استلهم توفيق الحكيم تجربة عمله فى السلك النيابي وارتحاله فى قرى الدلتا والصعيد، كى ينتج عمله الأدبي الخالد" يوميات نائب فى الأرياف"، وهى الرواية التى يراها النقاد والأدباء عملاً عابرًا للزمن، ويعتبر وثيقة مهمة عن عالم الجريمة فى القرى النائبة البعيدة.
وفى نهاية ستينيات القرن الماضي، نشرت الهيئة العامة للسينما إعلان فيلم" يوميات نائب فى الأرياف"، تأليف الأديب الكبير توفيق الحكيم، وهو الإعلان الذي تنشره" بوابة الأهرام" والذي يُعد من أوائل إعلانات لأفلام التي تناولت قصة الأديب توفيق الحكيم.
ونص الإعلان، أن فيلم" يوميات نائب فى الأرياف" سيُطرح قريبا في السينيمات، وهو من إنتاج آسيا، وسيناريو وحوار ألفريد فرج، وإخراج توفيق صالح، والفيلم من بطولة الممثلين: توفيق الدقن، وشفيق نور الدين، وسعيد خليل، وعبد العظيم عبد الحق، وأحمد الجزيري، وحسن مصطفى، وعبد السلام محمد، وقد أدى شخصية الراوي أحمد عبد الحليم بالاشتراك مع الراوية مريم.
صدرت رواية" يوميات نائب فى الأرياف"، والتى تُرجمت لعدة لغات عام 1937م، ويسرد فيها توفيق الحكيم، مشاهداته حول عدد من الحوادث والقصص التي عُرضت عليه أثناء عمله في القضاء في إحدى المناطق الريفية بالصعيد، وتدور أحداث الرواية حول معاناة هذا النائب القادم من القاهرة إلى الأرياف، وكيف يمضي وقته في محاربة البعوض والذباب والاصطدام مع المأمور وكاتب النيابة، وعالم الجريمة فى الصعيد.
وكان النائب يُدعى" شريف"، وقد تناولت الرواية شخصيات" الشيخ عصفور"، وهو رجل شريد كان مُلازمًا للحوادث كأنه مُنجِم أو عراف، وشخصية" ريم" الفتاة الجميلة الساحرة لكل من يراها، وقد كان موتها يكتنفه الغموض، كما تناولت شخصية" المأمور"، وهو رجل قضائي يستغل منصبه فى مصالحه الشخصية.
و" أبنوب"، التي تتخذها الرواية مسرحًا لأحداثها، من المدن المصرية العريقة فى الصعيد منذ العصر الفرعوني، حيث تضم مقابر أثرية وكذلك أديرة مسيحيية قديمة، لكن الرواية تجعل من أبنوب" معقلاً لعالم الجريمة، حيث كانت تتفوق على شيكاغو الأمريكية.
ويقول الحكيم، أنه شعر بأن أبنوب هذه مدينة في أمريكا، لولا ملحوظة في هامش الإحصائية ذكرت أنها من بلاد الوجه القبلي في القطر المصري، مُضيفا: " لقد دُهشت عند ذلك لأن تكون لهذه البلدة الصغيرة هذا المقام العظيم بين مُدن الدنيا الشهيرة، وإن كان هذا المقام في عالم الإجرام".
ويضيف الحكيم: " شيكاغو وأبنوب قُطبا الغريزة السفلى على هذه الأرض، الأولى إجرام الحضارة! والثانية إجرام البداوة، كل له طابعه ومميزاته: إجرام الحضارة قد ارتدى هو أيضًا ثوب الحضارة بأسلحتها وأغراضها وأسبابها، هنالك الجريمة المتحضرة تخرج في سيارتها المصفحة حاملة المسدسات والمتراليوزات والمفرقعات، لتهجم على أضخم البنوك وبيوت المال ثم تعود إلى مكمنها بثروات طائلة من الجنيهات، وهنا الجريمة الفطرية تخرج متدثرة في عبائتها حاملة هراوتها أو فأسها أو بندقيتها لتسفك دم رجل ضعيف انتقامًا لعرض أهين في نظر التقاليد والعادات، هنالك الثروة والمال، وهنا التقاليد والعادات".
تم تقديم" يوميات نائب فى الأرياف" عبر أثير الإذاعة المصرية، كما تم تقديمها فى مسلسل قام بغناء التتر له عمرو دياب فى بداياته الفنية، ومازالت" يوميات نائب فى الأرياف" عابرة للزمن ووثيقة حية عن عالم الجريمة فى ريف أبنوب بأسيوط والصعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك