بعد نحو عشرة أيام من التأخير والترقب في الأوساط الاقتصادية، أصدر البنك المركزي الإيراني ومركز الإحصاء تقاريرهما لشهر مايو/أيار 2026، والتي أظهرت تصاعداً حاداً في الأسعار.
ووفقاً للبيانات الجديدة، فقد سجل معدل التضخم الشهري المعلن من قبل مركز الإحصاء الإيراني نسبة 8.
8%، بينما أظهرت بيانات البنك المركزي الإيراني نسبة قريبة بلغت 8.
5%.
وفي ما يتعلق بمؤشر التضخم" نقطة إلى نقطة" (الذي يقارن مستوى الأسعار بالشهر نفسه من العام السابق)، فقد أعلن مركز الإحصاء وصوله إلى 83.
4%، بينما سجلت تقارير البنك المركزي 77.
2%.
وتشير صحيفة" دنياي اقتصاد" (دنيا الاقتصاد) الإيرانية في تحليلها لهذه الأرقام إلى أن هذا الارتفاع لم يكن مفاجئاً؛ حيث كان يتوقع أن يصل التضخم السنوي في مايو/أيار إلى حدود 77.
5% في السيناريو المتوسط، وهو ما جاء متطابقاً تقريباً مع الرقم الرسمي المعلن من البنك المركزي (77.
2%) بفارق ضئيل لا يتجاوز 0.
3%.
وتؤكد الصحيفة أن عوامل مثل نمو سعر صرف العملات الأجنبية، والاختلالات الحادة في سلاسل التوريد والتجارة الخارجية، والأضرار التي لحقت ببعض البنى التحتية الإنتاجية في الحرب الاخيرة، فضلاً عن اشتداد التوقعات التضخمية، قد لعبت الدور الأبرز في تشكيل هذا المشهد الاقتصادي المعقد.
تشير بيانات البنك المركزي إلى أن وصول التضخم السنوي إلى 77.
2% وهي المرة الثانية على التوالي التي يسجل فيها التضخم السنوي في إيران أرقاماً لم تشهدها البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
كما أن التضخم الشهري البالغ 8.
5% هو الأعلى على الإطلاق منذ قرار حذف سعر الصرف التفضيلي في يونيو/حزيران 2022.
وتعكس هذه الأرقام حالة من الإجهاد التضخمي المزمن، حيث دخل الاقتصاد الإيراني عامه السابع في مواجهة تضخم سنوي يتجاوز 30%، وهو أمر نادر التكرار في تاريخ إيران المعاصر.
وفي تفاصيل المجموعات السلعية، أظهرت تقارير مركز الإحصاء الإيراني أن مجموعة" المواد الغذائية والمشروبات" سجلت تضخماً سنوياً بلغ 129.
8%، وهو ما يعني أن تكلفة سلة الغذاء الأساسية للأسرة الإيرانية تضاعفت بأكثر من مرتين مقارنة بالعام الماضي.
ومن الناحية الاجتماعية، يمثل هذا الارتفاع ضغطاً هائلاً على العائلات، لا سيما في ظل تسجيل أصناف أساسية مثل البيض زيادة شهرية بنسبة 45.
2%، ولحم الدجاج بنسبة 25%.
وغالبا يعود هذا التركيز التضخمي في السلع الأساسية إلى النقص الحاد في العرض والقيود المفروضة على الاستيراد والإنتاج المحلي.
في مقابلة مع" العربي الجديد"، قال الخبير الاقتصادي الإيراني علي موسوي إن التضخم المستمر في إيران يعود في الأساس إلى اختلال مزمن في الاقتصاد، يتمثل في تجاوز النفقات والالتزامات، ولا سيما في القطاع العام، حجم الموارد المستدامة، وهو ما يجري تعويضه عادة عبر مسارات تنتهي إلى رفع المستوى العام للأسعار.
وأضاف موسوي أن عدة عوامل رئيسية تتضافر حالياً لتفاقم هذا المسار في وقت واحد.
وأوضح أن أول هذه العوامل يتمثل في عجز الموازنة وطريقة تمويله، مشيراً إلى أن الدول تواجه عادة خلال فترات الحرب أو التوترات الأمنية ارتفاعاً في الإنفاق بالتوازي مع ضغوط على الموارد.
ولفت إلى أن هذه الضغوط تظهر في إيران في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلاً من عجز هيكلي في الموازنة، وأن هذا العجز، إذا لم يُغطَّ من خلال موارد سليمة ومستدامة، يُمول غالباً عبر القاعدة النقدية أو الشبكة المصرفية ونمو السيولة، ما يقود إلى تضخم أعلى.
وأشار موسوي إلى أن العامل الثاني هو تصاعد حال عدم اليقين الناتجة من غموض أفق الحرب والهدنة، موضحاً أن الاقتصاد شديد الحساسية إزاء عدم اليقين، قائلا إن غياب الوضوح بشأن الحرب أو وقف إطلاق النار أو استمرار التوترات يدفع إلى اتخاذ القرارات الاقتصادية بمزيد من الحذر، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار، وارتفاع السلوكيات الاحترازية، وتصاعد التوقعات التضخمية، بما يجعل التضخم أكثر رسوخاً.
وأضاف أن العامل الثالث يتعلق بالغموض على مستوى صنع القرار وصعوبة إعادة تنظيم الموازنة، موضحاً أنه في مثل هذه الظروف لا تتوافر حتى لدى صناع القرار صورة واضحة عن المسار المقبل.
وأشار إلى أن ضبابية الأفق السياسي والأمني والقيود التنفيذية تجعل من الصعب تحديد مستويات الإيرادات والنفقات في الأشهر المقبلة، ما يؤدي إلى تأجيل المراجعة الفعلية للموازنة، أو تنفيذها بصورة جزئية، لتُدار البلاد عملياً بالآليات السابقة نفسها، وهي آليات يغلب عليها الطابع التضخمي.
وقال إن العامل الرابع يتمثل في التقلبات في سوق الصرف وانتقالها إلى الأسعار، موضحاً أن سوق العملات الأجنبية يكون عادة الأسرع تأثراً في بيئة عدم اليقين.
وأضاف أن أي ضغط على الموارد من النقد الأجنبي أو تعثر في المعاملات الخارجية أو ارتفاع في المخاطر قد يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف، ومع اعتماد جزء من الإنتاج على استيراد المواد الأولية والقطع والمعدات، فإن هذه التغيرات تنتقل خلال فترة غير طويلة إلى كلفة الإنتاج ثم إلى أسعار المستهلكين.
وأشار موسوي في حديثه إلى أن العامل الخامس هو الاختلالات في القطاع المصرفي ونمو السيولة، موضحاً أنه عندما تواجه البنوك مشكلات هيكلية بالتزامن مع تزايد الضغوط التمويلية، فإن نمو السيولة يتخذ مساراً لا يتناسب مع نمو الإنتاجية والإنتاج، وهو ما يزيد الضغط على المستوى العام للأسعار.
وفيما تحذر أوساط اقتصادية إيرانية من احتمال تجاوز التضخم مستقبلاً حاجز 100%، قال موسوي إن تحول التضخم إلى مستويات ثلاثية الأرقام ولا سيما على أساس المؤشر من نقطة إلى نقطة، بات خطراً جدياً وقريباً.
واعتبر أن الحكومة قد تحاول تأجيل ذلك عبر زيادة الواردات لاحتواء ضغط الأسعار مؤقتاً، لكنه شدد على أن فعالية هذا المسار مشروطة بتوافر صادرات مستقرة لتأمين العملة اللازمة.
وأضاف أن التوسع في الاستيراد دون إيرادات صادراتية يعد" مسكّناً مؤقتاً" قد ينتهي بالضغط على الاحتياطيات الأجنبية وحدوث قفزة أكبر في الأسعار لاحقاً.
وخلص الخبير الاقتصادي الإيراني إلى أن التضخم الحالي هو نتيجة تداخل عجز الموازنة، وعدم اليقين الناجم عن ظروف الحرب، والغموض على مستوى اتخاذ القرار، وصعوبة إعادة إعداد الموازنة، والتقلبات في سوق الصرف، والاختلالات المصرفية.
وأكد أن كبح التضخم لا يتحقق بالأوامر، بل يتطلب حزمة سياسات متماسكة قابلة للتنفيذ تشمل الانضباط المالي وإصلاح الموازنة، وجذب شركاء تجاريين ومستثمرين استراتيجيين، وإدارة التوقعات وتحقيق استقرار في سوق الصرف، وإصلاح النظام المصرفي لمنع خلق" نقود رديئة" عبر البنوك غير المتوازنة.
من الظواهر البارزة في بيانات مايو/أيار 2026 الاتساع الكبير في الفجوة بين تضخم السلع وتضخم الخدمات.
فبينما وصل التضخم السنوي للسلع إلى 113.
8% وفقاً للبنك المركزي، استقر تضخم الخدمات عند 42.
5%، مما أدى إلى فجوة قدرها 71.
3 نقطة مئوية.
وتفسر هذه الفجوة سبب الشعور الحاد بالغلاء لدى المواطنين؛ إذ إن السلع الاستهلاكية والغذائية هي التي يواجهها الفرد بشكل يومي، وهي التي شهدت الزيادات الأكبر، بينما تميل الخدمات مثل الإيجارات أو النقل العام بأسعار مدعومة في بعض الأحيان إلى التحرك ببطء أكبر.
كما سجلت قطاعات حيوية أخرى ارتفاعات حادة؛ حيث تصدر قطاع" الصحة والعلاج" قائمة التضخم الشهري بنسبة 23.
8%، يليه قطاع" الأثاث والخدمات المنزلية" بنسبة 20.
3%، ثم" النقل" بنسبة 19.
4%.
ويحذر خبراء من أن القفزة في تكاليف الرعاية الصحية لها تداعيات اجتماعية تفوق أثرها الاقتصادي المباشر، حيث تمس سلامة المواطنين وقدرتهم على الحصول على الخدمات الطبية الأساسية في ظل تآكل المداخيل الحقيقية.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تمر فيه البلاد بعد حربين خلال العام الأخير وسط مرحلة صعبة للغاية اقتصادياً في ظل حصار اقتصادي مفروض على البلاد، ما يتطلب إعادة ترتيب الأوراق الاقتصادية، حيث يسعى صانع السياسة النقدية إلى إيجاد توازن دقيق بين كبح جماح ارتفاع الأسعار المتسارعة وتأمين التمويل اللازم للقطاعات الإنتاجية المتضررة من الظروف الاستثنائية الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك