ظل التفكير بلجم فيضان نهر الفرات في سورية هاجساً عند سكان المنطقة صوّرته أعمال أدبية وسينمائية، سلّطت الضوء على تأثيراته السلبية على الأرياف والمدن والقرى التي يمّر بها، والخطط الحكومية نحو إنشاء السدود كأداة للسيطرة عليه.
في القصة التي نشرها الأديب السوري عبد السلام العجيلي، ابن مدينة الرقة، في مجلة الآداب اللبنانية نهاية عام 1959 بعنوان" النهر سلطان"، يروي حكاية الفلاح العجوز مبروك، الذي عاش عمره على ضفة الفرات، وفقَد ابنه الوحيد رمضان قبل ثلاثين عاماً، حين انهار جرف النهر وابتلعه الفيضان.
فظل يحمل هذا الجرح طوال حياته، ويرى في الفرات سلطاناً جباراً يهب ويأخذ دون حساب.
وفي شيخوخته يصل مهندسون لدراسة مشروع سد عليه، فيدرك أن النهر الذي حكم مصائر الناس قروناً سيُروَّض أخيراً بسلطة الإنسان والعلم.
يشعر مبروك بأن العدالة تأخرت لكنها جاءت، وأن قاتل ابنه لن يبقى طليقاً إلى الأبد، لذلك يموت مطمئناً وسعيداً، وهو يتخيل السد قائماً.
العجيلي الذي تعدّدت تجربته في الطب والسياسة والكتابة، كان فاعلاً ضمن المساعي التي بذلها أبناء مرحلته من أجل تنمية المنطقة الشرقية في سورية، وعدم تركها مهملة ومنسية، وقصته هذه لا يمكن اعتبارها دعائية بقدر تعبيرها عن واقع حال السكان، الذين حلموا بأن تنتهي الكارثة المحتملة سنوياً بسبب فيضان النهر، ولهذا فإن التعابير التي يستخدمها في الكتابة تبدو كأنها تتحرش بالمفاهيم الراكدة في عقول البشر، لتأخذهم إلى ضفة بعيدة عن اعتبار الكارثة قدراً.
انتقد عمر أميرالاي المأساة التي تسبب بها بناء السد في فيلم وثائقيوبعد عشرات السنين، كتب العجيلي مقالة في مجلة" الحياة السينمائية" عام 2001 يحكي فيها عن مشروع سينمائي كبير تم العمل عليه بناء على قصته" النهر سلطان"، الفرصة ضاعت بسبب البيروقراطية، التي استخدمت لإفشال الأمر بناء على خلفيات سياسية، حيث طلبت منه المؤسسة العامة للسينما بدمشق تحويل قصته هذه إلى نص سينمائي طويل لإنتاج فيلم يواكب بناء سد الفرات.
انخرط العجيلي في تفاصيل المشروع، فرافق المخرج المصري صلاح أبو سيف إلى الرقة لمعاينة المواقع، لكن الاتفاق مع المخرجين ظل يتعثر بسبب تردد وزارة الثقافة.
ولاحقاً، تدخل الفنان اللبناني عاصي الرحباني مبدياً حماساً شديداً لدرجة رغبته في التمويل والمشاركة بالإنتاج، ونجح في إقناع الفنانة المصرية فاتن حمامة بأداء دور البطولة، وطرح فكرة استقطاب النجم العالمي أنطوني كوين للمشاركة أيضاً.
لكن الأمر انتهى برفض الوزير مشاركة الممول ورجل الأعمال نادر الأتاسي بحجة أنه" رأسمالي"، مطالباً بتهكم بـ" ممول فقير".
اضطر العجيلي لإعادة المبالغ الرمزية التي قبضها ليظفر بنصه مجدداً، والذي تحول لاحقاً إلى مسلسل إذاعي وتلفزيوني، بينما بقيت مقالته عما جرى حبيسة الأدراج، حتى نفض عنها الغبار لتنشر في كتاب" أنطولوجيا السينما اللامرئية" عام 1995، وهو مشروع كتاب فرنسي ضم نصوصاً لروائيين ومشاهير حالت العوائق دون إنتاج أعمالهم سينمائياً.
وفي ملف سينمائي آخر، يتذكر السوريون أن عمر أميرالاي أحد أبرز مخرجي السينما الوثائقية السورية سجل فيلمه الأول بعنوان" محاولة عن سد الفرات عام 1970" وفي هذا الفيلم القصير تتناوب الصور بين آلات عملاقة وعمال سمر البشرة يعملون تحت الشمس، من أجل كسر شوكة الصخور، ومد الخرسانة، في مسعى تأسيس السد، مع صور أخرى تعرض وجوه بعض السكان ممن يؤثر عليهم الجفاف والخسارات التي يتسبب بها طوفان النهر.
لكن أميرالاي عاد إلى المنطقة بعد 30 عاماً ناقداً سياسات الدولة البعثية في إدارة المنطقة.
وعالج القضية بأسلوبه الساخر في فيلمه" طوفان في بلاد البعث" (2003)، ساعياً إلى التحقق من حجم المأساة التي تسبب بها بناء السد لسكان المنطقة، على حد تعبيره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك