إن المشكلة الحقيقية في البيروقراطية العربية لا تكمن في بطئها، بل في نوع الإنسان الذي أعادت تشكيله.
فالجهاز الإداري لم يعُد ينتج موظفًا مسؤولًا، بل ينتج كيانًا وظيفيًّا منزوع الإرادة، يؤدي دوره داخل منظومة لا تطلب منه التفكير، بل الالتزام.
هذا التحول ليس عرضيًّا، بل نتيجة بنية إدارية أعادت تعريف الوظيفة العامة من موقع تأثير إلى موقع تنفيذ.
فالموظف لا يُحاسب على النتيجة، بل على مدى التزامه بالإجراء.
وهنا يحدث أخطر تحول في مساره المهني الوظيفي: حيث يتم نقل مركز المسؤولية من الإنسان إلى النظام.
في هذه البيئة، لا يُلغى الخطأ.
بل يُعاد توزيعه.
القرار يمر عبر مستويات متعددة، بحيث يصبح من المستحيل تحديد من يتحمل مسؤوليته.
هذه ليست حماية من الخطأ، بل إعادة هندسة للمسؤولية بحيث تختفي، وهنا يظهر ما يمكن تسميته “تفريغ الضمير الوظيفي”.
الموظف في هذا النموذج لا يرى نفسه فاعلًا، بل ناقلًا.
لا يسأل “هل القرار صحيح؟ ” بل “هل الإجراء مكتمل؟ ”، هذا الفرق البسيط هو ما يفصل بين إدارة حيّة وإدارة ميكانيكية.
وعلم النفس التنظيمي يصف هذه الحالة بـ “الانفصال الأخلاقي”، حيث يفصل الفرد عن فعله ونتيجته.
لكنه في السياق العربي يأخذ شكلًا أعمق: ليس فقط فصلًا نفسيًّا، بل تصميمًا مؤسسيًّا حيث يمنع الاتصال أصلًا.
المفارقة الكبرى هنا، أن هذا النموذج ينتج استقرارًا ظاهريًّا.
النظام يعمل، الإجراءات تُنفذ، الأخطاء لا تُسجل كمسؤوليات فردية.
لكن هذا الاستقرار هش، لأنه قائم على الامتثال لا على الفهم.
وهنا يظهر البعد الأخطر، إنتاج موظف لا يستطيع اتخاذ القرار، حتى لو أراد، فالنظام الإداري في بعض أغلب البلدان العربية لا يكافئ المبادرة، بل يعاقبها.
ويرتبط هذا النمط إقليميًا، بثقافة إدارية ترى الوظيفة كضمان اجتماعي، لا كمسؤولية عامة.
فالموظف يتم اختياره، تدريبه، وتقييمه على أساس الطاعة، لا على أساس القدرة على التأثير.
الأمر الذي ينتج جهازًا إداريًّا مستقرًا شكليًّا، لكنه عاجز عن التعامل مع الأزمات.
إلا أنه ومقارنة بالنماذج المتقدمة، نجد أن الفرق لا يكمن في غياب البيروقراطية، بل في طبيعتها.
ففي الدول الإسكندنافية مثلًا، الموظف العام يُنظر إليه كحامل لقيم الدولة، وليس مجرد منفذ.
فالبيروقراطية هناك لا تلغي القرار، بل تنظمه وتهذبه.
أما في النموذج العربي، فقد تحولت البيروقراطية من أداة تنظيمٍ إلى أداة تعطيل.
وأصبح الامتثال قيمةً أعلى من الكفاءة، والاستقرار أعلى من الفعالية.
وهنا نقول ومن واقع المسؤولية الإدارية إن إعادة بناء “الضمير الوظيفي” لا تبدأ بمحاربة التجاوزات، بل بإعادة تعريف الوظيفة نفسها.
حيث يجب أن يعود الموظف إلى موقع الفاعل، لا المنفذ.
وهذا يتطلب نظام مساءلة حقيقيًّا، يربط القرار بنتيجته، لا بالإجراء.
لأن المشكلة في النهاية ليست في النظام الإداري فحسب.
بل في الإنسان الذي صُمم ليعمل داخله بلا وعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك