كانت عهد البالغة من العمر 3 سنوات تلعب مع شقيقها عندما انكسر طرفها الصناعي، فلم تعد تقوى على الوقوف، وبقيت في المنزل أسبوعاً كاملاً تبكي وهي تراقب الأطفال وهم يلعبون.
يخبرنا والدها بأنه شعر بالعجز لما رآها تبكي من دون أن يتمكن من حل مشكلتها، بما أن الطرف الصناعي أصبح بحاجة لصيانة ومتابعة فنية منتظمة قبل تعطله، لكن عهد بقيت تستخدمه لأن أهلها لم يتابعوا حالتها مع المركز الصحي في الوقت المناسب.
تعاني عهد منذ ولادتها من فقدان أحد أطرافها، ولهذا اعتمدت على طرف صناعي في عمر مبكر، وأضحت بحاجة لاستبدال الطرف الصناعي كلما كبرت.
غير أن البدائل غالية الثمن، كما أن الأطراف الصناعية التقليدية صعبة الاستخدام بالنسبة للأطفال، كونها ثقيلة وغير مريحة وعرضة للكسر مع نمو الطفل وزيادة حركته.
يعمل والد عهد عاملاً بأجرة يومية، ولهذا لا يمكنه تحمل نفقات العلاج الخاص لابنته، ولذلك توجه بابنته إلى مركز الأمل للعلاج الطبيعي والأطراف الصناعية، وهو أحد المراكز القليلة في سوريا التي ما تزال توفر رعاية مجانية للأطراف الصناعية، كما توفر بدائل خفيفة الوزن تسهل عملية المشي على الفتاة، بعد أن تحولت عملية تصنيع الأطراف الصناعية داخل هذا المركز إلى نظام يعتمد على المسح والطباعة ثلاثية الأبعاد.
الطفلة عهد برفقة أمها داخل مركز الأمل حيث تقوم الفنية خديجة بري بتركيب الطرف الصناعي للصغيرةيعتبر مركز الأمل المركز الوحيد في سوريا الذي ينجز عملية تصنيع الأطراف الصناعية ثلاثية الأبعاد بالكامل داخلياً، من المسح إلى التصميم والتصنيع، مما يجعله نموذجاً نادراً لإنتاج محلي متكامل في ظل ضعف وتشتت خدمات الأطراف الصناعية.
إذ بسبب ما خلفته الحرب الطويلة على المنظومة الصحية، زاد الاعتماد على أطراف صناعية قابلة للإصلاح.
تبدأ العملية بمسح عالي الدقة للطرف المتبقي، وذلك لالتقاط صورة للشكل الهندسي وللمناطق التي تتعرض لضغط وبحاجة لحماية، ثم يجري تحسين النموذج رقمياً، بدقة تصل أحياناً إلى أقل من ميليمتر واحد، قبل طباعة الشكل طبقة بعد طبقة على شكل هياكل شبكية خفيفة الوزن تقلل من الكتلة من دون التضحية بالمتانة.
يقول مازن حاج محمد المصمم المسؤول في هذا المركز: " تتمثل الخطوة الأولى بفحص المريض، ثم إجراء مسح للطرف وتحويل الصورة رقمياً بحيث يمكن تعديلها قبل طباعتها".
وهذا التحول لا يمثل نقلة في المجال التقني فحسب بل أيضاً على الصعيد الاقتصادي، لأن كلفة الطباعة ثلاثية الأبعاد للطرف الصناعي تصل إلى قرابة مئة دولار، مقارنة بتكلفة 500 دولار للطرف المتحرك التقليدي.
وتتيح هذه التقنية للمتخصصين إنتاج أطراف صناعية خلال ساعات لا أيام، ما يجعل عمليات التعويض المتكررة أسهل بالنسبة للأطفال.
طرف صناعي جرى تجهيزه في مركز الأمل بإدلبتخبرنا الفنية المتخصصة بالأطراف الصناعية والتقويمية خديجة بري بأنه يمكن للبالغين استخدام الطرف الصناعي من سنة إلى سنتين، أما الأطفال فمن ستة أشهر إلى سنة وشهرين، نتيجة نمو عظامهم، وتغير المقاس.
يذكر أن مركز الأمل نشأ بدافع الضرورة والحاجة للابتكار، ففي ذروة الحرب السورية، عمل المؤسس والمشرف الفني رأفت العثمان أخصائياً للعلاج الطبيعي بإدلب، فصادف عدداً هائلاً من مصابي الحرب، إلا أن الحالة التي بقيت عالقة في ذاكرته، كانت لطفل في السابعة من عمره، رفض العودة إلى مدرسته بعد أن خسر جزءاً من ذراعه.
الفنية خديجة بري تتفحص طرفاً صناعياً مخصصاً لأحد الأطفالوهكذا، ومن دون الحصول على تدريب رسمي أو تعليم متخصص، بدأ العثمان بتعلم الطباعة ثلاثية الأبعاد عبر اليوتيوب والمنتديات الإلكترونية، وفي عام 2021، اشترى أول طابعة ثلاثية الأبعاد، وكانت صينية المنشأ ورخيصة السعر، استوردها بطرق غير رسمية بسبب العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا.
ومن خلال تلك الطابعة بدأ بتجربة تصميم الأطراف الصناعية.
تأسس مركز الأمل في عام 2023 بدعم من منظمة الإغاثة الإسلامية، ومنذ شهر حزيران من العام نفسه، قدم المركز تدريباً لطاقم متخصص، وخدمات لأكثر من ثلاثة آلاف مستفيد، ووفر أكثر من ألف جهاز من الأطراف الصناعية والتقويمية، لكن الطلب ما يزال يفوق قدرة المركز على تلبية الاحتياجات.
فوفقاً لمنظمة الإعاقة وإعادة التأهيل الإنسانية (هيومانيتي آند إنكلوجن)، أصيب نحو ثلاثة ملايين سوري في الحرب، نصفهم أصبح يعاني من إعاقات دائمة، بينها نحو 86 ألف حالة بتر.
وقد حرمت سنوات الحرب من تعرضوا لبتر في أطرافهم من الحصول على طرف صناعي أو رعاية صحية مستمرة.
يحدثنا العثمان عن تجربته فيقول: " بعد شهر من التحرير، أصبح لدينا 160 مريضاً جديداً، في وقت كان إنتاجنا الشهري من الأطراف الصناعية لا يتعدى الثلاثين قطعة"، أما اليوم فقد أصبح لديهم أكثر من ألفي مريض على قائمة الانتظار، إذ بعدما أصبحت الحركة سهلة بين المحافظات بعد سقوط الأسد، بدأ المرضى بالتوافد بعد أن حرموا من العلاج لسنوات، ومعظم هؤلاء المرضى من فئة الأطفال الذين باتوا بحاجة لتدخلات متكررة لا لمجرد عملية تركيب تجري لمرة واحدة.
ومن هؤلاء الأطفال الطفل عتاب سيلو، 12 عاماً، الذي فقد ساقه بغارة جوية استهدفت حيهم أثناء لعبه مع رفاقه بإدلب، ما أسفر عن مقتل أحد رفاقه وإصابته، وتعكس هذه الإصابة تحولاً أوسع في الطلب لاحظه العاملون في مركز الأمل وتسارع في السنوات الأخيرة، وتمثل بارتفاع حاد في حالات بتر الأطراف السفلية جراء إصابات ناجمة عن الحرب.
تقول والدة عتاب عنه: " لم يعد بوسعه المشي أو اللعب كغيره من الأطفال، لكنه أصبح اليوم يمشي ويلعب كرة القدم".
ولكن خلف هذا التحسن منظومة دعم هشة، فالأم أرملة تعمل بالزراعة لإعالة أطفالها الثمانية، أي أنها غير قادرة على تحمل تكاليف رعاية الطرف الصناعي من دون مساعدة مجانية من المركز، على الرغم من محدودية هذه المساعدة، وهذا ما دفعها إلى القول: " لا توجد مراكز مجانية، والوضع صعب جداً، إذ إنني لم أذهب اليوم إلى عملي حتى أرافقه إلى هنا".
داخل ورشة تصنيع الأطراف الصناعية، تصل الكهرباء عبر الطاقة الشمسية أو شبكة الكهرباء المحلية، ويتم الاعتماد على طابعات رخيصة مستوردة من الصين لأنه يمكن إصلاحها إن تعطلت كما يمكن تبديل أجزائها بسهولة.
وقد استبدلت معظم القوالب المادية بملفات رقمية بما يتيح حفظ تفاصيل الطرف الصناعي وتعديله وإعادة إنتاجه من دون الحاجة للعودة إلى نقطة البداية.
غير أن هذا الأرشيف الرقمي أصبحت له أهمية كبيرة، بما أن عدداً كبيراً من المرضى يقطعون مسافات طويلة من مدن مثل حلب ودمشق ودير الزور، ما يجعل تكرار الزيارات أمراً صعباً أو مستحيلاً.
لذا، إن تعذر السفر، تتم المتابعة عبر المكالمات الهاتفية وتطبيقات المراسلة، مع قيام الفنيين بتعديل التصاميم عن بُعد عند الحاجة.
لكن رغم ازدياد كفاءة هذا المنظومة، فإنها ما تزال محدودة بشكل جلي للعيان، ففي بعض الأحيان تتوقف عملية الإنتاج عند انقطاع الكهرباء وتوقف الطباعة، ما يجبر الفنيين على إعادة المسح أو إعادة طباعة الأجزاء غير المكتملة.
كما أن نقص المواد الخام وصعوبة الحصول على قطع التبديل يبطئان عمليات الإصلاح ويؤخران التسليم.
ورغم أن الطباعة ثلاثية الأبعاد وسّعت نطاق الوصول إلى الأطراف الصناعية، إلا أنها ليست مناسبة لكل الحالات، خصوصاً الأطراف التي تتحمل أوزاناً ثقيلة وتحتاج لمتانة هيكلية أعلى.
في رسالة إلكترونية موجهة للصحافة، كتب محمد ربيعي رئيس بعثة منظمة الإغاثة الإسلامية في سوريا: " يمكن للطباعة ثلاثية الأبعاد تقليل وقت الإنتاج، وخفض التكاليف، وتوسيع الوصول إلى أجهزة الأطراف الصناعية، لكن التوسع يحتاج إلى استثمار في التدريب، والمعايير، وسلاسل الإمداد، وأنظمة الصيانة، وشبكات الإحالة، والتنسيق على المستوى الوطني".
غير أن ما توفره التقانة وما يمكن لهذه المنظومة توفيره من أطراف صناعية هو ما يحدد ملامح المرحلة الحالية في مجال إعادة التأهيل بسوريا، وهذا ما دفع العثمان إلى القول: " نحس بالعجز في معظم الأحيان، لكننا نقدم ما بوسعنا تقديمه".
رأفت العثمان (إلى اليسار) مؤسس مركز الأمل والمشرف الفني عليه وهو يستعرض إحدى مراحل عملية تصنيع الأطراف الصناعية بالورشة الملحقة بالمركزورغم هذا التفاوت، يبقى الأثر على الأرض ملموساً.
فقد تمكنت عهد من المشي مجدداً، بعد أن ساعدها الطرف الصناعي على الحركة في حياتها اليومية وقلل العوائق أمامها، وهذا ما دفع والدها إلى القول: " غمرتني الفرحة عندما رأيتها تمشي".
يتكرر هذا المشهد مع آلاف السوريين والسوريات الذين ينتظرون أن يحظوا بالفرصة نفسها داخل ورشة تعمل بالطاقة الشمسية وتشتمل على طابعات صينية رخيصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك