برزت" المناطق التجريبية" أو" النموذجية" كأحد أبرز مخرجات جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن بشأن جنوب لبنان، في خطوة تُطرح للمرة الأولى كآلية عملية لإعادة ترتيب الواقع الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، ضمن مسار يهدف إلى الانتقال من وقف إطلاق نار هش إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة.
وبحسب البيان الأميركي ـ اللبناني ـ الإسرائيلي المشترك، اتُّفق على الإسراع في إنشاء" مناطق تجريبية" تتولّى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض، مع استبعاد أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، على أن تُنفذ التجربة في عدد من البلدات الجنوبية قبل تعميمها على مناطق أخرى في حال نجاحها.
وتقوم الفكرة على اختيار مناطق محددة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي تدريجيًا، مقابل انتشار كامل للجيش اللبناني ومنع عودة أي مظاهر مسلحة غير رسمية، بما يشكل اختبارًا مرحليًا لتنفيذ الترتيبات الأمنية المنبثقة عن القرار 1701، بدل تطبيقها دفعة واحدة على كامل المنطقة الحدودية.
وكشف الرئيس اللبناني جوزيف عون أن بيروت اقترحت أن تكون البداية في بلدات الزوطرين الشرقية والغربية ويحمر وقلعة الشقيف، نظرًا لرمزية المنطقة وقربها من مدينة النبطية.
لكن الطرح الجديد أثار تساؤلات ومخاوف في الأوساط السياسية اللبنانية.
ويرى مراقبون أن اعتماد نموذج" المناطق التجريبية" قد يربط أي انسحاب إسرائيلي شامل بنتائج تقييم متدرج، ما قد يؤدي إلى إطالة أمد بقاء القوات الإسرائيلية في بعض المواقع الحدودية.
مخاوف من توريط الجيش اللبنانيوفي هذا الإطار، حذّر الباحث والمحلل السياسي محمد علوش من أن الآلية المقترحة تجعل أداء الجيش اللبناني خاضعًا لتقييم أميركي ـ إسرائيلي، معتبرًا أنّ الجيش قد يتحوّل إلى" جهة تنفيذية" لمهمات أمنية يحددها الطرفان الآخران، في ظل آلية شبيهة بتلك التي اعتمدت خلال الأشهر الماضية عبر لجان المراقبة.
كما اعتبر علوش في مقابلة مع التلفزيون العربي، أنّ إسرائيل تسعى من خلال هذه الخطة إلى دفع الجيش اللبناني للقيام بمهمات عجزت القوات الإسرائيلية عن إنجازها في بعض القرى الجنوبية، ولا سيما في محيط يحمر والزوطر وقلعة الشقيف، حيث شهدت القوات الإسرائيلية صعوبات ميدانية خلال الأشهر الماضية.
وأشار علوش إلى أن الانسحاب الإسرائيلي الأخير من منطقتي دبين وبلاط يُثير تساؤلات بشأن طبيعة الخطوات المقبلة، وما إذا كانت تُشكّل بداية فعلية لتطبيق نموذج المناطق التجريبية أو مجرد إجراءات ميدانية منفصلة.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت التوصّل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار برعاية واشنطن يتضمن إنشاء هذه المناطق، بالتوازي مع تفكيك الجماعات المسلحة غير الحكومية ومنع عودتها إلى مناطق انتشار الجيش.
وبين الرؤية الأميركية التي تُقدّم" المناطق التجريبية" باعتبارها آلية لبناء الثقة وتنفيذ الترتيبات الأمنية تدريجيًا، والمخاوف اللبنانية من تحوّلها إلى مسار طويل الأمد يؤخر الانسحاب الإسرائيلي الكامل، يبدو أن جنوب لبنان يدخل مرحلة جديدة من إدارة الصراع تقوم على التدرّج والاختبار الميداني بدل التسويات الشاملة والفورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك