بدّلت تكاليف الإنتاج المرتفعة، وفي مقدمتها الطاقة والأجور، من قدرة الصناعة التركية على طرح سلع تتناسب مع تراجع القدرة الشرائية للأتراك في السوق المحلية، أو الحفاظ على تنافسية المنتج التركي المعتادة في الأسواق الخارجية.
وتزايدت المؤشرات على تراجع مساهمة القطاع في الصادرات والناتج المحلي الإجمالي، ما دفع اقتصاديين وأكاديميين أتراكاً إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من تعطّل قاطرة الاقتصاد وأكبر مشغّل للعمالة في البلاد، فضلاً عن تأثر صورة تركيا التي روّجت لنفسها خلال العقدين الماضيين بوصفها دولة صناعية بامتياز.
وحذّر البروفيسور بوراك أرزوفا، عضو هيئة التدريس في جامعة مرمرة، من خطر التراجع الصناعي المبكر، داعياً إلى إعادة النظر في البرنامج الاقتصادي الحالي وزيادة الدعم عبر سياسات مالية تحمي الإنتاج الصناعي.
وقال خلال برنامج" مكتب الاقتصاد" التلفزيوني قبل أيام، إن البنك المركزي لا يستطيع إدارة البرنامج الاقتصادي بالاعتماد فقط على تثبيت سعر الصرف عند مستوى معين، وإن تركيا تواجه خطراً حقيقياً يتمثل بتراجع الصناعة قبل الأوان.
وأضاف أن البرنامج الاقتصادي يحتاج إلى تحديث شامل لتجنب فقدان القدرة الإنتاجية، وأن هذا الخطر يجب تقييمه في ضوء التطورات الاقتصادية العالمية.
وطالب رئيس قسم المحاسبة والتمويل في كلية إدارة الأعمال بجامعة مرمرة بتخفيف أعباء التكاليف عن الصناعيين والمصدرين، إلى جانب دعم الطاقة عبر خفض كلفة الكهرباء الصناعية، وتوسيع الحوافز المرتبطة بالتوظيف، ولا سيما في القطاعات كثيفة العمالة.
وأشار إلى أن ردّ مستحقات ضريبة القيمة المضافة للشركات من شأنه المساهمة في معالجة أزمة السيولة في السوق، وأن الإلغاء المؤقت للضرائب الإضافية على واردات المواد الخام والسلع الوسيطة سيخفف الأعباء عن الشركات المصدّرة.
ويعاني القطاع الصناعي التركي، وخصوصاً خلال الربع الأول من العام الجاري، وفي أعقاب التطورات العسكرية في المنطقة، من حالة انكماش أثّرت في معدلات النمو وتدفق الصادرات، فضلاً عن إفلاس شركات كبيرة وعريقة في قطاعات الغذاء والمعادن والألبسة.
وتشير بيانات الربع الأول إلى تراجع أداء الصناعة التركية، إذ كان القطاع الوحيد بين الأنشطة الاقتصادية الكبرى المكوّنة للناتج المحلي الإجمالي الذي سجّل انكماشاً، بعدما تراجع بنسبة 0.
8% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026.
ويثير ذلك المخاوف من تراجع المساهمة الهيكلية للصناعة التحويلية في الاقتصاد التركي، التي تبلغ حالياً نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم وجود خطط حكومية ضمن البرنامج الاقتصادي متوسط المدى لرفع هذه النسبة إلى 18% بحلول عام 2028 من خلال زيادة الدعم والتوجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وكان مسح أجرته" ستاندرد آند بورز غلوبال" قبل أيام قد أظهر أن أداء الصناعة التركية اقترب من الاستقرار خلال شهر مايو/ أيار الماضي، مدعوماً بعودة الإنتاج إلى النمو وارتفاع طلبات التصدير للمرة الأولى منذ 21 شهراً.
وأشار المسح إلى ارتفاع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الصادر عن غرفة صناعة إسطنبول إلى 49.
8 نقطة خلال مايو/ أيار، مقارنة بـ45.
7 نقطة في إبريل/ نيسان، مقترباً من مستوى 50 نقطة الفاصل بين الانكماش والنمو.
وتتوافق هذه النتائج مع بيانات مؤشر الإنتاج الصناعي لشهر مارس/ آذار 2026 الصادرة عن المعهد الإحصائي التركي (TÜİK)، التي أظهرت تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 1.
1% على أساس سنوي.
ووفقاً للتفصيل القطاعي الذي نشره المعهد، انخفض مؤشر قطاع التعدين واستغلال المحاجر في مارس بنسبة 5.
6% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وتراجع مؤشر الصناعات التحويلية بنسبة 1.
3%، فيما ارتفع مؤشر إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء بنسبة 5.
8%.
واستمر التراجع بوتيرة أكبر خلال شهر إبريل/ نيسان قبل أن يقترب القطاع من الاستقرار خلال الشهر الماضي، بعد تحمّل الحكومة التركية جزءاً من آثار ارتفاع أسعار النفط عبر نظام" إيشيل موبايل"، وبدء تنفيذ برامج دعم للصناعة والصادرات، وفق ما كشفته مصادر لـ" العربي الجديد".
بدوره، يقول مدير مركز الفكر للدراسات في إسطنبول، باكير أتاجان، إن الصناعة، ولا سيما قطاعات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا إلى جانب الغذاء والنسيج والبتروكيماويات، تمثل خياراً استراتيجياً دائماً لتركيا، سواء لتلبية احتياجات السوق المحلية أو لتعزيز الصادرات.
كذلك تشكل أداة أساسية لتقليص عجز الحساب الجاري الذي ينعكس على سعر الصرف ومستويات التضخم المرتفعة في البلاد، والتي تدور حالياً حول 32%.
ويضيف أتاجان لـ" العربي الجديد" أن صناع القرار الاقتصادي في تركيا وجدوا أنفسهم أمام خيارين صعبين؛ فمن جهة يواصلون التشديد النقدي ورفع أسعار الفائدة لحماية الليرة التركية التي تدور عند نحو 45.
5 ليرة مقابل الدولار، ومن جهة أخرى يسعون لخفض الفائدة لتنشيط السوق ودعم الصناعة عبر القروض.
ويشير إلى أن الحسم قد يتضح خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في الـ11 من الشهر الجاري.
ويستدرك الباحث التركي، قائلاً إن الحكومة لا تقف مكتوفة الأيدي تجاه القطاع الصناعي، بل أطلقت برامج تمويل موجهة تشمل قروضاً استثنائية لدعم الإنتاج، إلى جانب تعميم برامج التمويل المرتبطة بالتحول الرقمي والأخضر، وهي حزم تمويلية منخفضة الفائدة تستهدف خصوصاً الصناعات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن توسيع الضمانات الائتمانية المخصصة للمصدرين الصناعيين.
ويرى أتاجان أن دعم الصناعة وإعادة هيكلة الصادرات الصناعية يمثلان هدفاً معلناً ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي يولي اهتماماً خاصاً بالصناعات الدفاعية والفضائية، وصناعة السيارات الكهربائية، وقطاع البتروكيماويات، وأشباه الموصلات التي تسعى تركيا إلى دخولها بقوة.
ويؤكد أن ذلك لا يعني إهمال الصناعات التقليدية، مثل الصناعات الزراعية والألبسة والمواد الغذائية، إذ تشمل برامج الدعم مختلف القطاعات الصناعية عبر الحوافز والإعفاءات والدعم المباشر للمشروعات في المناطق الصناعية المنظمة، مع تركيز خاص على التكنولوجيا والشركات الصغيرة والمتوسطة التي توظف أكثر من 70% من اليد العاملة في تركيا.
وحول أبرز أسباب تراجع أداء الصناعة التركية وانخفاض مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات، يختصر أتاجان العوامل الرئيسية بثلاثة أسباب: السياسة النقدية المتشددة، وتراجع الطلب الخارجي نتيجة تداعيات الحرب على إيران وحالة الركود لدى الشركاء التجاريين، ولا سيما في أوروبا، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي بسبب زيادة أسعار المواد الأولية والطاقة والأجور، ما رفع التكاليف التشغيلية وأدى إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية، وبالتالي تراجع الطلب عليها محلياً واشتداد المنافسة عليها في الأسواق الخارجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك