لم تكن العبارات من قبيل" زوروا فاس الغامضة"، و" الرباط على مدار العام"، أو" تذوقوا فواكه المغرب وخضره المبكرة" مجرد شعارات ترويجية عابرة، بل كانت تتصدر ملصقات فنية جذابة أنجزت خلال النصف الأول من القرن العشرين لفائدة شركات النقل البحري والسكك الحديدية والمكاتب السياحية، بهدف استقطاب المسافرين الأوروبيين إلى المغرب واكتشاف مدنه ومناظره الطبيعية وتقاليده.
هذه الملصقات، التي يمكن تصنيفها اليوم ضمن الإعلانات ذات الطابع الكلاسيكي، لم تكن مجرد أدوات دعائية، بل أعمالا فنية حملت توقيع أسماء بارزة مثل جاك ماجوريل، وجوزيف دو لا نزيير، وموريس رومبرغ.
وخلال الفترة الممتدة بين 1906 و1956، أنتجت مئات الملصقات من هذا النوع، ارتبط نحو ثلاثة أرباعها بالسياحة والمعارض التجارية.
غير أن دورها تجاوز الترويج السياحي، إذ ساهمت في بناء صورة محددة عن المغرب ستؤثر لعقود طويلة في نظرة الأجانب إلى المملكة.
ويشير المؤرخ باسكال بلانشار، مؤلف كتاب" المغرب في الملصق الفرنسي (1906-1956): بين عالم القرون الوسطى والمستعمرة المثالية"، إلى أن هذه الملصقات لم تكن تهدف فقط إلى جذب السياح، بل إلى جعل الأوروبيين يحلمون بالمغرب من خلال تقديمه كفضاء للغموض والاكتشاف والهروب من المألوف.
ويؤكد بلانشار أن" المهمة الأولى للملصق عن المغرب كانت جعل الناس ينسون أن البلاد كانت مستعمرة".
وعلى عكس الجزائر، حيث كانت مظاهر القوة الاستعمارية والإنجازات الفرنسية تحضر بشكل مباشر في الخطاب البصري، جرى تقديم المغرب كفضاء منفصل عن السياسة.
فقد غابت صور الغزو والإدارة الاستعمارية والحركات الوطنية عن هذه الأعمال، لتحل محلها مشاهد مصممة خصيصا لإغراء المسافرين الأوروبيين.
ورغم ما تبدو عليه هذه الصور من عفوية، فإنها كانت جزءا من مشروع استعماري أوسع هدف إلى تحديد ملامح" المغرب الأصيل" الذي ينبغي للزوار اكتشافه.
ويرى المؤرخ عومار بوم أن هذه الملصقات شكلت جزءا من استراتيجية سياحية متكاملة سعت إلى تسويق صورة محددة عن المغرب لدى الجمهور الأوروبي.
فمن خلال أدلة السفر وشركات النقل والمكاتب السياحية، عملت السلطات الفرنسية على الترويج لبلد تختزل هويته في القصبات والمدن العتيقة وجبال الأطلس والصناعات التقليدية.
ويقول بوم إن الفكرة كانت تقوم على" إعادة تعريف المغرب التقليدي أو المغرب النموذجي لأغراض سياحية، ثم الحفاظ على هذه الصورة والترويج لها لدى السياح الفرنسيين والأجانب".
وتجسد إحدى الملصقات القديمة التي أُنجزت لصالح شركة النقل بالمغرب (CTM) هذا التوجه بوضوح، إذ وضعت القصبات الأمازيغية في قلب المشهد، محاطة بجبال الأطلس، فيما حضرت الجمال كرمز إضافي يعزز البعد الغرائبي للوجهة.
وبذلك تشكلت صورة لمغرب يبدو وكأنه متوقف عند لحظة زمنية محددة؛ حيث هيمنت المآذن وأسوار القصور والمدن العتيقة والمناظر الصحراوية على المشهد البصري، مقدمة البلاد كفضاء معلق بين التاريخ والأسطورة، بعيدا عن التحولات السياسية والاجتماعية التي كانت تعرفها آنذاك.
ويكتب بلانشار في هذا السياق" إنه مكان للراحة والاكتشاف والمتعة والسفر، عالم لا مكان فيه للسياسة".
جاك ماجوريل وصناعة المخيال البصري للمغربويعد الفنان جاك ماجوريل من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ هذه الصورة.
فرغم أنه لم ينجز سوى نحو عشرة ملصقات سياحية، فإن بلانشار يعتبره الشخصية الأكثر تأثيرا في تشكيل التصور البصري للمغرب خلال الحقبة الاستعمارية.
ويؤكد المؤرخ أن ماجوريل" أكثر من أي فنان آخر، هو من رسخ الأشكال والألوان المرتبطة بالمغرب".
وقد ساهمت أعماله التي جسدت مراكش وجبال الأطلس والقصبات والأسواق التقليدية في تثبيت مجموعة من الرموز البصرية التي ستستعاد لاحقا في الحملات الإشهارية والسياحية، ولا تزال حاضرة إلى اليوم في تمثلات المغرب داخل المخيال الأجنبي.
ورغم الحضور القوي للعمارة والمناظر الطبيعية في هذه الملصقات، فإن المغاربة أنفسهم غالبا ما ظلوا في موقع ثانوي.
فقد ظهر الرجال في هيئة فرسان أو تجار أو مجموعات بلا ملامح فردية واضحة، بينما جرى تقديم النساء وفق تصورات يغلب عليها الطابع الغرائبي والاستشراقي.
ويشير بلانشار إلى أن" الآخر لا يوجد في الملصق بوصفه فاعلا في مصيره الخاص".
وفي كثير من الحالات، استخدم المغاربة كعناصر بصرية تعزز أجواء الغرابة والإثارة التي سعت الدعاية السياحية إلى ترسيخها، حيث قدمت البلاد كفرجة بصرية أكثر من كونها مجتمعا يعيش واقعه السياسي والاجتماعي.
وبعد مرور عقود على نهاية نظام الحماية، لا تزال العديد من هذه الرموز البصرية حاضرة بقوة في الخطاب السياحي المعاصر.
فالمدن العتيقة والقصبات والأسواق الملونة والمناظر الصحراوية ما زالت تتصدر الحملات الترويجية للمغرب، ما يجعل الصورة التي ساهمت تلك الملصقات في بنائها خلال القرن الماضي قابلة للتعرف عليها حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك