لا أحب كلمة عرق، بالأحرى أكرهها، لأنها تحمل دلالات وظلالاً تحيل على معنى" العنصرية"، فإن الافتخار بالهوية والتشبث بها والدفاع عنها لا تعني مطلقاً الدفاع عن عرق معين ضد عرق آخر، بل هو الدفاع عن ثقافة وعن لغة تشكل خصوصية أمة معينة.
ولا يوجد عرق بشري صافٍ أو نقي، ربما وحدها بعض فصائل الكلاب التي دماؤها صافية، وكل الأعراق مهجنة ومتداخلة، ولا توجد ثقافة أو لغة صافية ونقية، كل الثقافات واللغات تعيش في ما بينها في حال من الضيافة الطوعية ومن الاختراق القسري ومن التقاطع التاريخي ومن الإنصات الفني.
بهذه المقاربة أتساءل، ما معنى أن تكون جزائرياً في زمننا هذا؟يبدو السؤال معقداً وإشكالياً ومحيراً، لكن الإجابة عنه تحتاج إلى تأمل هادئ في التاريخ بكل مكره وقراءة متأنية في الأنثروبولوجيا وتحديق فكري في العمران البشري والمادي واسترجاع فصول الثقافة ولذاذة الموسيقى وفي أذواق اللباس ونكهة المطبخ، هذه هي المفاتيح التي تساعدنا في وضع" بورتريه" تقريبي لمعنى أن تكون جزائرياً.
أن تكون جزائرياً معناه أن تشعر أولاً بدم الأجداد الأوائل المنسيين منهم والحاضرين، والصاحين والنائمين، والذين في الهامش والذين في المركز، والمعترف بهم في برامج المدرسة والمنفيين منها، أن تشعر بدمهم يجري في عروقك دافئاً كالنداء الخفي.
أن تكون جزائرياً عليك ألا تخاف من ماضيك بكل رموزه وفتراته الإيجابية والسلبية.
ومعنى أن تكون جزائرياً هو أن تؤمن وتتقبل بأن هناك سلسلة من حضارات متعاقبة مرت على الجغرافيا التي تحت قدميك والتي ينام فيها الأسلاف، وأن كثيراً من أصداء هذه الحضارات موجودة فيك بصورة سرية ومستترة، في ملبسك وأكلك ولغتك وعقيدتك وطريقة فرحك وغضبك، وعليه عليك أن تشعر بأن نداء هذه الحضارات ليس نداء في الفراغ بل هو يتقاطع بصورة لا واعية مع صدى الحضارة المعاصرة بكل تعقيداتها وفتوحاتها وتوحشها الحداثي.
وأن تكون جزائرياً معناه ألا تنكر بأن هذا البلد عرف معتقدات كثيرة بشرية وسماوية عاشت وتعايشت، بعضها اختفى وبعضها الآخر عظم شأنه، فالاكتشافات العلمية للحفريات الأخيرة بيّنت أن الجزائر تُعد ثاني مكان لأقدم وجود بشري في التاريخ البشري، وتأكد ذلك من حفريات موقع أثري في منطقة بوشريط بولاية سطيف، حيث قُدر عمر هذا الإنسان بنحو مليونين و400 سنة، وعثر أيضاً على بقايا إنسان عاش في منطقة تيغنيف بولاية معسكر عمره أكثر من 700000 سنة.
إن الأرض لا تفقد ذاكرتها بالتقادم أبداً، فالعلاقة مع الزمن بمفهومه المطلق تحرر الإنسان من قيود فرضها التاريخ وتسمح له بأن يكون أكثر حرية في التعامل مع هويته بكل تنوعات تضاريسها.
وأن تكون جزائرياً معناه أن تجد فيك حين تنظر إلى المرآة صباحاً بعضاً من بقايا من مروا على هذه الأرض من ماسينيسا (238 ق.
م - 148 ق.
م) ويوغرطة (نحو 160 ق.
م - 104 ق.
م) ويوبا الثاني (52 ق.
م - 23 م) وسانت أوغسطين (354 - 430) والكاهنة (توفيت نحو 702) والأمير عبدالقادر (1808 - 1883) والشيخ المقراني (1815 - 1871) والشيخ الحداد (1817 - 1873) وفاطمة نسومر (1830 - 1863) وبوبغلة (توفي عام 1854) والشيخ بوعمامة (1833 - 1908)، وصولاً إلى شخصيات الحركة الوطنية والثورة التحريرية أحمد بن بلة (1916 - 2012) ومصطفى بن بولعيد (1917 - 1956) ومحمد بوضياف (1919 - 1992) وعبان رمضان (1920 - 1957) وزيغود يوسف (1921 - 1956) والعربي بن مهيدي (1923 - 1957) وعميروش (1926 - 1959) وآيت أحمد (1926 - 2015) وديدوش مراد (1927 - 1955) وحسيبة بن بوعلي (1938 - 1957)، ثم جميلة بوحيرد.
فهذه السلسلة من الرموز التاريخية في شجاعة نسائها ورجالها عليك أن تسمع نداءها كل يوم، فهي لا تتوقف عن الصراخ في أذنيك وفي ضميرك.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)إن الإنصات إلى صوت الأسلاف يحتاج إلى أذن خاصة جداً.
وأن تكون جزائرياً كامل الصفات هو أن تشعر بأنك شخص يستمتع وبصورة عفوية بقراءة كتاب" الحمار الذهبي" لأبوليوس، ابن سوق أهراس (مداوروش)، وأن بينك وبينه تواصلاً وتواطؤاً غير مفسر، وأنك حين تقرأ مقدمة ابن خلدون تشعر بأن كاتبها كان يخطها وهو في مغارة تاوغزوت بفرندة، ولاية تيارت، وحين تقرأ أشعار سي محند اومحند تشعر بأنك أمام رامبو بلدك، وحين تقرأ رواية بلعيد آث علي" ولي الجبل" المكتوبة باللغة الأمازيغية تشعر وكأنها حكاية" كانديد" الجزائر بطل رواية فولتير، وحين تقرأ رواية" نجمة" لكاتب ياسين ولا تفهم شيئاً ثم تعيد قراءتها ثانية وتظل ترن في عقلك وتتمنى إعادة قراءتها مرة أخرى، وحين تقرأ" الدار الكبيرة" أو" الحريق" لمحمد ديب وتشعر بأنك الطفل عمر وأنك المناضل حميد سراج وأن مقبرة بني بوبلان هي مقبرة أجدادك، وحين تقرأ" الربوة المنسية" لمولود معمري فتشعر بأن جدك كان من رواد حكمة تاجماعت وأن أصوات فلاحي قرية تاسقا هم الجوق التاريخي لصوت الحرية والاستقلال، وحين تقرأ" ابن الفقير" لمولود فرعون وتشعر بأن لك أخاً اسمه فورولو وبأن التعليم طريق للتحرر من الاستعمار، وتقرأ رواية" العطش" لآسيا جبار وتتأمل جلستها في مدرج الخالدين بأكاديمية اللغة الفرنسية، وتقرأ" التلميذ والدرس" لمالك حداد وتشعر بحيرة الكاتب وكأنها حيرتك تجاه اللغة الفرنسية، وتقرأ فصولاً من فلسفة محند تازغورت فتشعر بالفخر وكأنما منحك هذا الفيلسوف المنسي جناحيه كي تطير بهما في سماء من دون حدود، وتقرأ مقالات الشيخ عبدالحميد بن باديس الصنهاجي وتدرك شجاعة الرأي وفصاحة العقل وذكاء المثقف العضوي.
وأن تكون جزائرياً هو أنك حين تستعد للنوم وتضع رأسك على الوسادة الوثيرة تشعر بأن هناك كثيراً من الرؤوس تقاسمك هذه الوسادة فتؤنس وحشتك، مفدي زكريا والطاهر جاووت والطاهر وطار ورشيد ميموني وعبدالحميد بن هدوقة وعبدالقادر علولة وعبدالملك مرتاض وأحلام مستغانمي ومبارك جلواح ومحمد العيد آل خليفة وبشير حاج علي ونبيل فارس ومالك واري وعمار بلحسن وعمار مزداد ورشيد أولبصير وغيرهم.
أن تكون جزائرياً هو أن تشعر بفخر الأسلاف الأمازيغ الذين اجتهدوا في اللغة العربية، فقعدوا لها وأبدعوا فيها من أمثال ابن أجروم الصنهاجي، وفي الوقت نفسه وبالإحساس ذاته تبتهج لما قام به مولود معمري في باب اللغة الأمازيغية وهو يجوب القفار والصحاري على طريقة سيبويه يجمع الكلمات الأمازيغية ويرتبها.
وأن تكون جزائرياً أيضاً هو أن تحب تين بني معوش بولاية بجاية، وزيت زيتون بلاد القبائل، وعسل الشلف، وأن تتذوق دلاع المنيعة ورمان مسعد بولاية الجلفة وبطاطا معسكر وكرز تلمسان وفراولة سكيكدة وطماطم وادي سوف وسردين الغزوات.
فالهوية لها طعم كالفاكهة ولها نكهة أيضاً.
أن تكون جزائرياً هو أن تستهويك جلابة السوقر والبرنوس الوبري في مسعد والبرنوس الصوفي القبائلي الأبيض والبرنوس الأوراسي والبرنوس الحريري التلمساني، وأن يشدك جمال البلوزة الوهرانية أو الملاية القسنطينية أو العباءة القبائلية ترتديها بكل وقار امرأة تتصدر مجلساً في عيد الفطر أو في المولد النبوي أو خلال حفل موسيقي.
وأن تكون جزائرياً هو أن تمتلك أذناً تعشق وتحسن سماع موسيقى الراي وآلة القلال يؤديها الشيوخ العمداء والعميدات ريميتي وبلمو والشيخة الجنية والشيخة الحب لحمر والشاب خالد والشاب مامي، وأن تفقه أسرار جمال أغنية الشعبي يؤديها الحاج محمد العنقا والحاج مريزق وبوجمعة العنقيس ودحمان الحراشي وعبدالمجيد مسكود ورضا دوماز.
وأن تندهش أمام الطبع الغرناطي للموسيقى الأندلسية يؤديها الشيخ العربي بن ساري وعبدالكريم دالي والحاج محمد الغفور.
وأن تحب فن الـ" أي آي" وتدهش لعبقرية خليفي أحمد، وأن تدرك سر عظمة صوت عيسى الجرموني، وإبداع عثمان بالي، وأن تقف بإعجاب أمام صوت وحكمة ما يغنيه آيت منغلات وإيدير وجمال علام.
وفوق هذا وذاك، أن تكون جزائرياً محافظاً على شخصيتك عليك أن تكون منفتحاً على الخيرات الفكرية والفنية في الآداب والسينما والمسرح والمطبخ والهندام والموسيقى التي تبدعها النخب البشرية شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، فالهوية ليست" الغيتو" Ghetto أبداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك