في العلاقات الدولية، يعيش النفوذ الإمبراطوري على مخزون معنوي ونفسي يُزرع في نفوس الآخرين.
وعندما تتلاشى القوة المادية الفعلية للإمبراطوريات، فإنها تستطيع الاستمرار في إدارة العالم بالاعتماد على" الهيبة" المتبقية بوصفها أداة للابتزاز وفرض الإرادة، ولكن بشرط ذكي: ألّا تستعمل القوة العسكرية المباشرة.
وتقوم معادلة الهيبة الاستراتيجية على أن الدولة إذا فقدت" هيبة القوة" – وهي القيمة المعنوية الردعية في نفوس الخصوم – فعليها ألّا تبالغ في استخدامها الفعلي، حتى لا تنكشف حدودها وتفقدها بالكامل.
وعلى مدى العقود الماضية، دار نقاش فكري واستراتيجي عميق حول طبيعة القوة الأميركية: هل تستمد واشنطن مكانتها من قدرتها المادية الغاشمة على حسم الصراعات (هيبة القوة)، أم أن مكانتها تُصنع بالأساس من القوة الردعية الكامنة في سمعتها الدولية وصورتها قوةً عظمى لا تُقهر (قوة الهيبة)؟إن القوة الأميركية تكمن في" التهديد بالقوة" أكثر من" استخدامها الفعلي"، وإن الانزلاق نحو استخدام الأدوات العسكرية المباشرة – كما جرى في الحرب على إيران – وإخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية، قد أديا إلى تصدع هيبة الدولة العظمى، وتحول القوة من أداة ردع ذكية إلى عبء استراتيجي.
وهناك خيط رفيع يفصل بين القوة العظمى التي تهيمن عبر" السمعة الردعية" وتلك التي تضطر إلى استخدام النار لإثبات وجودها.
ومن هنا، قد تصل القوة الأميركية إلى ذروة فعاليتها عندما تظل في" غمدها" بوصفها أداة تهديد، لأنها في هذه الحالة تبقى محاطة بـ" هالة اللافشل".
أما عندما تُسحب هذه القوة إلى الميدان، فإنها تخضع لقوانين الحرب المعقدة والنتائج غير المتوقعة.
وقد مثّل قرار تحويل التهديد إلى صدام عسكري مباشر مع إيران نقطة تحول كبرى، أدت إلى نتائج عكسية تماماً لما خططت له مراكز السياسة في واشنطن وتل أبيب.
فعندما تستخدم القوة العظمى أدواتها العسكرية وتفشل في تحقيق غاياتها السياسية المرسومة، فإنها لا تخسر المعركة فحسب، بل تفقد" هيبة القوة" برمتها.
إن الإخفاق في كسر الإرادة السياسية لطهران، أو العجز عن إعادة صياغة الإقليم وفق التصور الأميركي بعد تلك الحرب، نقل الولايات المتحدة من مربع" الدولة التي يُخشى بأسها بمجرد التهديد" إلى مربع" الدولة العظمى المُنهكة" التي تمكن مراجعة قراراتها وتحديها.
وتجلّى هذا الإنهاك في عجز واشنطن عن حشد حلفائها التقليديين؛ إذ فشلت في إقناع أي دولة من دول حلف الناتو، الذي تقوده ويضم 33 دولة، بالوقوف معها في هذه الحرب، بل إن بعض الحلفاء منعوها من استخدام قواعدهم العسكرية.
وعلى الرغم من تحالفات واشنطن العميقة في الشرق العربي، لم تتجرأ أي دولة عربية على إعلان وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، بصرف النظر عما جرى خلف الكواليس من ترتيبات اضطرارية.
كما تسببت الحرب بأضرار عميقة لحلفاء واشنطن الآسيويين بسبب أزمة الطاقة واهتزاز أمن مضيق هرمز.
يرى قطاع من المحللين الأميركيين، ومنهم المؤرخ بول كينيدي، أن السقوط لا يأتي دائماً من قوة الخصوم، بل من استنزاف القوة العظمى لنفسهاوتعجّ أدبيات العلوم السياسية الأميركية بالتحذيرات مما يُعرف بـ" أفول الهيمنة الأميركية".
ويرى قطاع من المحللين الأميركيين، ومنهم المؤرخ بول كينيدي، أن السقوط لا يأتي دائماً من قوة الخصوم، بل من استنزاف القوة العظمى نفسَها.
فالحروب المباشرة، مثل الحرب على إيران، تؤدي إلى تآكل القوة من الداخل بالتزامن مع تآكل الهيبة في الخارج.
في المقابل، تصوّر مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، منذ عام 1997، أن الحفاظ على زعامة العالم يتطلب ثلاثة شروط: الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في أوروبا عبر الناتو، وكبح جماح الصين في المحيط الهادئ، ومنع أي كيان منفرد من السيطرة على" الفضاء الأوسط" (آسيا الوسطى والشرق الأوسط).
وبعد الحرب على إيران، انفرط عقد هذه الشروط الثلاثة؛ فترهل الناتو، وتمددت الصين، وبات" الفضاء الأوسط" مجالاً لمشاركة النفوذين الروسي والصيني.
ويرتبط النقاش الحالي حول التراجع الأميركي بـ" النبوءة الاستشرافية" الشهيرة التي نشرها ألفريد ماكوي عام 2010، والتي توقع فيها أن زوال الولايات المتحدة بصفتها قوةً عظمى قد يكتمل بحلول عام 2025.
ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2025، انقسم الخبراء حول دور سياساته في تسريع هذا الانحدار.
ويرى محللون، من بينهم توم ستيفنسون ومايكل بيكلي، أن التراجع الأميركي ظاهرة جيوسياسية واقتصادية مستمرة منذ عقود، بفعل تضخم الديون والتحديات الاجتماعية، وليس نتيجة رئيس بعينه.
ولعل التجسيد الأبرز لضياع الهيبة الأميركية ظهر في القراءة النقدية الصادمة التي قدمها المفكر الشهير فرانسيس فوكوياما تعليقاً على زيارة ترامب الأخيرة إلى الصين.
ففوكوياما، الذي بشّر يوماً بـ" نهاية التاريخ" وانتصار النموذج الغربي، يقف اليوم ليعلن أن رئيس الولايات المتحدة تعرض لـ" إهانة مدروسة" في بكين؛ إذ لم يُستقبل في المطار بالبروتوكول الذي يليق بدولة عظمى، وجلس في القمة مستجدياً وعوداً اقتصادية، وموزعاً المديح على الرئيس الصيني شي جين بينغ.
ويعتقد فوكوياما أن رئيس القوة الأعظم ذهب إلى الصين بحثاً عن مخرج من" الفخ الإيراني"، ليظهر بمظهر" الطالب للمساعدة" لا" المُملي للشروط"، أمام دولة خضعت للحصار والعزل على مدى 47 عاماً.
إن المقاربة بين" قوة الهيبة" و" هيبة القوة" تفضي إلى حقيقة جيوسياسية صلبة: لقد انقضى العصر الذي كانت تحكم فيه الولايات المتحدة العالم عبر السمعة الافتراضية لقوتها.
فالولايات المتحدة تعيش، في عالم ما بعد الحرب على إيران، أزمة رؤية استراتيجية عميقة، وتحاول استعادة" هيبتها المفقودة" عبر مسارات دبلوماسية واقتصادية، بعدما تيقنت أن القوة وحدها لم تعد كافية لصناعة الطاعة الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك