في أتون الحرب السودانية الدامية، يبرز سؤال يتجاوز المعارك العسكرية والتجاذبات السياسية اليومية , من يمثل السودانيين اليوم؟فبينما تتصارع القوى المسلحة على الأرض، تخوض القوى المدنية والسياسية معركة موازية حول الشرعية والتمثيلكل طرف يرى نفسه الأقرب إلى نبض الشارع، والأقدر على التعبير عن تطلعات السودانيين، والأجدر بالمشاركة في أي تسوية سياسية قادمة لكن الحرب لم تكشف فقط هشاشة الدولة السودانية، بل كشفت أيضاً هشاشة مفهوم التمثيل السياسي نفسه؛ فالسودان اليوم لا يعاني من أزمة سلطة فحسب، بل من أزمة عميقة تتعلق بمن يملك حق الحديث باسم المجتمع السوداني بكل تنوعاته وتعقيداتهمن أزمة السلطة إلى أزمة التمثيلطوال العقود الماضية، كان السؤال الأساسي في السودان هو “من يحكم؟ ” , أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: “من يتحدث باسم السودان؟ ”القوى المدنية التي قادت الحراك السياسي بعد ثورة ديسمبر تواجه انتقادات متزايدة تتعلق بمحدودية امتدادها الاجتماعي والجغرافي، بينما تطرح قوى أخرى نفسها باعتبارها ممثلة للهامش والمناطق المتأثرة بالحروب والتهميش التاريخيوفي المقابل، لا تمتلك أي جهة تفويضاً شعبياً مباشراً يسمح لها بادعاء احتكار التمثيل، خاصة في ظل غياب الانتخابات وتعطل المؤسسات الديمقراطية , و لقد تحول التمثيل من حقيقة مؤسسية إلى ساحة صراع سياسي مفتوحةالحرب وسقوط المركز السياسي التقليديأدت الحرب إلى تفكيك “الخرطوم” بوصفها المركز التقليدي للسياسة السودانيةومع اتساع النزوح واللجوء، برزت مجتمعات جديدة دفعت الثمن الأكبر للحرب، من دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق إلى معسكرات النزوح داخل السودان وخارجههذه المجتمعات أصبحت جزءاً رئيسياً من المشهد الوطني، لكنها ما تزال تشعر بأن صوتها أقل حضوراً داخل المنصات السياسية التي تتحدث باسم السودانومن هنا برزت أزمة التمثيل بصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضىاتفاق جوبا ومعضلة الشرعية الجديدةفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل “اتفاق جوبا للسلام” (2020).
فعلى الرغم من أن الحرب عطلت كثيراً من بنوده، إلا أن الاتفاق ما يزال يمثل أحد أهم مصادر الشرعية السياسية لعدد من الحركات المسلحة والقوى المنضوية ضمن “الكتلة الديمقراطية”، إذ منح لأول مرة تمثيلاً سياسياً ومؤسسياً لقوى جاءت من مناطق ظلت لسنوات طويلة خارج مركز القرارلقد كشفت الحرب حدود الاتفاق نفسه؛ فالترتيبات الأمنية والتنموية لم تكتمل، وأصبحت بنوده جزءاً من نقاش المستقبل أكثر من كونها إطاراً مكتمل التنفيذومع ذلك، فإن تجاهله في أي تسوية قادمة يبدو أمراً بالغ الصعوبة، لأن قطاعات واسعة ترى فيه اعترافاً تاريخياً بقضايا الهامش ومظالمهالكتلة الديمقراطية وصراع التمثيلضمن هذا المشهد، تحاول “الكتلة الديمقراطية” تقديم نفسها كجسر بين المركز والهامش، متبنيةً خطاباً يقوم على الحل السوداني الخالص، ورفض الإقصاء، والتمسك بتوسيع قاعدة المشاركة السياسيةإن وجود هذه الكتلة يعكس حقيقة أن أزمة التمثيل أصبحت صراعاً داخل المعسكر المدني نفسه حول من يملك الشرعية لقيادة المرحلة المقبلةالخطأ الأكبر هو اختزال المشهد في تنافس بين “منصات” أو “أشخاص”؛ ففي جوهر الأمر، يدور الصراع حول رؤيتين هما – رؤية تركز على وقف الحرب وإصلاح الدولة تدريجياً، ورؤية ترى أن الحرب أثبتت فشل النموذج التاريخي، وتطالب بإعادة تأسيس الدولة على أسس المواطنة واللامركزية وتقاسم السلطة والثروةمن يمثل السودان أم كيف يُمثَّل السودان؟ربما لم يعد السؤال الأهم هو “من يمثل السودانيين؟ ”، بل أصبح السؤال الجوهري – “كيف نبني نظاماً سياسياً يسمح للسودانيين أنفسهم باختيار من يمثلهم؟ ”فالتمثيل الحقيقي لا يُكتسب عبر البيانات السياسية أو الظهور الإعلامي، بل من خلال المشاركة الشعبية والمؤسسات الديمقراطيةوالتحدي الأكبر أمام القوى السياسية كافة ليس إثبات أنها “الممثل الوحيد”، بل إثبات قدرتها على صياغة عقد سياسي جديد يشعر فيه المواطن في الفاشر، وبورتسودان، والجنينة، والخرطوم، وكادقلي، بأنه شريك كامل في الدولةإن السلام المستدام لا يبدأ بإسكات البنادق فحسب، بل عندما يشعر السودانيون جميعاً بأن الدولة ملك لهم جميعاً، لا حكراً على مركز أو نخبة وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ينتظر السودان في مرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك