بعد إعلان وزارة الداخلية السورية مصير أطفال الطبيبة السورية رانيا العباسي، مع أدلة حول تورط سفاح حفرة حي التضامن أمجد يوسف في قتل الطبيبة وزوجها وأطفالهما الستة، وتصاعد حالة الغضب والصدمة، استغلت جهاتٌ هذه المشاعر لبناء دعوات مقاطعة على أساس طائفي في حملة أطلق عليها" لست شجرة" على مواقع التواصل الاجتماعي.
تدعو إلى مقاطعة السوريين من الطائفة العلوية، مع تبرير ربط الطائفة بعينها بنظام بشار الأسد المخلوع، في حالة تهدف إلى تعميق الانقسام المجتمعي في سورية، وتحويل جريمة أمجد يوسف والجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد وضباطه ومليشياته إلى إدانة للمجتمع بأكمله، في إطار يضعف العدالة والإنصاف في المجتمع، ويدفع السوريين إلى التمترس خلف هويات طائفية ويعزّز مشاعر الخوف والشك لديهم.
ويستغرب الدكتور زين مهنا، من أبناء مدينة جبلة، في حديثه لـ" العربي الجديد"، من الحملة وإطلاقها، حيث يبين أن حقيقة الحديث مع العلويين بهذا الشكل مستهجنة وغريبة، وهو مشابه لتحميل أبناء الطائفة السنية جرائم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو أفراد منه، وقال: " الأمر غير منطقي بتاتاً".
ويدين أبناء الطائفة العلوية، كما يؤكد مهنا، جرائم أمجد يوسف ونظام الأسد، مضيفاً: " هناك غضب ورفض وحالة من الاشمئزاز في الحقيقة لدى أبناء الطائفة العلوية من نشطاء وأناس عاديين وأشخاص مقرّبين من جرائم نظام الأسد وجرائم أمجد يوسف، هناك من يزوّر ويتحدّث باسم العلويين من خارج سورية، يحاولون الإساءة وينشرون بطريقة مهينة ومسيئة ضد الضحايا وذويهم، والمجتمع يرفضهم كما يرفض حملة المقاطعة".
وينظر مهنا إلى الحملة وما يصحبها من تباه بالجرائم بأنها تتم وفق أهداف واضحة، لوضع العلويين تحت الحصار والضغط المجتمعي، وفي النتيجة معاداة الدولة وتحميلها المسؤولية أو إفشالها، وقال: " المشاركة بهذه الحملات غير ذكية، وهي خدمة مباشرة لجهاتٍ لا تريد استقرار المجتمعات السورية بأي شكل من الأشكال، عدا عن أن هذه الحملات ستأتي بنتائج سيئة، وحملة كهذه خدمة لفلول نظام الأسد".
وقال أيهم علي، وهو من سكان اللاذقية، لـ" العربي الجديد" إن الحملة تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، و" عموماً هناك مبالغة، نحن نشتري بعضنا من بعض، هناك خوف لدينا في الحقيقة من دعوات كهذه، لكن على أرض الواقع يبدو أن لا أحد يبالي بها أو يلبي دعوات المقاطعة، قبل هذه الحملات وبعدها لا يمكن تفكيك العلاقة بين جار وآخر، لم تتغيّر علاقتي بجيراني في اللاذقية أو الباعة الذين أعرفهم منذ سنوات، وحتى لم ألحظ فرقاً في المعاملة، نرجو أن تندثر الحملة وألا يكون لها تأثير حقيقي".
ويثير هذا النوع من الحملات مخاوف لدى الشاب حسين العباس المنحدر من حي الورود في حمص، وقال لـ" العربي الجديد": " عندما أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أشعر أن مجازر ستقع.
وعلى أرض الواقع، الأمر مختلف"، وأضاف: " نحن شباب في العشرينيات، نعمل في ورشات ونتنقل كثيراً، هناك من يعتذر عن تشغيلنا عند معرفة طائفتنا، لكنها حالات قليلة، والأغلبية لا يسألون عن طائفتنا أبداً".
ويقول عن الحملة: " هؤلاء يريدون التشويه فقط وألا نعيش بأمان، حملات هدفها نشر الخوف والقلق فقط".
وتهدف الحملة إلى عزل اجتماعي واقتصادي سني، وفق صفحتها على" فيسبوك"، لأبناء الطوائف العلوية والدرزية وباقي الطوائف، مدّعية أنها" لا تهدف إلى الأذى الفعلي وإشغال الدولة والأمن، إنما إلى عزل طوعي"، وتشمل مقاطعة المطاعم والمدارس والجامعات وغيرها.
ويرى الحقوقي عاصم الزعبي أن قضية أطفال رانيا العباسي من القضايا المهمة المرتبطة بملف انتهاكات نظام بشار الأسد البائد، مبيناً لـ" العربي الجديد" أنها ليست الوحيدة التي ترتبط باعتقال أطفال وإخفائهم قسراً، وقال إن الانتهاك بحقهم تم توثيقه، والقضية قيد البحث منذ عدة سنوات من دون أي نتائج، حتى جرى التأكد أن المجرم أمجد يوسف هو من أعدم الأطفال، وهذا موثّق بتسجيل فيديو بحسب ذوي الأطفال.
وتابع الزعبي: " النقطة الأولى، تم حسم الجدل الدائر حول مقتل الأطفال من عدمه، أما النقطة الثانية فنحن أمام جريمة مكتملة الأركان، فهي جريمة حرب، وجريمة حتى بحسب القانون السوري تستوجب عقوبة الإعدام لقتل أطفال قاصرين".
وأضاف: " من الواضح أن الجريمة ليست الوحيدة، وهناك جرائم أخرى ارتكبها يوسف وفق تراتبية قيادية، وتحتاج إلى مزيد من التحقيقات قبل الكشف عنها، وهذه الجريمة لا يمكن أن تمر سواء على المستوى القضائي ومسار العدالة الانتقالية، أو على المستوى الشعبي، فهناك مطالبات من السوريين بتنفيذ أشد العقوبات بحق أمجد يوسف ومن معه.
القضية أصبحت قضية رأي عام أيضاً ولا يمكن نسيانها"، مردفاً: " الإسراع بملف العدالة الانتقالية أصبح ضرورياً، لكن على أن يتم وفق قانون خاص جديد".
ولفت الزعبي إلى أن الربط بين حملات المقاطعة من هذا النوع والجريمة بحق عائلة رانيا العباسي غايته حرف المسار عن المجرمين والقتلة، ولن يفيد العدالة في سورية، إنما يتجه إلى تعزيز الشرخ بين المجتمعات، ويدفع بعيداً عن إرساء القانون والعدالة وملاحقة المجرمين.
وكتبت لما الخولي عبر" فيسبوك": " هذا النوع من الحملات وعبر مئات السنين أثبت أن العزل والنبذ والمقاطعة تخلق بيئة وحشية وعنيفة وغير قادرة على تجريد المختلف من إنسانيته وتبرير الجريمة.
أما ليلى الحمد فأشارت إلى الحملة بأنها حملة محرضة، وحملات كهذه تقوم على أساس نشر روايات صادمة واستفزازية، بهدف تأجيج الرأي العام بشكل خطير، وكتبت: " بعد قصة أطفال رانيا العباسي رحمهم الله، ظهرت حملة لست شجرة والتي يبدو أن جزءاً من الخطاب الإعلامي المرافق لها يدعو إلى مقاطعة العلويين (أو كما يرد في بعض المنشورات وصفهم بالنصيريين).
لذلك أرى أن من الضروري التعامل مع هذه الحملة وما يرافقها من محتوى بحذر شديد، لأن فلول النظام البائد قد تكون وراء مثل هذه الحملات، وهو أمر بات وارداً في ظل ما نشهده من محاولات لإثارة التوتر والانقسام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك