أشارت الأوقاف إلى أن هذا يقتضي منا أن نرجعَ بالبصيرةِ إلى الذات، لنقفَ بعد رحيلِ المواسمِ جملةً من الوقفات.
الوقفة الأولى: استشعار نعمة الحج وعظمة فضل اللهنتملّى فيها منّة المنان؛ فإنه لما رأى عظيم الذنوب وكثرة الخطايا، كساك حُلل العطايا، وأذن لك بالوقوف بباب رُبوبيته لتأتي مستغفرًا، ويسّر لك الوصول ليحطّ عنك ما أثقل كاهلك من أوزار، فسبحانه من إله لم يمنعه قبحُ فعلك من جميل فضله، ولا نأتْ بك الأوزار عن ساحة كرمه؛ فهو الأحد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [النحل: ٥٣]، والقائل سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَاۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [النحل: ١٨].
الوقفة الثانية: كيف تكون إجابة العبد على فيض الإنعام؟لا تكون إلا بشهود المنعم في النعمة، والإنابة إليه في كل لمحة؛ ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
فالشكر ليس قولة لسان، بل هو انخطاف قلبٍ بالشهود، وجوارح تتقيد في الطاعات بقيود؛ فتبتعد عن مواطن سخطه، لتسكن في ديار رضاه، تحقيقًا لقوله: ﴿ٱعۡمَلُوۤا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرࣰاۚ وَقَلِیلࣱ مِّنۡ عِبَادِیَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ولنا في سيد الخلق الأكرم ﷺ وقد ذابت قدماه هيبةً، وهو المغفور له، فكان شكره حالًا يغني عن المقال حين قال: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
الوقفة الثالثة: علامات الحج المبرور وأثره على حياة المسلمللحج المبرور إشراقٌ تظهر آثاره على مرآة البصيرة، وَقَدْ سُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَعُودَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الآخِرَةِ [التبصرة لابن الجوزي: ٢/ ٢٦٣]، فالحجُّ جذوةٌ تُلهب فيك حبَّ الطاعة، وسدٌّ يمنع عنك سبل الإضاعة، فإذا عرّفتك المناسكُ بمقام الألوهية، فلا تبرح من مقام تشريف الله لك بمقام العبودية.
الوقفة الرابعة: التقوى بعد الحج سر القبول والاستمرار في الطاعة؛ فروح المناسك التقوى، وبها ترقى القلوب في مدارج العزيز الأقوى، لقوله تعالى: ﴿لَن یَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاۤؤُهَا وَلَٰكِن یَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ﴾ [الحج: ٣٧].
الوقفة الخامسة: أهم علامة لقبول الحج الاستقامة لا مجرد العمل فكم من واقفٍ بالبدن وقلبه في الغفلات، وكم من مستغفرٍ باللسان وهو طوِيٌّ على الزلات؛ فاختم حجَّك بكسر النفس والافتقار والاستغفار، فإنه ختامُ طاعاتِ الأبرار؛ لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة: ١٩٩].
تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك