روسيا اليوم - وسط انفجارات تهز إسرائيل.. "حنظلة" تعلن اغتيال مدير في الموساد وتقرير عبري يقدم رواية مغايرة (فيديو) روسيا اليوم - بوتين: مقترحات ترامب بشأن أوكرانيا تتطلب تنازلات من موسكو وكييف على حد سواء العربي الجديد - الكويت وأميركا تدينان الاعتداءات الإيرانية وتؤكدان مواصلة التنسيق روسيا اليوم - رسالة أممية حاسمة إلى الليبيين بشأن توطين المهاجرين روسيا اليوم - بوتين: روسيا لا تفرض أسماء مفاوضين ولا ترفض الحوار مع أوروبا العربي الجديد - بوتين: علينا تعزيز دفاعاتنا الجوية وترامب طلب منا تقديم تنازلات روسيا اليوم - زيلينسكي يكتب رسالة مفتوحة إلى بوتين يقترح فيها إنهاء الحرب والكرملين يرد قناة الغد - بوتين: مقترحات ترمب قد تشكل أساسًا للسلام في أوكرانيا قناة الجزيرة مباشر - America: Highest Level of Food Insecurity in Over a Decade قناه الحدث - تشديد سعودي بضرورة وقف تهجير الفلسطينيين
عامة

سلطة الاختلاف. فلسفة التحالف وأزمة المنهج في المشهد السوداني

سودانايل الإلكترونية
1

سلطة الاختلاف. فلسفة التحالف وأزمة المنهج في المشهد السودانيلماذا تتعثر التحالفات في السودان؟ليس من العيب أن تختلف الأحزاب والتيارات السياسية في رؤاها للوطن؛ فالخلاف سنة كونية وطبيعة بشرية لا مفر ...

ملخص مرصد
تتناول المقالة أزمة التحالفات السياسية في السودان، مشيرة إلى فشلها المتكرر في إدارة الاختلافات بسبب غياب المنهجية والأخلاق الديمقراطية. تُرجع الظاهرة إلى أزمة بنيوية عميقة تمتد منذ الاستقلال، حيث تتحول التحالفات إلى انقسامات دائمة. كما تقترح حلولاً عملية مثل وثائق قيم ملزمة وآليات اتخاذ قرار مؤسسية لوقف دائرة التكرار المدمّر.
  • أزمة التحالفات السودانية تعود لأزمة بنيوية منذ الاستقلال 1956
  • تحالفات مثل التجمع الوطني الديمقراطي وقوى الحرية والتغيير فشلت في الحفاظ على الوحدة
  • اقتراحات لحل الأزمة تشمل وثائق قيم ملزمة وثقافة الاعتراف بالخطأ
أين: السودان

سلطة الاختلاف.

فلسفة التحالف وأزمة المنهج في المشهد السودانيلماذا تتعثر التحالفات في السودان؟ليس من العيب أن تختلف الأحزاب والتيارات السياسية في رؤاها للوطن؛ فالخلاف سنة كونية وطبيعة بشرية لا مفر منها.

لكن العيب كل العيب.

والمأساة بعينها، أن تتحول أدوات إدارة الاختلاف نفسها إلى أزمة إضافية فوق أزمات الوطن.

في السودان، لم تكن التحالفات السياسية مجرد تكتلات عابرة تولد وتموت بحسب المصلحة، بل أصبحت مرآة عاكسة لأزمة بنيوية عميقة؛ أزمة في المنهج، وأزمة في الأخلاق السياسية، وأزمة في الإيمان بذات المبادئ الديمقراطية التي تُرفع شعاراتها في المؤتمرات الصحفية.

ما يجري ليس مجرد تشتت سياسي يمكن تبريره بالظروف الاستثنائية، بل هو تراكم تاريخي لفشل ممنهج في فن التحالف كفن حضاري قبل أن يكون تكتيكاً سياسياً.

إن الناظر في المشهد السوداني منذ استقلال البلاد عام 1956 وحتى اليوم، يكتشف بلا جهدٍ كبير أن السودان لم يعرف استقراراً سياسياً حقيقياً يتجاوز العقد الواحد.

الانقلابات العسكرية المتكررة، والحروب الأهلية الممتدة، والانقسامات السياسية العميقة، كلها تجليات لنفس الأزمة البنيوية؛ أزمة في فن بناء التحالفات وإدارة الاختلاف.

فالتحالف السياسي الناجح ليس مجرد جمع لأطراف متنافرة تحت مظلة واحدة، بل هو فنٌّ دقيق يتطلب منهجاً واضحاً وأخلاقيات راسخة وإيماناً حقيقياً بالمشاركة لا بالهيمنة.

1خريطة التحالفات من التجمع إلى الانقسامات المتتاليةعندما نتأمل تاريخ التحالفات السياسية السودانية منذ تسعينيات القرن الماضي، يبرز نمطٌ متكرر لا يخطئه عين المُدقق: ولادة تحالف كبير بحلم وطني يجمع تحت مظلته أطرافاً كانت بالأمس القريب في حالة حرب، ثم سرعان ما تظهر خيوط التمزق فتتفتت إلى أجزاء متصارعة تتناسى ما جمعها.

التجمع الوطني الديمقراطي، الذي جسّد لحظة استثنائية بجمعه الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الزعيم الراحل دكتور جون قرتق ديمبور مع أحزاب الأمة(الىاحل الأمام الصادق المهدي والاتحادي بقيادة مولانا الميرغني و تحالف الفدرالي (احمد ابراهيم دريج وشريف الحريري واحزاب اخىي، لم يُوفَّق في بناء رؤية مشتركة للمستقبل بعد توقيع اتفاقية نبفاشا للسلام الشامل.

فذابت وحدة الموقف في غياب وحدة الهدف.

وانفصل جنوب السودان وعلى الجانب الآخر تحالفات الاخري ذات تيار إسلامي وحتي العلمانية منها.

لم تكن أقل انقساماً، بل كانت نموذجاً آخر لكيف يمكن أن تتحول الأيديولوجيا الواحدة إلى ساحة صراع فرعي.

ثم جاءت قوى الإجماع الوطني، وتحالف كادوا، الذي تمخض عنه تحالف الجبهة الثورية، ونداء السودان، وصولاً إلى قوى الحرية والتغيير في ديسمبر 2018.

قوى الحرية والتغيير، رغم أنها مثَّلت لحظة أمل استثنائية بما حملته من زخم شعبي هائل، سرعان ما تحولت إلى نموذج درامي لانقسام التحالفات.

انقسام أغسطس 2020 بين ( قحت منصة التأسيس) وتحالف الجذري وقوي الحرية والتغيير المركزي كان بداية النهاية، ثم تلاه انبثاق تحالف الجذري، وتحالف الكتلة الديمقراطية، وتحالف الصمود والتأسيس، وقوى التوافق الوطني، حتى أصبحت خريطة التحالفات متاهة يصعب تتبعها، تتقاطع وتتصادم دون أن يُسمع صوت مواطن في المعادلة.

والمفارقة المُرَّة أن كل انقسام كان يُبرَّر بالمبادئ بينما كانت المآلات دون استثناء.

تخدم تعميق الانقسام الوطني وتعقيد فرص الحل.

هذا النمط المتكرر يطرح تساؤلات جوهرية؛ لماذا تفشل كل التحالفات السودانية تقريباً في اختبار الزمن؟ لماذا تتحول لحظات الوحدة النادرة إلى انقسامات دائمة؟ ولماذا يبدو أن التاريخ يعيد نفسه في السودان بشكل أشبه بدائرة مغلقة من التكرار المؤلم؟2السؤال؛ لماذا تفشل إدارة الخلاف؟النظر إلى هذه الخريطة المتشابكة يطرح سؤالاً فلسفياً جوهرياً: هل المشكلة في غياب منهجية علمية لإدارة الخلاف؟ أم أن هذه التحالفات كانت مرحلية بطبيعتها، حملت أعباءً أيديولوجية وأجندات متضاربة جعلتها تولد ميتة سريرياً؟ أم أن الجذر يكمن في أزمة أعمق: أزمة أخلاق السياسة نفسها، حيث غياب الإيمان الحقيقي بالمبادئ الديمقراطية أفضى إلى هيمنة “سياسة نفي الآخر” التي تصوِّر أي اختلاف على أنه خيانة، وكل رأي مخالف على أنه عداء؟الإجابة لا تكمن في فرضية واحدة، بل في تراكم ثلاث فرضيات تتفاعل لتُنتج المأساة السودانية المتكررة.

فرضية المنهج المفقود تقول إن تحالفاتنا تتعامل مع الأعراض لا مع الجذور؛ عندما ينشأ خلاف، يكون الرد البديهي هو التصعيد الإعلامي أو الانسحاب العاطفي أو تكوين تحالف موازٍ.

لا توجد غرف مشتركة لتحليل الصراع، ولا أدوات لترجمة الخلافات إلى قواسم مشتركة.

وكما يقول أينشتاين في حكمة إدارية خالدة؛ “لا يمكنك حل مشكلة باستخدام العقلية التي خلقتها.

” إن العقلية السائدة تُعيد إنتاج المشكلة بدلاً من حلها.

▪️فرضية التحالفات المرحلية.

والأجندات الخفية تكشف أن كثيراً من هذه التحالفات وُلدت لأغراض تكتيكية محددة: إسقاط نظام، أو كسب موقف تفاوضي، أو تجميع أصوات في مؤتمر معين.

وعندما يتحقق الهدف المباشر، أو تتعارض المصالح اللاحقة، تتفكك التحالفات لأنها لم تُبنَ على أسس استراتيجية.

إنها أشبه بزواج مصلحة دون حب أو قيم مشتركة، فلا يصمد أمام أول اختبار حقيقي.

▪️فرضية أزمة الأخلاق السياسية.

فرضية أزمة الأخلاق السياسية تطرح السؤال الأعمق؛ هل السياسة السودانية في جوهرها تؤمن بالآخر كشريك أم تعتبره عدواً مؤقتاً؟ إن غياب الإيمان الحقيقي بالمبادئ الديمقراطية واحترام الآخر مختلف عنك فكريا، جعل المنافسة السياسية تتحول إلى حروب إبادة رمزية، حيث يُستبعد الآخر، ويُشوَّه، ويُتَّهم، بدل أن يُعتبر جزءاً من الحل.

هذا الفقدان الأخلاقي أدى إلى تغييب مفهوم (لمواطنة) لصالح مفهوم “الانتماء الفئوي”، واستبدال منطق البحث عن الحقيقة بمنطق الولاء الأعمى.

4 مفارقة؛ هل نحن بحاجة إلى تحالفات من الأساس؟المفارقة الكبرى أن السودان بحاجة ماسة إلى تحالفات سياسية قوية، لكنه في الوقت ذاته يعاني من مرض مزمن في بنية أي تحالف يقوم.

التحالف الناجح حقاً هو الذي يقوم على اتفاق حول حد أدنى من القيم والمبادئ من أجل الوطن، وليس على تنافس الرؤى الخاصة.

وهذا يتطلب ثلاثة شروط لا تتوفر في سياقنا: تقديم تنازلات متبادلة بروح وطنية، وتجاوز منطق المكاسب الصفرية إلى منطق (اربح/اربح).

وأن تكون آليات اتخاذ القرار مؤسسية لا فردية.

لكن واقع الحال هو العكس تماماً.

أغلب تحالفاتنا هي (تحالفات زعماء) وليست تحالفات مؤسسات.

بمعني الكلمه القرار يصدر من رجل واحد أو مجموعة محددة، أو اتجاهٍ واحد، دون ممارسة حقيقية لمنظومة التشاور الداخلي.

فكيف لتحالف أن يدير شؤون وطنٍ بأكمله وهو لا يستطيع إدارة خلاف داخلي بين زعيمين؟ إن قاعات الفنادق الكبرى التي تُعلن فيها التحالفات رغم بريقها الإعلامي لا تُنتج ثقافة تحالف حقيقية.

الثقافة الحقيقية تُبنى في غرف التشاور المغلقة، حيث يُسمع كل صوت، ويُحترم كل رأي، ويُترجم الاختلاف إلى توليف لا إلى تصادم.

5 لسياسة كفن الممكن: دروس من المثل السوداني.

يقول المثل السوداني الشعبي: “باب النجار مقلع” أي أن الذي يصلح أبواب الآخرين يظل بابه مخلعاً.

وهذا ينطبق تماماً على سياسيينا: يطالبون بحكم رشيد للوطن، بينما أبواب تحالفاتهم الداخلية مقلعة لا تستقيم.

السياسة ليست أصواتاً أعلى ديسيبل، ولا مَن يصرخ أولاً يكسب المعركة.

السياسة هي القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والحفاظ على وحدة الغرض رغم تعدد الأغراض.

إنها فن تشخيص المرض قبل وصف الدواء.

وكما أن تشخيص الطبيب الخاطئ يؤدي إلى موت المريض، فإن تشخيصنا الخاطئ لأزمة التحالفات باعتبارها مجرد خلافات شخصية أو أيديولوجية سطحية يؤدي إلى موت أي فرصة لديمقراطية مستقرة.

إن “السياسة كفن الممكن” كما يُقال لا تعني الاستسلام للأمر الواقع أو التنازل عن المبادئ، بل تعني القدرة على رؤية ما يمكن بناؤه رغم كل العوائق.

وهذا يتطلب شجاعة فكرية نادرة: شجاعة الاعتراف بأن الطرف الآخر قد يملك جزءاً من الحقيقة، وأن الحل ليس في إقصائه بل في دمجه.

6 قواسم المشتركة والمعالجات العملية.

لعل السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو: أين تكمن قواسم المشتركة التي يمكن البناء عليها؟ وما المعالجات العملية التي تخرجنا من دائرة التكرار المُدمِّر؟أولاً: ثورة منهجية في إدارة الخلاف.

يجب الاعتراف بأن التحالفات السودانية بحاجة إلى ثورة منهجية تبدأ بتبني أدوات علمية لتحليل النزاع.

هذا يعني إنشاء (غرف فكر) مشتركة داخل كل تحالف، مهمتها ليس تبرير مواقف الزعماء، بل تشخيص جذور الخلاف وترجمتها إلى قضايا قابلة للحوار.

فالخلاف حول السلطة مثلاً ليس دائماً صراعاً شخصياً، بل قد يكون تعبيراً عن قلق مشروع من هيمنة اتجاهٍ واحدٍ على القرار.

ثانياً: وثيقة قيم ملزمة.

لا بد من وثيقة قيم ملزمة لكل تحالف، تحدد الحد الأدنى من المبادئ غير القابلة للمساومة: احترام إرادة الشعب، ورفض العنف كأداة للصراع السياسي، والالتزام بالتداول السلمي للسلطة.

هذه الوثيقة ليست مجرد نص رمزي، بل يجب أن تكون مرجعاً يُحاسب عليه كل طرف، مع آليات واضحة لمعالجة الانتهاكات قبل أن تتفاقم.

ثالثاً: آليات قرار مؤسسية وشفافةآليات اتخاذ القرار يجب أن تكون مؤسسية وشفافة، تعتمد على التصويت الداخلي لا على إملاء جهة معينة، هذا يتطلب بناء هياكل تنظيمية حقيقية مجالس تنفيذية منتخبة، ولجان متخصصة، ودوريات اجتماع منتظمة، بدلاً من الاعتماد على( إجتماعات الليل او عرضية)التي تُنتج قرارات فوقية.

رابعاً: ثقافة الاعتراف بالخطأثقافة الاعتراف بالخطأ يجب أن تُكرَّس كقيمة سياسية، لا كضعف يُستغل.

السياسي الذي لا يستطيع الاعتراف بأنه أخطأ في حق حليف سابق، هو نفسه الذي سيُعيد إنتاج الخطأ في حق الوطن.

والتحالف الذي لا يمتلك آليات للاعتذار والمصالحة الداخلية، هو تحالف مُعرَّض للانفجار في أي لحظة.

7 خاتمة نحو أخلاقيات تحالف جديدة.

في المحصلة، ربما لا يحتاج السودان إلى تحالفات أكثر عدداً، بل يحتاج إلى مراجعة أخلاقية ومنهجية لثقافة التحالف نفسها.

إن التحالفات الناجحة ليست التي تُعلن في قاعات الفنادق الفاخرة، بل التي تتحمل اختبار الخلاف الأول دون أن تتفكك.

وهي التي تجعل من (دارة الاختلاف) فناً يومياً، لا مشهداً استثنائياً.

إن لم نتعلم كيف نختلف وكيف نتفق في الوقت ذاته، فستظل خريطة التحالفات السودانية مجرد فسيفساء متكسرة: جميلة من بعيد، لكنها جارحة من قريب.

والتاريخ لن يرحم من يُعيد إنتاج نفس الخطأ مراراً تحت شعار المبادئ.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك