ألغت المحكمة الدستورية التركية التنظيم القانوني الذي يتيح دفع نفقة الفقر للزوج أو الزوجة المطلقة لمدة غير محددة، ومنحت البرلمان التركي مهلة تسعة أشهر لإعداد تشريع جديد ينظم المسألة.
ونظرت الهيئة العامة للمحكمة الدستورية في الطلب الذي تقدمت به محكمة الأسرة الثانية عشرة في أنطاليا لإلغاء التنظيم الوارد في المادة 175 من القانون المدني التركي رقم 4721، والتي تنص على حق الطرف الذي سيقع في الفقر بسبب الطلاق في طلب نفقة من الطرف الآخر بصورة غير محددة المدة، إذا لم يكن خطؤه أشد من خطأ الطرف الآخر.
وقررت الهيئة العامة، بأغلبية الأصوات، إلغاء التنظيم، مع منح البرلمان التركي الكبير مهلة تسعة أشهر لإجراء تعديل تشريعي جديد، على أن تُنشر حيثيات القرار في وقت لاحق.
وذلك بحسب وسائل إعلام تركية.
تنص المادة 175 من القانون المدني التركي، المعنونة بـ" نفقة الفقر"، على أن: " الطرف الذي سيقع في الفقر بسبب الطلاق، شريطة ألا يكون خطؤه أشد من الطرف الآخر، يحق له طلب نفقة من الطرف الآخر تتناسب مع قدرته المالية ولمدة غير محددة لتأمين معيشته.
ولا يُشترط وجود خطأ لدى الطرف الملزم بدفع النفقة".
أعاد قرار الإلغاء إلى الواجهة موقف المحكمة الدستورية الصادر عام 2012، حين رفضت طلباً مماثلاً لإلغاء النفقة غير المحددة المدة.
وكانت محكمة كستل الابتدائية للحقوق المدنية قد أحالت القضية إلى المحكمة الدستورية آنذاك بصفتها محكمة أسرة، مطالبة بإلغاء النص بحجة مخالفته للمواد الثانية والعاشرة والحادية والأربعين من الدستور التركي.
إلا أن المحكمة الدستورية رفضت الطلب في 17 أيار 2012، معتبرة أن التنظيم ينسجم مع مفهوم" الدولة الاجتماعية القانونية".
وعُلم أن المحكمة اتخذت قرار الإلغاء الجديد بأغلبية 12 عضواً مقابل 3 أعضاء، في حين أن قرار الرفض الصادر عام 2012 حظي بتأييد 16 عضواً من أصل 17 عضواً كانوا يشكلون المحكمة آنذاك.
ويُذكر أن عدد أعضاء المحكمة انخفض من 17 إلى 15 عضواً بعد التعديل الدستوري الذي أُقر عام 2017.
مبررات المحكمة في قرارها السابقفي حيثيات قرارها الصادر عام 2012، شددت المحكمة الدستورية على أن مفهوم" الدولة الاجتماعية القانونية" الوارد في المادة الثانية من الدستور يقتضي توفير حد أدنى من مستوى المعيشة للمواطنين، ويبرر تدخل الدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الضعيفة.
وقالت المحكمة في حيثياتها إن الدولة الاجتماعية القانونية هي: " الدولة التي توازن بين مصلحة الفرد والمجتمع، وتحقق التضامن الاجتماعي بأعلى مستوياته، وتحمي الضعفاء في مواجهة الأقوياء، وتؤمن المساواة والعدالة الاجتماعية، وتراعي التوازنات المجتمعية".
وأضافت أن الحكم بنفقة الفقر يتطلب صدور حكم بالطلاق، وأن يكون طالب النفقة قد وقع أو سيقع في الفقر بسبب الطلاق، وألا يكون أكثر خطأً من الطرف الآخر، مع توافر القدرة الاقتصادية لدى الطرف المطلوب منه دفع النفقة.
كما أكدت أن القانون لا يشترط وجود خطأ لدى الطرف الملزم بدفع النفقة.
الحالات التي تنتهي فيها النفقةأوضحت المحكمة في حيثياتها السابقة أن نفقة الفقر لا تستمر في جميع الأحوال، إذ تنتهي تلقائياً عند زواج المستفيد منها أو وفاة أحد الطرفين.
كما يمكن إنهاؤها بقرار قضائي إذا كان المستفيد يعيش فعلياً كما لو كان متزوجاً دون عقد زواج، أو إذا زالت حالة الفقر، أو إذا كان يعيش حياة مخلة بالشرف، أو إذا فقد الملزم بدفع النفقة قدرته المالية بالكامل.
وقالت المحكمة: " إن عبارة (بصورة غير محددة المدة) لا تعني أن مستحق النفقة سيحصل دائماً على نفقة الفقر حتى وفاته.
والغاية من استخدام هذه العبارة هي دعم الزوج الذي سيقع في الفقر بسبب الطلاق اقتصادياً من قبل الطرف الآخر ما دامت الشروط متوافرة، وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة له".
النفقة امتداد للتضامن بين الزوجينوأشارت المحكمة في قرارها السابق إلى أن نفقة الفقر تمثل استمراراً جزئياً لواجب التضامن والمساعدة القائم بين الزوجين خلال الحياة الزوجية حتى بعد انتهاء رابطة الزواج.
وقالت: " إن الهدف من نفقة الفقر ليس إثراء المستفيد منها، وإنما تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة للزوج الذي يقع في الفقر نتيجة الطلاق".
وأضافت أن الحكم بالنفقة يتطلب أيضاً وجود قدرة مالية لدى الطرف المطلوب منه دفعها، مؤكدة أن المشرّع نظم هذا الالتزام دون تحديد مدة زمنية باعتباره من متطلبات مبدأ الدولة الاجتماعية القانونية.
في المقابل، خالف أحد أعضاء المحكمة رأي الأغلبية في قرار عام 2012، معتبراً أن فرض نفقة الفقر بصورة غير محددة المدة لا يمكن تبريره بالأسباب الأخلاقية أو الاجتماعية.
وقال العضو المعارض في مبرراته: " إن تحميل أحد طرفي الطلاق مسؤولية الفقر، الذي يُعد في الوقت نفسه ظاهرة اجتماعية يتعين على الدولة مكافحتها بصورة نشطة، وإلقاء هذا العبء عليه مدى الحياة، لا يشكل في رأيي حلاً يتوافق مع مبدأ الدولة الاجتماعية أو مع الإنصاف أو المنطق".
ويُعد تنظيم النفقة غير المحددة المدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل في تركيا خلال السنوات الماضية، سواء أمام المحكمة الدستورية أو داخل البرلمان التركي.
ومن المتوقع إعداد تنظيم قانوني جديد بشأن هذه المسألة، التي أُدرجت أيضاً ضمن حزمة الإصلاحات القضائية الأخيرة التي تواصل وزارة العدل العمل عليها، وذلك استناداً إلى حيثيات قرار الإلغاء التي ستصدرها المحكمة لاحقاً، ومع مراعاة مهلة الأشهر التسعة التي منحتها للسلطة التشريعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك