تؤكد حرب إيران، التي أعادت إشعال بؤر التوتر في الشرق الأوسط وامتدت تداعياتها إلى النظام الدولي بأسره، حقيقة أساسية كثيرا ما غابت عن حسابات صناع القرار والقادة السياسيين والعسكريين، وهي أن الحروب في عالم اليوم لم تعد تنتج منتصرين ومهزومين بالمعنى التقليدي الذي عرفته العلاقات الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
فالحرب الإيرانية، مهما كانت نتائجها العسكرية المباشرة أو حجم الخسائر التي تكبدتها الأطراف المنخرطة فيها، لا تقدم نموذجا لانتصار حاسم يفرض إرادة طرف على آخر، ولا تنتهي إلى هزيمة كاملة تدفع طرفا إلى الاستسلام أو التخلي عن أهدافه الاستراتيجية.
بل هي نموذج جديد لحروب غير متوازية تتداخل فيها القدرات العسكرية التقليدية مع الأدوات غير التقليدية، وتتفاعل فيها الاعتبارات الإقليمية مع المصالح الدولية، وتتجاوز آثارها حدود ساحات القتال لتطال الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة واستقرار الأسواق والتحالفات السياسية.
في هذه الحرب، كما في العديد من الحروب والصراعات التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين، يتضح أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى نتائج سياسية مستدامة.
فالقدرات العسكرية المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة والأسلحة الدقيقة تستطيع إلحاق أضرار هائلة بالخصوم، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل البيئة السياسية أو فرض ترتيبات مستقرة طويلة الأمد.
لقد أثبتت تجارب عديدة، من أفغانستان إلى العراق ومن أوكرانيا إلى غزة، أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني القدرة على تحقيق الأهداف السياسية النهائية، وأن كلفة الحروب أصبحت تتجاوز بكثير المكاسب التي يسعى إليها المتحاربون.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى حرب إيران باعتبارها نموذجا للحروب غير المتوازية التي قد تصبح السمة الغالبة للنظام الدولي في العقود القادمة.
فهذه الحروب لا تقوم على المواجهة المباشرة بين جيوش نظامية متكافئة فحسب، وإنما تعتمد على مزيج معقد من الضربات العسكرية التقليدية، والهجمات السيبرانية، والحروب بالوكالة، واستخدام الفاعلين غير الحكوميين، والحملات الإعلامية والمعلوماتية، والضغوط الاقتصادية والعقوبات.
وهي أدوات تجعل من الصعب على أي طرف أن يحقق نصرا كاملا، كما تجعل من المستحيل تقريبا أن يخرج أي طرف من الحرب دون أثمان باهظة.
إن أخطر ما تكشفه حرب إيران ليس فقط محدودية القوة العسكرية، وإنما أيضا تراجع القيود السياسية والأخلاقية والقانونية على استخدام القوة في العلاقات الدولية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة شهد العالم توسعا متزايدا في اللجوء إلى الأدوات العسكرية لحل النزاعات أو إدارة التوازنات الإقليمية والدولية.
وبدلا من أن تؤدي العولمة والتشابكات الاقتصادية إلى تقليص الحروب، أصبحت النزاعات المسلحة أكثر انتشارا وتعقيدا، وأصبح استخدام القوة خيارا مطروحا بصورة متكررة لدى القوى الكبرى والقوى الإقليمية على حد سواء.
ويبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها فعالية المؤسسات الدولية وآليات الأمن الجماعي، بينما تتقدم الحسابات الجيوسياسية الضيقة والمنافسات الاستراتيجية بين الدول.
وفي مثل هذا السياق تصبح الحروب أكثر احتمالا، ويصبح احتواؤها أكثر صعوبة، وتتزايد المخاطر المرتبطة بخروجها عن السيطرة أو تحولها إلى صراعات أوسع نطاقا.
كما أن التطورات التكنولوجية المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والقدرات السيبرانية تجعل من أدوات الحرب أكثر سهولة وأقل كلفة نسبيا، الأمر الذي قد يغري المزيد من الدول والفاعلين باستخدامها.
لهذا السبب يحتاج العالم اليوم إلى توافقات جديدة تحدد بوضوح حدود استخدام القوة العسكرية وقواعدها.
فكما أنتجت التجارب المريرة للحربين العالميتين منظومات قانونية ومؤسسات دولية هدفت إلى ضبط السلوك الدولي وتقليص احتمالات الحرب، فإن اللحظة الراهنة تتطلب جهدا مماثلا لإعادة الاعتبار للحلول السلمية وللدبلوماسية وللتعاون متعدد الأطراف.
ولا يتعلق الأمر بإلغاء القوة العسكرية أو تجاهل الحق المشروع للدول في الدفاع عن نفسها، وإنما بوضع قيود واضحة تمنع تحول القوة إلى أداة أولى أو وحيدة لإدارة النزاعات.
الحروب في عالم اليوم لم تعد تنتج منتصرين ومهزومين بالمعنى التقليدي الذي عرفته العلاقات الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرينغير أن الوصول إلى مثل هذه التوافقات يواجه عقبة جوهرية تتمثل في أن القوى الكبرى نفسها أصبحت طرفا مباشرا أو غير مباشر في العديد من الحروب والصراعات.
فالولايات المتحدة لا تزال تستخدم القوة العسكرية وتدعم عمليات عسكرية في مناطق مختلفة من العالم انطلاقا من مصالحها الاستراتيجية وحساباتها الأمنية.
وروسيا منخرطة في حروب وصراعات تؤثر بصورة عميقة على الأمن الأوروبي والدولي.
كما أن قوى كبرى أخرى تسعى إلى تعزيز نفوذها الجيوسياسي عبر أدوات عسكرية وأمنية متزايدة.
وفي ظل هذا الواقع يصبح من الصعب تصور أن تقود القوى الكبرى وحدها عملية وضع قواعد جديدة لاستخدام القوة، لأنها ليست مجرد حكم بين الأطراف المختلفة، بل هي لاعب أساسي في المنافسات والصراعات الجارية.
ومن هنا تبرز الأهمية المتزايدة للقوى الوسيطة في العلاقات الدولية.
فالدول التي لا تمتلك طموحات الهيمنة العالمية، ولا تنخرط في صراعات كبرى على قيادة النظام الدولي، أصبحت تمتلك فرصة ومسؤولية في الوقت ذاته للدفاع عن منطق الدبلوماسية والتعاون والحلول السلمية.
وهذه القوى الوسيطة تشمل دولا في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط نجحت في بناء نفوذها من خلال أدوات السياسة الخارجية والتعاون الاقتصادي والوساطة الدبلوماسية والعمل متعدد الأطراف.
وتستطيع هذه القوى أن تلعب دورا محوريا في الدفع نحو قواعد جديدة تنظم استخدام القوة العسكرية، وأن تعمل على إحياء مفاهيم الأمن الجماعي والتسويات السياسية والوقاية من النزاعات.
كما يمكنها أن تشكل جسورا للحوار بين القوى الكبرى المتنافسة، وأن تدافع داخل المؤسسات الدولية عن إصلاحات تعزز احترام القانون الدولي وتحد من اللجوء غير المنضبط إلى القوة.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه حرب إيران هو أن العالم لم يعد يحتمل مزيدا من الحروب المفتوحة التي لا تنتج منتصرين ولا مهزومين، بل تترك خلفها مجتمعات مدمرة واقتصادات منهكة وأقاليم أكثر هشاشة واضطرابا.
فالحروب المعاصرة لم تعد وسيلة فعالة لتحقيق الاستقرار أو فرض الترتيبات السياسية، بل أصبحت في كثير من الأحيان مصدرا إضافيا للفوضى وعدم اليقين.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على تحسين أدوات الحرب أو زيادة فعاليتها، وإنما على بناء منظومات سياسية ودبلوماسية قادرة على منع الحروب أو احتوائها قبل اندلاعها.
وفي عالم يتجه بصورة متسارعة نحو التعددية القطبية، ويشهد انتقالا تدريجيا لمراكز النفوذ والقوة، تصبح مسؤولية القوى الوسيطة أكبر من أي وقت مضى.
فهذه القوى ليست مطالبة فقط بحماية مصالحها الوطنية والإقليمية، وإنما أيضا بالمساهمة في صياغة قواعد جديدة للنظام الدولي تقوم على ضبط استخدام القوة العسكرية وتعزيز الحلول السلمية وتوسيع مساحات التعاون متعدد الأطراف.
وإذا نجحت في ذلك، فإنها لن تساعد فقط على تجنب تكرار مآسي الحروب الراهنة، بل ستسهم أيضا في بناء نظام دولي أكثر استقرارا وتوازنا وإنسانية في العقود المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك