه شركات في اقتصادات كبرى غير أعضاء في المنظمة، مثل البرازيل والهند.
وتوفر الدراسة رؤية جديدة بشأن الإعانات الحكومية التي أصبحت أحد أبرز أسباب التوترات التجارية والخلافات المتعلقة بالرسوم الجمركية بين الصين والاقتصادات الكبرى.
وتتمحور شكاوى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه بكين حول ما يعتبره غياباً لتكافؤ الفرص في قطاعات عالمية، وعلى رأسها صناعة السيارات، كما تتصاعد المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي مع تراجع قدرة شركات السيارات الأوروبية على الحفاظ على حصصها السوقية في مواجهة المنافسين الصينيين، مثل BYD وChery Automobile.
ولسنوات طويلة، ظل الجدل حول الإعانات الحكومية معقداً بسبب نقص الشفافية وضعف الإفصاح أمام المؤسسات الدولية، بما فيها منظمة التجارة العالمية.
ووفق تقرير صادر عام 2025 عن مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، فإنّ الصين لم تقدّم حتى الآن إلى منظمة التجارة العالمية إخطاراً كاملاً بشأن الإعانات التي تمنحها الحكومة المركزية، رغم مرور أكثر من عقدَين على انضمامها إلى المنظمة.
وتهدف مبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى إلقاء مزيد من الضوء على هذا الملف عبر تتبع المبالغ التي تتلقاها الشركات فعلياً، استناداً إلى بياناتها المالية وما تتضمنه من منح وإعفاءات ضريبية وقروض ميسرة.
وبلغ إجمالي الإعانات في القطاعات المشمولة بقاعدة البيانات نحو 108 مليارات دولار خلال عام 2024.
وتستحوذ قطاعات معدات الطاقة المتجدّدة وأشباه الموصلات والصناعات الثقيلة على النصيب الأكبر من الدعم الحكومي.
وتصدرت الصين مجدداً هذا المجال، إذ بلغت الإعانات المقدمة لشركات أشباه الموصلات ما يقارب 10% من إيراداتها خلال عامَي 2021 و2022، مقارنة بمتوسط عالمي يزيد قليلاً على 2%.
وأشارت المنظمة إلى أنّ الدعم الحكومي أصبح عاملاً مؤثراً في إعادة توزيع الحصص السوقية عالمياً، موضحة أن نحو 22% من مكاسب الحصص السوقية التي حققتها الشركات بين عامَي 2005 و2023 يمكن ربطها بالإعانات الحكومية.
أما بالنسبة للشركات الصينية، فتقترب هذه النسبة من 60%، كما خلصت الدراسة إلى أن الإعانات لم تؤدِ إلى تحسين الإنتاجية أو الربحية، ما يشير إلى احتمال مساهمتها في إضعاف الحوافز الاستثمارية.
وشبّهت المنظمة هذه الظاهرة باستخدام المنشطات في المنافسات الرياضية، محذرة من أن الإعانات قد تسمح لشركات أقل إنتاجية بتحقيق مكاسب على حساب شركات أكثر ابتكاراً وكفاءة.
وأضافت أن هذه الممارسات قد تفرض تكاليف طويلة الأجل على الاقتصاد العالمي من خلال تقليص مستويات الابتكار وجودة المنتجات والمنافسة، رغم استفادة المستهلكين على المدى القصير من انخفاض الأسعار.
وتحولت الإعانات الحكومية الصينية خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الاقتصاد العالمي، مع اتهام بكين بتقديم دعم واسع النطاق لشركاتها الصناعية بما يمنحها أفضلية تنافسية في الأسواق الدولية، وتزايدت هذه الانتقادات مع الصعود السريع للشركات الصينية في قطاعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات والطاقة المتجدّدة والبطاريات.
وأدى هذا الجدل إلى تصاعد التوترات التجارية بين الصين من جهة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
ففي واشنطن، شكلت قضية الدعم الحكومي محوراً أساسياً في السياسات التجارية المتشدّدة تجاه بكين منذ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واستمرت القضية حاضرة في السياسات اللاحقة مع تزايد المخاوف من فقدان الصناعات المحلية قدرتها التنافسية.
في أوروبا، دفعت المخاوف من تدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة المفوضية الأوروبية إلى فتح تحقيقات تتعلق بالدعم الحكومي المقدم لشركات السيارات الكهربائية الصينية، وسط تحذيرات من أن المنافسة غير المتكافئة قد تهدّد مستقبل قطاعات صناعية أوروبية رئيسية.
وبينما تعتبر بكين هذه السياسات محركاً للنمو والتحديث الصناعي، يرى منتقدون أنها تسهم في تشويه المنافسة العالمية وتفاقم التوترات التجارية بين الصين وشركائها الاقتصاديين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك