لم يعد اليوان الرقمي منذ إطلاقه في 2019 مجرد مشروع تجريبي عابر، إذ قفز حجم المعاملات التراكمية المنفذة عبره إلى نحو 2.
5 تريليون دولار حتى نوفمبر الماضي، في مؤشر واضح على تسارع رهان بكين على هذا المسار المالي الجديد.
وتتحرك بكين بهدوء، ولكن بوتيرة متسارعة، لتعزيز استخدام عملتها الرقمية سواء داخل الصين أو خارجها، عبر دمجها في التجارة العابرة للحدود وربطها بمشاريع مبادرة" الحزام والطريق".
وفضلًا عن دوره في تتبع الإنفاق الحكومي ومكافحة الاحتيال، فقد بات اليوان الرقمي يتغلغل تدريجيًا في قلب الاقتصاد الصيني، وسط سباق عالمي متزايد للسيطرة على مستقبل المدفوعات الرقمية.
في هذا السياق، أوضح مراسل التلفزيون العربي من بكين ناصر عبد الحق أن التوجه الصيني نحو العملة الرقمية ليس وليد اللحظة.
وأضاف أن ذلك يعود إلى سنوات عدة، وتحديدًا بعد اندلاع الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما تلاها من تطورات دولية أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية الواسعة على موسكو.
وأشار إلى أن بكين استخلصت دروسًا مهمة من استخدام العقوبات المادية كأداة ضغط جيوسياسي، مما دفعها إلى البحث عن بدائل تقلل من اعتمادها على النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه المؤسسات الغربية.
وأضاف أن الصين تمتلك خبرة طويلة في المدفوعات الرقمية من خلال تطبيقات مثل" وي تشات باي" و" علي باي"، اللذين غيّرا سلوك المستهلكين داخل البلاد منذ سنوات.
إلا أن اليوان الرقمي يمثل مرحلة أكثر تقدمًا، إذ تسعى بكين إلى توسيع استخدامه ليشمل المعاملات التجارية والاستثمارية الدولية.
ويرى مراقبون أن المشروع الصيني يحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز كونه مبادرة مالية أو تكنولوجية.
فبكين، التي ترتبط بعلاقات تجارية واسعة مع عدد من الدول الخاضعة للعقوبات الغربية، تسعى إلى بناء منظومة مالية تمنحها هامشًا أكبر من الاستقلالية وتحد من تأثير العقوبات الأميركية المحتملة على شركاتها ومصالحها الخارجية.
أداة رئيسية لتسوية المدفوعاتويكتسب المشروع أهمية إضافية في ظل تنامي التعاون الاقتصادي بين الصين والدول المشاركة في مبادرة" الحزام والطريق"، حيث يمكن أن يتحول اليوان الرقمي إلى أداة رئيسية لتسوية المدفوعات وتمويل المشاريع والبنى التحتية بعيدًا عن الدولار الأميركي.
ومع ذلك، لا يزال خبراء الاقتصاد يعتبرون أن الوقت مبكر للحديث عن منافسة مباشرة للدولار على المستوى العالمي.
فثقة المستثمرين والمستهلكين بالعملة الرقمية الصينية لا تزال في طور البناء، وهو ما دفع السلطات الصينية إلى تقديم حوافز متنوعة لتشجيع استخدامها، من بينها مكافآت وعوائد مالية للمستخدمين، إضافة إلى مؤشرات أداء خاصة بالبنوك تعتمد على حجم الحسابات والأرصدة المرتبطة باليوان الرقمي.
وتنظر بكين، بحسب ما يؤكده مراقبون، إلى اليوان الرقمي باعتباره جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي، وليس مجرد وسيلة دفع إلكترونية جديدة.
كما أن هذا النظام، وفقًا لبعض التقديرات، يوفر مرونة أكبر في تنفيذ المعاملات مقارنة بالأنظمة التقليدية المرتبطة بالبنية المالية العالمية الحالية.
ورغم التحديات التي لا تزال قائمة، فإن بكين تبدو مصممة على المضي قدمًا في مشروعها الرقمي، مستفيدة من حجم اقتصادها وقاعدتها التكنولوجية الضخمة وشبكة شركائها التجاريين حول العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك