مقدمة: حين تتحدّث الأرقام لغةَ القلبفي زمنٍ تتشابك فيه الأزمات وتتعدّد جبهات النزاع، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها أحد أبرز المانحين الإنسانيين للشعب السوداني، مرسّخةً نهجاً إنسانياً متجذّراً يقوم على مدّ يد العون دون اعتبار للجغرافيا أو العرق أو المذهب.
فمنذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، تحوّل الدعم الإماراتي إلى جسرٍ إنسانيٍّ متعدّد المسارات، يربط أبوظبي بمدن السودان المنكوبة وبمخيمات اللجوء في تشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا.
ووفقاً للبيانات الرسمية، تجاوزت قيمة المساعدات الإماراتية المُقدَّمة للشعب السوداني بين عامَي 2015 و2025 حاجز 4.
24 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 15 ملياراً و560 مليون درهم إماراتي، وهو ما يضع الإمارات في مقدّمة الدول المانحة عالمياً.
حصاد عقدٍ من العطاء (2015–2025)تكشف الأرقام الرسمية أن دولة الإمارات لم تكن طارئة على الساحة الإنسانية السودانية، بل صاحبة حضورٍ ممتدٍّ ومتراكم.
ومنذ بداية النزاع في أبريل 2023 وحتى نهاية 2025، خصّصت الإمارات نحو 784 مليون دولار كمساعدات إنسانية مباشرة للسودان، لتصبح من أكبر الدول المساهمة في الاستجابة الإنسانية منذ اندلاع الأزمة.
وفي عام 2025 وحده، تصدّرت الإمارات قائمة كبار المانحين للاستجابة الإنسانية في السودان بإجمالي نحو 126 مليون دولار، مساهمةً بنسبة كبيرة من التمويل الإنساني الدولي المخصّص للأزمة السودانية.
التعهّدات الكبرى… من باريس إلى واشنطنسار الالتزام الإماراتي على خطٍّ متصاعد عبر سلسلة من المؤتمرات الدولية الكبرى:تعهّدت الإمارات بـ100 مليون دولار لدعم الجهود الإنسانية في السودان ودول الجوار، خُصّص الجزء الأكبر منها لوكالات الأمم المتحدة الإنسانية.
مجلس الأمن – أكتوبر 2024:تعهّد إضافي بقيمة 100 مليون دولار لدعم العمليات الإنسانية في الفاشر.
أديس أبابا – فبراير 2025:الإعلان عن تعهّد جديد بقيمة 200 مليون دولار خلال المؤتمر الإنساني رفيع المستوى لشعب السودان.
تخصيص 15 مليون دولار لدعم الاستجابة الإنسانية للاجئين السودانيين والدول المجاورة.
تعهّد ضخم بقيمة 500 مليون دولار لصالح صندوق السودان الإنساني، ليكون أحد أكبر التعهّدات الفردية في تاريخ الأزمة.
الجسر الجوي والبحري… لوجستياتُ الإغاثةلم يكن العطاء الإماراتي مجرّد أرقامٍ على الورق، بل تجلّى في عمليةٍ لوجستيةٍ واسعة.
فقد سيّرت الإمارات 162 طائرة وسفينة، حملت إجمالاً 12,710 أطنان من المواد الغذائية والطبية والإغاثية.
وتوزّعت الشحنات على النحو التالي:• 6,388 طناً من المساعدات الغذائية داخل السودان.
• 280 طناً من الإمدادات الطبية.
• 5,032 طناً لدعم اللاجئين في تشاد.
• 100 طن أُرسلت إلى جنوب السودان لتلبية الاحتياجات العاجلة.
المستشفيات الميدانية الثلاثة… شهادةُ حضورٍ على الأرضمن أبرز إنجازات الإمارات الإنسانية في هذه الأزمة، إنشاء ثلاثة مستشفيات ميدانية متكاملة لخدمة اللاجئين السودانيين والمجتمعات المضيفة.
مستشفى أمدجراس الميداني – تشاد (يوليو 2023)أول المستشفيات الإماراتية، افتُتح في يوليو 2023، وخلال الشهر الأول فقط من تشغيله عالج أكثر من 6 آلاف حالة وأجرى عشرات العمليات الجراحية.
مستشفى الإمارات الميداني في أبشي – تشاد (أبريل 2024)مستشفى متكامل يضم 60 سريراً، بينها وحدات عناية مركزة، ويقدّم خدمات الأطفال والنساء والجراحة العامة والعظام والباطنية.
مستشفى مادهول الميداني – جنوب السودان (مارس 2025)يقع في ولاية شمال بحر الغزال بسعة 100 سرير، ويخدم نحو مليوني شخص من اللاجئين والمجتمعات المضيفة.
وبالإضافة إلى هذه المستشفيات، قُدّم الدعم لعشرات المنشآت الصحية داخل السودان لتعزيز قدرة النظام الصحي على الصمود.
العناية بالفئات الأكثر هشاشةلم يكن الدعم الإماراتي شاملاً وحسب، بل كان موجّهاً بدقّة نحو الفئات الأكثر تضرراً.
• دعم برامج اللاجئات السودانيات عبر مؤسسات صحية وإنسانية دولية.
• تمويل برامج تعليم اللاجئين السودانيين في تشاد.
• توزيع عشرات آلاف الطرود الغذائية في أوغندا.
• تمويل برامج دعم المجتمعات المضيفة في دول الجوار.
ما وراء الإغاثة… استثمارٌ في المستقبلتجاوز الدور الإماراتي حدود الإغاثة الطارئة إلى التنمية المستدامة، عبر:• حفر الآبار وتوفير المياه الصالحة للشرب.
• تأهيل المدارس وصيانتها.
• إنارة الطرق والأسواق في مناطق استقبال اللاجئين.
• افتتاح مكاتب تنسيق للعمل الإنساني.
• دعم المجتمعات المضيفة التي تتحمّل أعباء اللجوء.
المؤسسات الإماراتية الفاعلة على الأرضتتضافر جهود عدة مؤسسات إماراتية في هذا العمل الإنساني الواسع، أبرزها:• هيئة الهلال الأحمر الإماراتي.
• مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية.
• مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية.
• وكالة الإمارات للمساعدات الدولية.
• المجلس الدولي الإنساني والخيري.
الرؤية الإماراتية… فلسفةُ العطاءما يميّز التجربة الإماراتية ليس الحجم المالي وحده، بل الفلسفة التي تقف خلفه.
فالمساعدات الإماراتية، وفق التصريحات الرسمية، مدنية بطبيعتها، وتُقدَّم بهدف التخفيف من المعاناة والحفاظ على الحياة البشرية.
كما تفتح المستشفيات الميدانية أبوابها لجميع المدنيين دون تمييز، تجسيداً لمبدأ “الإنسان أولاً” الذي يحكم العمل الإنساني الإماراتي.
في ظل أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم اليوم، حيث نزح ملايين السودانيين منذ أبريل 2023، تبرز الإمارات بوصفها أحد أعمدة الاستجابة الإنسانية الدولية.
ليس فقط بحكم حجم المساهمات المالية، بل بفلسفة عمل تجمع بين الإغاثة الفورية والتنمية بعيدة المدى، وبين المستشفى الميداني وحفر البئر، وبين الطن الغذائي والمنحة التعليمية.
إنها قصة جسرٍ إنسانيٍّ يمتدّ من سواحل الخليج إلى ضفاف النيل، يحمل في طيّاته رسالة واحدة:حين تنطفئ الأضواء في زمن الحرب… تبقى يدُ العون أعلى صوتاً من الرصاص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك