قناه الحدث - الاتحاد الأوروبي يخصص 100 مليون يورو إضافية للجيش اللبناني العربي الجديد - نابولي يطوي صفحة كونتي ويفتح باب التغيير Independent عربية - هل تبدع روسيا حلا لمشكلة يورانيوم إيران العالي التخصيب؟ إيلاف - من أزمات الداخل إلى إشعال الخارج العربية نت - كالاس: تقوية الدولة اللبنانية أفضل وسيلة للحد من تهديد حزب الله فرانس 24 - بين التفاؤل الأمريكي وتحفظ طهران: اتفاق محتمل يلوح في الأفق الجزيرة نت - تبدو آمنة ومريحة.. لكن ماذا تفعل الوسادة الحرارية بجلدك مع الوقت؟ وكالة الأناضول - لانس الفرنسي يفعل بند شراء عقد السعودي سعود عبد الحميد القدس العربي - ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين اسرائيل ولبنان الجزيرة نت - شاهد.. مسيرات حزب الله تستهدف تجهيزات فنية للاحتلال جنوب لبنان
عامة

ترمب يعلن الهدنة وإسرائيل تعلن البقاء... أي مستقبل ينتظر جنوب لبنان؟

Independent عربية
Independent عربية منذ يومين
3

لم تمضِ ساعات قليلة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار في لبنان، حتى عادت الطائرات الإسرائيلية إلى سماء الجنوب، ونفذت غارات على بلدات عدة، منها بلدة المنصوري، شحور...

ملخص مرصد
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدنة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، لكن إسرائيل نفذت غارات جوية على عدة بلدات جنوبية بعد ساعات، منها المنصوري وصريفا، مقابل تجميد ضربة على الضاحية الجنوبية لبيروت. أثار المشهد تساؤلات حول مصداقية الهدنة وغياب الضمانات الميدانية، وسط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في عمق الجنوب اللبناني.
  • إسرائيل نفذت غارات على بلدات جنوب لبنان بعد إعلان الهدنة من ترمب
  • الهدنة لم توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في المناطق المسيطرة
  • لبنان يواجه اختباراً في ترجمة التفاهمات السياسية إلى وقائع ميدانية
من: دونالد ترمب، إسرائيل، حزب الله أين: جنوب لبنان، بيروت، الضاحية الجنوبية

لم تمضِ ساعات قليلة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار في لبنان، حتى عادت الطائرات الإسرائيلية إلى سماء الجنوب، ونفذت غارات على بلدات عدة، منها بلدة المنصوري، شحور، صريفا، جبشيت، كفرصير، أنصار وغيرها، مقابل تجميد الضربة التي كانت هددت بتنفيذها على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.

مشهد الضربات المستمرة على الجنوب اللبناني أعاد طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل دخل لبنان فعلاً مرحلة ما بعد الحرب، أم أن ما أعلن عنه ترمب لا كونه إعلاناً سياسياً من دون ضمانات ميدانية؟ بخاصة وسط التباس بين الأطراف المعنية حول ما إذا كان إعلان وقف إطلاق النار شامل أو جزئي؟

وكان استقبل اللبنانيون خبر وقف إطلاق النار بكثير من الحذر والأمل، إنما بدا الواقع على الأرض أكثر تعقيداً.

فإسرائيل التي وسعت خلال الأشهر الماضية نطاق عملياتها البرية إلى ما وراء الخطوط التقليدية للمواجهة، ووصلت إلى عشرات البلدات في جنوب لبنان، لم تقدم حتى الآن إشارات واضحة إلى نيتها الانسحاب الفوري من المناطق التي سيطرت عليها.

وفي المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على ترجمة أي تفاهم سياسي إلى وقائع ميدانية، واستعادة السيطرة على المناطق التي تحولت خلال الحرب إلى ساحات اشتباك مفتوحة.

إعلان ترمب جزء من إدارة المفاوضات المباشرةيكشف إعلان الرئيس ترمب عن تفاهم لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و" حزب الله"، ثم عودة الغارات والعمليات العسكرية بعد ساعات قليلة، أن ما جرى لم يكن اتفاقاً نهائياً بقدر ما كان محاولة أميركية لاحتواء التصعيد ومنع انهيار المسار التفاوضي الذي انطلق بالتوازي في واشنطن بين لبنان وإسرائيل.

فالهدنة لم تأتِ نتيجة تسوية شاملة تعالج أسباب الصراع، بل كإجراء موقت يهدف إلى خلق مناخ سياسي يسمح باستمرار المفاوضات المباشرة وعدم سقوطها تحت ضغط التطورات الميدانية.

ولذلك كان لافتاً أن يتزامن إعلان ترمب عشية جولة جديدة من الاجتماعات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة، في الثاني والثالث من يونيو (حزيران) الحالي، في مؤشر إلى وجود محاولة أميركية للفصل بين الميدان ومسار التفاوض.

لكن عودة الغارات صباحاً أظهرت أن الوقائع العسكرية ما زالت أقوى من التفاهمات السياسية، وأن إسرائيل لا تنوي تجميد عملياتها أو التخلي عن أوراق الضغط التي تمتلكها على الأرض، فيما لا تزال القضايا الأساسية موضع خلاف، وفي مقدمتها سلاح" حزب الله"، والانتشار العسكري جنوب الليطاني، والانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها.

من هنا، يمكن النظر إلى إعلان ترمب باعتباره جزءاً من إدارة المفاوضات أكثر منه إعلاناً لنهاية المواجهة.

فالولايات المتحدة تحاول إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ومنع الانفجار الكبير، بينما تستخدم الأطراف المعنية الميدان لتحسين شروطها السياسية.

ولذلك فإن مصير الهدنة سيبقى مرتبطاً مباشرة بمصير المفاوضات في واشنطن، ومدى قدرتها على تحقيق اختراق فعلي في الملفات الأمنية والعسكرية العالقة بين لبنان وإسرائيل.

تساؤلات مشروعة حول النوايا الإسرائيليةبالعودة إلى الحرب الأخيرة، نجد أنها لم تقتصر على تبادل الضربات عبر الحدود، بل شهدت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة توغلات برية إسرائيلية واسعة، وسيطرة على بلدات ومواقع استراتيجية، بعضها يقع في عمق الجنوب اللبناني.

وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه إسرائيل إلى الانسحاب التدريجي تنفيذاً للتفاهمات الجديدة؟ أم أنها ستسعى إلى الاحتفاظ بغالبية المواقع كورقة ضغط سياسية وأمنية في أي مفاوضات مقبلة؟ وهل يشكل وقف إطلاق النار الجديد، وعلى رغم هشاشته واقتصاره على بيروت والضاحية، بداية النهاية الفعلية للعمليات العسكرية، أم مجرد محطة موقتة في صراع لم تُحسم شروطه بعد؟ما قبل تطورات الساعات الأخيرة وإعلان ترمب التوصل إلى وقف لإطلاق النار، كان الميدان مختلفاً تماماً وكانت إسرائيل تسابق الوقت بنار غاراتها وإنذارات بإخلاء قرى وبلدات، يبعد بعضها نحو 50 كيلومتراً من الحدود.

وعلى الأرض اليوم تسيطر إسرائيل على جزء كبير من الجنوب اللبناني، وتوغلها المتسارع لم يقتصر على عمليات عسكرية محدودة، بل كان أقرب إلى عملية قضم واحتلال متسارع منظمة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة قبل الانتقال إلى المرحلة السياسية من التفاوض.

وكان الاندفاع الإسرائيلي البري تركز الأسبوع الماضي على محاور استراتيجية تبدأ من محيط مدينة النبطية وأرنون وقلعة الشقيف، مروراً بمرتفعات علي الطاهر التي تشكل واحدة من أهم العقد الجغرافية المشرفة على النبطية وإقليم التفاح، وصولاً إلى القطاع الشرقي في مرجعيون والقطاع الغربي باتجاه صور والزهراني.

والهدف لم يكن مجرد استهداف مواقع أو بنى عسكرية، بل السيطرة على المرتفعات والمفاصل التي تسمح بإعادة رسم الخريطة الميدانية للجنوب وفرض معادلات جديدة عليه.

إسرائيل والانسحاب من الجنوبفي المقابل، رفضت تل أبيب خلال المفاوضات العسكرية مع لبنان داخل مقر وزارة الحرب الأميركية، طلباً من بيروت بانسحاب قواتها من الجنوب، تحت حجة أنها لن تنسحب" طالما بقي تهديد في المنطقة"، وهو ما يعني حكماً أنها لن تخرج من البلدات التي سيطرت عليها على رغم إعلان ترمب التوصل إلى تفاهم مع الأطراف المعنية لخفض التصعيد قبل ساعات.

وعليه، لا تبدو المعركة الحالية في الجنوب مجرد مواجهة عسكرية تتأثر بما يحصل في العاصمة بيروت، بقدر ما تبدو معركة على شكل الجنوب وحدوده ومستقبله.

إسرائيل تحاول رسم الخريطة على مقاس مصالحها، ولبنان يحاول نزع مطلب الانسحاب، ولكن يبدو أن الصورة تتغير أسرع من المحادثات الدبلوماسية والتفاهمات الدولية، أقله في المرحلة الحالية.

وهنا تدرك إسرائيل جيداً أن أي وقف نار جزئي كالحالي أو أوسع قد يشمل إيران، سواء بفعل ضغط أميركي أو نتيجة تفاهم إقليمي، سيجمد الخطوط عند النقطة التي تكون قد وصلت إليها.

لذلك تحركت في الفترة الماضية بسرعة في الميدان.

ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كان قالها صراحة إن قوات الجيش الإسرائيلي عبرت نهر الليطاني، وخلال زيارة لقوات إسرائيلية قرب الحدود، أشار إلى أن" قواتنا عبرت الليطاني، وتقدمت إلى المناطق المرتفعة المسيطرة".

وبالتالي الخطر لا يكمن فقط في وصول القوات الإسرائيلية إلى قلعة الشقيف وربما لاحقاً إلى النبطية أو محيط الزهراني، بل في أن يتحول هذا التوغل إلى خط سياسي وأمني جديد.

في المقابل، " حزب الله" يخوض معركة دفاع عن خطوطه والمحور الذي ينتمي إليه لا عن الدولة، والجيش اللبناني مقيّد بين القرار السياسي والاحتلال العسكري، فيما المجتمع الدولي يكتفي غالباً بإدارة التصعيد لا منعه.

الحزب وارتباطه بالمحور الإيرانييقول الباحث والكاتب السياسي اللبناني، ومدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات، حسان قطب" إن الحرب لا تُقاس بعدد الصواريخ والمسيّرات أو بخطابات التعبئة وإعلانات الانتصار، بل بنتائجها السياسية والعسكرية والإنسانية.

ووفق هذا المنظور، اتخذ الحزب قرار الانخراط في الحرب انطلاقاً من ارتباطه بالمحور الإيراني وورط لبنان بأكمله وتسبب بخسارة جزء كبير من جنوب البلاد، كما سبق له أن انخرط في ساحات سوريا والعراق واليمن، وقدم الحزب أولوية حماية النظام الإيراني واستمراريته على المصلحة الوطنية اللبنانية، وهو ما تؤكده تصريحات مسؤولين إيرانيين وشكر القيادة الإيرانية للحزب على مشاركته في الحرب دفاعاً عن طهران، من دون الاكتراث بموقف الدولة اللبنانية أو الرأي العام اللبناني.

ويتابع الكاتب والباحث حسان القطب" العودة إلى المناطق المتضررة شديدة الصعوبة حالياً حتى في حال التوصل إلى تسوية، في نموذج يشبه ما جرى في قطاع غزة، وعلى رغم عدم وجود مؤشرات مؤكدة على مشروع احتلال إسرائيلي دائم لجنوب لبنان، فإن الخطر الحقيقي يكمن في مستقبل منطقة تتعرض لتدمير منهجي قد يدفع أعداداً كبيرة من سكانها إلى الهجرة أو البحث عن حياة أكثر استقراراً داخل مناطق لبنانية بعيداً من الجنوب أو خارج البلاد تماماً".

في المقابل يعتبر الكاتب والباحث السياسي الأكاديمي ميشال الشماعي، أن استفراد" حزب الله" بقرارَي الحرب والسلم قاد لبنان إلى مسارٍ بالغ الخطورة وصولاً إلى احتلال إسرائيل عشرات البلدات الجنوبية، مؤكداً أن المواجهة العسكرية غير المتكافئة القائمة اليوم لا يمكن أن تفضي إلى أي نتائج إيجابية لمصلحة لبنان، حتى لو أعلن عن وقف لإطلاق النار بشكل جزئي يشمل العاصمة بيروت.

ورأى الشماعي أن العمليات العسكرية الإسرائيلية التي شهدها الجنوب اللبناني تدلّ على أن إسرائيل ماضية في تحقيق الأهداف التي أعلنها رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، والمتمثلة في القضاء على القدرات العسكرية لـ" حزب الله" وإزالة أي تهديد محتمل على حدودها الشمالية، مشيراً إلى أنه لا تلوح في الأفق مؤشرات جدية على تراجع إسرائيل عن هذه الأهداف، أو أقله الانسحاب من البلدات اللبنانية في المرحلة المقبلة.

مشدداً على أن السبيل الوحيد لوقف التدهور يتمثل في تفعيل المسار الدبلوماسي والانخراط في مفاوضات مباشرة تقودها الدولة اللبنانية، بما يكرّس دور المؤسسات الشرعية ويؤمّن حماية المصالح الوطنية اللبنانية.

وختم بالقول، " إذا استمر الرهان على الحسم الميداني وحده، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى تفوق إسرائيلي واضح والعملية العسكرية البرية قد تعود في أية لحظة إن تدهورت الأوضاع من جديد.

وكل يوم يمر من دون إطلاق مسار تفاوضي جدي يضاعف الخسائر اللبنانية، ليس فقط على المستوى الجغرافي، بل أيضاً على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية.

وإذا استمر هذا المسار، فإن لبنان يواجه أخطاراً وجودية تهدد مستقبله واستقراره، وخسارته للجغرافيا قد تؤدي إلى خروجه من التاريخ حتى".

رفض لبناني للتوغل البري الإسرائيليوعلى رغم الانقسام اللبناني الحاد حول دور" حزب الله" وسلاحه، تكاد المواقف تتقاطع عند نقطة أساسية تتمثل في رفض التوغل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية واعتباره تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية ولمستقبل البلاد، وسط مخاوف مشتركة بين الجميع من أن أي اتفاق جزئي أو شامل، لتخرج بموجبه قريباً من البلدات الجنوبية التي دخلتها.

وحتى في أوساط القوى والشخصيات المعارضة للحزب، لا يُنظر إلى التقدم الإسرائيلي في الجنوب بوصفه أمراً يمكن التساهل معه أو التعامل معه كوسيلة لإحداث تغيير سياسي داخلي، بل باعتباره خطراً على الكيان اللبناني نفسه وعلى سلطة الدولة ووحدة أراضيها.

وفي المقابل، يحمّل جزء كبير من هؤلاء المعارضين" حزب الله" مسؤولية المساهمة في إيصال البلاد إلى هذه المرحلة، معتبرين أن قرار فتح جبهة المواجهة مع إسرائيل أدخل لبنان في حرب لم يكن مستعداً لها، ومنح إسرائيل الذريعة التي كانت تبحث عنها لتوسيع عملياتها العسكرية وتحقيق أهداف ميدانية وسياسية طالما سعت إليها.

وبين رفض الاحتلال ورفض منطق الحروب المفتوحة خارج قرار الدولة، يتشكل موقف لبناني واسع يرى أن الخروج من الأزمة لا يكون عبر استمرار المواجهة العسكرية ولا عبر القبول بالأمر الواقع الإسرائيلي، بل من خلال استعادة الدولة اللبنانية كامل صلاحياتها السيادية وقدرتها على احتكار قرار السلم والحرب والدفاع عن حدودها وأراضيها.

أهمية الجنوب بالنسبة إلى إسرائيلتكمن أهمية المناطق الجنوبية التي تطمع إسرائيل بالدخول إليها أو البقاء فيها، ليس فقط في كونها قرى حدودية أو مساحة عسكرية قابلة للاحتلال، بل في كونها مفاتيح جغرافية تتحكم بالجنوب كله، طرقه ومرتفعاته وممراته ومدنه وعلاقته بالبقاع وبسوريا.

ولطالما شكلت منطقة الجنوب ثقلاً استراتيجياً وأمنياً محورياً في العقيدة العسكرية والسياسية الإسرائيلية منذ نكبة فلسطين عام 1948 وإعلان قيام الدولة الإسرائيلية، إذ تجاوزت نظرة إسرائيل لهذه المنطقة كحدود جغرافية لتصبح" حزاماً أمنياً" حيوياً ومختبراً لصراعات إقليمية ممتدة.

وتستند الأهمية الاستراتيجية للجنوب اللبناني في العقل الإسرائيلي إلى ركائز تاريخية وتحليلية عدة، منها العمق الأمني وحماية منطقة الجليل.

لطالما اعتبرت إسرائيل القرى والبلدات في شمال إسرائيل (الجليل) خط الدفاع الأول.

وبالنسبة إلى صناع القرار في تل أبيب، كان الجنوب اللبناني يُنظر إليه كمصدر لتهديدات متصاعدة، سواء عبر العمليات" الفدائية الفلسطينية" في الستينيات والسبعينيات، أو لاحقاً عبر الترسانة الصاروخية التابعة لـ" حزب الله" التي تطورت لتشكل تهديداً وجودياً يطاول العمق الإسرائيلي.

والسيطرة على الجنوب أو تحييده كان الهدف التاريخي لمنع أي" هجمات عبر الحدود"، لذلك، فإن ما يجري لا يمكن قراءته كعملية أمنية محدودة، بل كمحاولة لإعادة تعريف الجنوب اللبناني من منطقة ذات عمق اجتماعي وتاريخي وسياسي، إلى حزام أمني مفتوح، وهذا ينذر بأن إسرائيل لا تعمل فقط بمنطق" عملية عسكرية" جنوب لبنان، بل بمنطق تثبيت خريطة أمنية جديدة.

الجنوب منطقة مواجهة استراتيجيةبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، تحولت أهمية الجنوب من" منطقة عازلة" إلى" منطقة مواجهة استراتيجية".

ولم يعد الصراع محصوراً في حماية الحدود، بل أصبح يتعلق بـ" توازن الرعب".

وتحول الجنوب اللبناني من منظور إسرائيلي، إلى منصة انطلاق لمحور إقليمي يهدد التفوق العسكري الإسرائيلي التقليدي، مما جعل أي توتر في هذه المنطقة يُقرأ في تل أبيب كتهديد يمس بـ" الردع الإسرائيلي" برمته.

واليوم لا تتعامل إسرائيل مع الجنوب ككتلة واحدة، بل كطبقات دفاعية وجغرافية.

الطبقة الأولى هي جنوب الليطاني، وهي المنطقة التي شكلت منذ عام 2006 جوهر القرار 1701، منطقة يفترض أن تكون خالية من أي سلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية.

لكن إسرائيل تحاول اليوم تحويل هذا النص الدولي من إطار لضبط الأمن إلى أداة لإعادة رسم السيطرة الميدانية.

بمعنى آخر، لم تعد تريد فقط إبعاد" حزب الله" عن الحدود، بل تريد فرض تفسيرها الخاص لمفهوم" الأمن"، بحيث يصبح وجود الدولة اللبنانية في الجنوب مشروطاً بقبولها بالقواعد الإسرائيلية.

أهمية الليطاني كحد سياسي وعسكريولطالما مثل هذا الجنوب معضلة جغرافية، فمن جهة يمثل التهديد الأقرب والأكثر إلحاحاً، ومن جهة أخرى يمثل التحدي الذي لا يمكن حسمه عسكرياً بصورة نهائية من دون كلف استراتيجية باهظة.

لهذا السبب، ظل الجنوب المحرك الأساس لكثير من التحولات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ انتقلت إسرائيل من مرحلة" التوسع الاحتلالي" في الجنوب إلى مرحلة" إدارة التهديدات" تحت وطأة توازن قوى جديد ومعقد.

وهنا تبرز أهمية الليطاني ليس كمجرد نهر، بل كحد سياسي وعسكري، والسيطرة على جنوبه تعني عزل القرى الحدودية عن عمقها الطبيعي، وتحويلها إلى منطقة مراقبة، خالية من السكان أو شبه خالية، يسهل التحكم بها بالنار والطائرات والمسيرات.

أما التقدم إلى ما بعد الليطاني، باتجاه النبطية ومحيطها، فيعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بخط الدفاع الأول، بل انتقلت إلى ضرب العمق الجنوبي الذي يشكل قلب جبل عامل وذاكرته السياسية والدينية والاجتماعية.

الجنوب اللبناني قضية" أمن قومي" لإسرائيلفي المحصلة، لا تبدو الهدنة التي أعلنها ترمب هدفاً بحد ذاتها، بل جزءاً من محاولة أميركية لتأمين مظلة سياسية للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

غير أن الوقائع الميدانية والتصريحات الإسرائيلية المتتالية تشير إلى أن تل أبيب تنظر إلى الجنوب اللبناني بوصفه قضية أمن قومي لا مجرد ملف تفاوضي، وأنها لا تعتزم الانسحاب أو التراجع قبل ضمان ترتيبات أمنية جديدة تمنع عودة" حزب الله" إلى المناطق الحدودية.

ولهذا السبب، فإن المفاوضات الجارية لا تدور عملياً حول وقف إطلاق النار فقط، بل حول مستقبل الجنوب اللبناني وشكل الواقع الأمني الذي سيحكمه في المرحلة المقبلة.

فإسرائيل تحاول تحويل إنجازاتها العسكرية إلى وقائع سياسية دائمة، فيما يسعى لبنان إلى استعادة سيادته على أراضيه وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي.

وبين هذين الهدفين، تبدو الهدنة مجرد أداة لإدارة التفاوض وليست نهاية للصراع.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك