سألت الصديق خالد أبو شيبة عمّا تم إنجازه في نفرة علاج الإعلامية مشاعر عبد الكريم، وقبل أن أسهب في الحديث حول الخطوة اللاحقة، بعد توفير التذاكر وجمع مبلغ من المال عبر مجموعة الواتساب التي أنشأها لهذا الغرض، قال لي خالد: ” الزولة دي مبروكة؛ فقد تحركت الأمور بوتيرة أسرع وعلى نحوٍ أفضل مما توقعنا، وفي كل يوم يأتيني وعد بمساهمة جديدة لم تكن في الحسبان.
”وقد صدق خالد؛ فالواضح بالنسبة إلي شخصياً أن مشاعر إنسانة مبروكة فعلاً.
فقد تداعى إلى المجموعة عددٌ مُقدر من زملاء المهنة، وكثير من الأهلة الأوفياء الذين لا تربطهم بها أي صلة مباشرة، ومع ذلك جاءت مساهماتهم كبيرة ومؤثرة.
ولا أخفيكم سراً أن تداعي عددٍ من الأهلة من خارج الوسط الإعلامي لفت نظري، فهو مؤشر إلى جملةٍ من المعاني والدلالات.
أولها أن الأهلة أهل وفاء ونخوة بحق، تجدهم عند الملمات والشدائد، وثانيها أن مشاعر، كإعلامية، تحظى بتقديرٍ واحترامٍ واسعين لدى السودانيين عموماً.
أما ثالثها فهو ما تعكسه استجابة هؤلاء الأهلة من ثقة كبيرة في أبي شيبة وإدراكٍ لحقيقة أنه “أخو أخوان” بحق، وأنه محل ثقة وتقدير لدى كثيرين، وهذا يضفي مزيداً من العمق والتماسك على العلاقات بين الأهلة.
أما الأجمل في الأمر، فهو النقاش الذي دار داخل المجموعة، حين دعا بعض الزملاء الأخ ياسر قاسم إلى التواصل مع أهل قبيلته الحمراء للحاق بركب المساهمين في هذا العمل النبيل، بوصفهم أهل مروءة وشهامة أيضاً، ولا يتأخرون متى ما دعا داعي الخير.
وقد جاءت تلك الدعوات في أجواءٍ ودية عكست روح المحبة والتقدير المتبادل، وقدمت نموذجاً جميلاً للتعاضد والتكاتف بعيداً عن الانتماءات الرياضية الضيقة.
وهذا ما ألهمني عنوان هذا المقال؛ إذ شعرت بأن محنة مشاعر تكاد توحد السودانيين، وهي ظاهرة تستحق التأمل حقاً.
ففي لحظة من لحظات التأمل قلت لنفسي: ما دمنا نملك هذا الحس الإنساني الرفيع، ولدينا القدرة على توحيد جهودنا لرفع بلاءٍ عن أختٍ سودانية من دون أن نسأل عن قبيلتها أو منطقتها أو توجهاتها، أو حتى عن اللون الرياضي والانتماء الذي يحمله من دعا إلى الوقوف معها، فما الذي يمنعنا من أن نلتقي ونتوافق حول القضايا الكبرى التي تواجه الوطن؟ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها أثبتت أن ما يجمع السودانيين لا يزال أكبر بكثير مما يفرقهم.
فحين حضرت محنة إنسانية صادقة، تراجعت الانتماءات الضيقة إلى الخلف، وتقدمت قيم الشهامة والنجدة والتكافل إلى الواجهة.
فالتباين في الرؤى والأفكار أمر طبيعي، بل حتمي ومطلوب.
لكن ذلك لا ينبغي أن يحول بيننا وبين الاتفاق على المشتركات الوطنية الكبرى، أو أن يمنعنا من الاصطفاف خلف ما يخدم السودان وأهله.
وإذا كنا قادرين على تجاوز خلافاتنا وانتماءاتنا المختلفة عندما يتعلق الأمر بإنسانٍ يواجه محنة، فلماذا نعجز عن استدعاء الروح نفسها عندما يتعلق الأمر بمستقبل وطنٍ بأكمله؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك