وافقت المفوضية الأوروبية على الخطة الإسبانية الخاصة بإطلاق آلية جديدة لضمان قدرة النظام الكهربائي، في خطوة تتيح تقديم مساعدات حكومية تصل قيمتها إلى تسعة مليارات يورو على مدى عشر سنوات، بهدف تعزيز أمن الإمدادات الكهربائية وضمان استقرار الشبكة الوطنية في مواجهة فترات الضغط ونقص الإنتاج.
ويأتي القرار الأوروبي في وقت تواجه فيه القارة تحديات متزايدة مرتبطة بأمن الطاقة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، إضافة إلى تنامي المخاوف من تكرار الانقطاعات الكهربائية الواسعة التي شهدتها بعض الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، ومن بينها الانقطاع الكبير الذي ضرب إسبانيا في إبريل/ نيسان 2025.
وبموجب الآلية الجديدة، سيحصل منتجو الكهرباء ومشغلو قدرات التخزين ومقدمو خدمات إدارة الطلب على تعويضات مالية مقابل التزامهم بتوفير الطاقة أو خفض الاستهلاك خلال فترات الشح والضغط على الشبكة.
تستند الخطة الإسبانية إلى إنشاء ما يعرف بـ" سوق القدرة الكهربائية"، وهو نظام معمول به في عدد من الدول الأوروبية، يهدف إلى ضمان توافر احتياطيات كافية من الكهرباء يمكن الاعتماد عليها عند ارتفاع الطلب أو انخفاض إنتاج مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية.
ووفقاً للخطة المعتمدة، سيتولى مشغل شبكة النقل الكهربائي دفع مقابل مالي للقدرات التي تضمن تلبية معايير الاعتمادية المطلوبة، بما في ذلك عدد ساعات الانقطاع المقبولة سنوياً.
كما تعهدت مدريد بأن تكون الآلية مفتوحة أمام جميع المشاريع، سواء القائمة أو الجديدة، شريطة قدرتها على توفير الكهرباء خلال فترات النقص، على أن يتم اختيار المشاريع عبر مناقصات شفافة وغير تمييزية لضمان المنافسة العادلة.
ورغم الترحيب الأوروبي بالخطة، فإن التمويل النهائي لهذه المدفوعات سيقع عملياً على عاتق المستهلكين، إذ ستُدرج تكاليف" مدفوعات القدرة" ضمن الرسوم التنظيمية المضافة إلى فواتير الكهرباء الشهرية للأسر والشركات.
ومن المتوقع أن تبلغ قيمة الدعم السنوي نحو 900 مليون يورو حتى عام 2036، ما يثير مخاوف من انعكاس هذه السياسة على أسعار الكهرباء في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتكاليف المعيشة المرتفعة في أوروبا.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي الإسباني خوان لوبيز، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إن موافقة المفوضية الأوروبية على آلية القدرة الكهربائية تعكس تحوّلاً واضحاً في السياسة الاقتصادية الأوروبية تجاه قطاع الطاقة، موضحاً أن" أمن الإمدادات الكهربائية أصبح أولوية استراتيجية بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب الحرب في أوكرانيا أو اضطرابات أسواق الغاز والطاقة".
وأضاف أنّ" إسبانيا تسعى إلى تجنب أي مخاطر لانقطاعات واسعة مستقبلاً، خاصة مع التوسع الكبير في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة التي تحتاج إلى قدرات احتياطية مرنة لضمان استقرار الشبكة الكهربائية".
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الإسباني غونثالو برناردوس، لـ" العربي الجديد" إن الآلية الجديدة" ستمثل متنفساً مالياً مهماً لشركات الكهرباء الكبرى التي كانت تضغط منذ سنوات للحصول على مقابل اقتصادي لخدمات الدعم الاحتياطي التي تقدمها للشبكة".
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن" الكلفة النهائية ستنتقل جزئياً إلى المستهلكين عبر فواتير الكهرباء" مشيراً إلى أنّ" التحدي الحقيقي أمام الحكومة الإسبانية سيكون في منع ارتفاع الأسعار على الأسر والصناعة، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأوروبي".
أثارت الخطة أيضاً انتقادات من بعض الأوساط الاقتصادية والبيئية التي ترى أن الدعم قد يتحول إلى مصدر أرباح إضافية لشركات الكهرباء الكبرى دون ضمانات كافية لخفض الأسعار أو تسريع التحول الطاقي.
وفي هذا الإطار، اعتبر أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة برشلونة سانتياغو نينيو بيثيرا، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن القرار الأوروبي" يعكس نهاية مرحلة الاعتماد الكامل على منطق السوق الحرة في قطاع الطاقة"، مضيفاً أن" الحكومات الأوروبية عادت إلى التدخل المباشر وتمويل البنية التحتية للطاقة بعد أن أثبتت الأزمات الأخيرة أن السوق وحدها لا تضمن أمن الإمدادات"، وأشار أستاذ الاقتصاد أن" الاستثمارات الضخمة في قدرات التخزين ومحطات الدعم الاحتياطي ستصبح جزءاً أساسياً من التحول الطاقي الأوروبي خلال العقد المقبل، حتى مع استمرار التوسع في الطاقة النظيفة".
-شركات الكهرباء المستفيد الأكبريفتح القرار الأوروبي الباب أمام شركات الطاقة الكبرى في إسبانيا للحصول على مليارات اليوروهات من الدعم خلال العقد المقبل، وفي مقدمتها شركات" إيبردرولا" و" إنديسا" و" ناتورجي"، التي طالبت منذ سنوات بإقرار مدفوعات مقابل خدمات الدعم الاحتياطي التي تقدمها للشبكة الكهربائية.
وتقول هذه الشركات إن محطات الغاز ذات الدورة المركبة ومحطات الدعم الاحتياطي أصبحت تعمل بخسائر نتيجة تراجع ساعات التشغيل لصالح الطاقة المتجددة، رغم استمرار الحاجة إليها لتأمين استقرار الشبكة في أوقات انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.
وكانت شركة" ناتورجي" لجأت سابقاً إلى المحكمة العليا الإسبانية للمطالبة بالسماح بإغلاق بعض محطاتها، معتبرة أنها لم تعد مجدية اقتصادياً، إلا أن السلطات رفضت التخلي عنها بسبب أهميتها الاستراتيجية لأمن الطاقة الوطني.
ولا تقتصر الاستفادة من الآلية الجديدة على محطات الغاز فقط، بل تشمل أيضاً محطات الضخ الكهرومائي، ومشروعات التخزين الكهربائي، وحتى كبار المستهلكين الصناعيين القادرين على خفض استهلاكهم عند الحاجة مقابل الحصول على تعويضات مالية.
ويُنظر إلى هذه السياسة باعتبارها جزءاً من التحول الأوروبي نحو أنظمة كهربائية أكثر مرونة، تعتمد على الدمج بين مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين وإدارة الاستهلاك.
دروس انقطاع 2025 ويأتي تسريع العمل بآلية القدرة بعد أشهر من الانقطاع الكهربائي الكبير الذي شهدته إسبانيا في 28 إبريل/ نيسان 2025، والذي تسبب في اضطرابات واسعة وأعاد ملف أمن الشبكات الكهربائية إلى واجهة النقاش الأوروبي.
ورغم عدم صدور نتائج نهائية بشأن أسباب الحادثة، فإن السلطات الإسبانية شددت منذ ذلك الحين إجراءات تشغيل الشبكة ورفعت مستويات الاحتياط الكهربائي لتفادي تكرار الأزمة.
وتؤكد شركة تشغيل الشبكة الكهربائية الإسبانية أن وجود قدرات احتياطية كافية يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استقرار النظام الكهربائي، خصوصاً مع التوسع السريع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة.
ويعكس القرار الأوروبي تحولاً أوسع في فلسفة إدارة قطاع الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي، إذ باتت الحكومات أكثر استعداداً للتدخل المباشر وتمويل البنية التحتية الاستراتيجية بعد سنوات من الاعتماد على آليات السوق الحرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك