لطالما عبرت الحدود السورية مع الأردن حالة العلاقات بين البلدين الجارين.
فقد رسمت كل من فرنسا وبريطانيا هذه الحدود في تشرين الأول 1931، غير أنها لم تُفرض بشكل صارم إلا ابتداءً من عام 1970، بعد أزمة أيلول الأسود، عندما دخلت دبابات سورية إلى الأردن دعماً لفصائل فلسطينية مسلحة، وفقاً لـ" مركز كارنيغي للشرق الأوسط".
ومنذ ذلك الحين، أصبحت سوريا تفتح وتغلق معبر نصيب–جابر، تبعاً لطبيعة العلاقات السياسية بين عمّان ودمشق، وقد مثل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين" العصر الذهبي" للعلاقات الثنائية، حيث تعاونت سوريا مع الأردن على عدة جبهات، خاصة في التجارة، التي بلغ حجمها 674 مليون دولار في عام 2007، أي بزيادة قدرها 166% مقارنة بعام 2003.
ويظهر ذلك في الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، التي توفر أحدث البيانات المفصلة حول الاقتصاد الأردني، بعد وصول سعر صرف الدينار الأردني أمام الدولار الأمريكي إلى 1.
41 دولار.
وفي ذلك الوقت، أصبحت العلاقات جيدة لدرجة دفعت سوريا لفتح معبر جديد عبر السويداء، إلى جانب معبر نصيب–جابر والمعبر بين درعا والرمثا.
في مرحلة ما بعد الأسد، بقيت الحدود تعبر عن العلاقات بين البلدين ووضع الاقتصاد فيهما.
فبعد عقد من الإغلاق الكامل أو شبه الكامل منذ عام 2015، فتحت الحدود من جديد، كما شهدت الفترة الأخيرة لقاءات متكررة على مستوى رفيع، كان آخرها في نيسان وفي عمّان، حيث وقع الجانبان عدة مذكرات تعاون.
كما تبنّى الأردن موقفاً يميل بوضوح إلى دمشق في التعامل مع القضايا الحساسة المرتبطة بالتوترات التي شهدتها محافظة السويداء، القريبة من الحدود الأردنية.
وتعكس حركة التجارة والتنقل الرسمي عبر الحدود صورة أوضح.
ففي عام 2025، اقترب حجم التجارة الثنائية من مستوى قياسي بلغ مليار دولار، وفقاً لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية، ويشمل هذا الإجمالي الواردات والصادرات وعمليات إعادة التصدير الأردنية.
وتمثل هذه القفزة مؤشراً على تحسن نسبي في العلاقات وعلى وجود إرادة سياسية لدى الطرفين لتعميقها بدرجة أكبر.
تغير واضح في الميزان التجاريلكن نظرة أعمق تشير إلى أن الأردن لديه أسباب أكثر من أسباب سوريا للاحتفاء بهذه الأرقام، إذ خلفها تكمن قصة أخرى تتعلق بالواقع الاقتصادي القاسي في سوريا، وأول ما يلفت الانتباه في هذه البيانات هو التحول في الميزان التجاري من مصلحة سوريا إلى مصلحة الأردن.
فحتى عام 2013، كانت سوريا تصدّر إلى الأردن أكثر مما تستورد منه.
وفي ذلك الوقت، كانت سوريا الاقتصاد الأكبر والأكثر إنتاجية، خاصة في القطاعين الصناعي والزراعي.
وقد منحتها الطاقة المدعومة، واليد العاملة الماهرة والرخيصة، وقاعدة التصدير المتنوعة، أفضلية على الأردن.
لكن هذا التوازن انقلب لأول مرة في عام 2014، أي قبل عام من انهيار التبادل التجاري بين البلدين إثر إغلاق معبر نصيب–جابر.
لا تعبر الأرقام الرسمية عن حجم التجارة غير الرسمية التي كان ينقلها من يعرفون بتسمية" البحّارة"، وهم تجار صغار، معظمهم من السائقين الأردنيين المرخّص لهم بالدخول إلى سوريا، والذين كانوا يجلبون بضائع من سوريا إلى الأردن ويبيعونها مقابل ربح بسيط.
وقد بدأت هذه الظاهرة بالتراجع بحلول عام 2020، لكن الانهيار الحقيقي جاء في عام 2025، بعد سقوط نظام بشار الأسد.
فمن أصل ما يقرب من مليار دولار للتبادل التجاري بين البلدين في عام 2025، لم تشكّل الصادرات السورية سوى 12% فقط، وفي ذلك تحول حاد مقارنة بما كان يحدث في السابق.
أما المؤشر الأبرز فيتمثل بعمليات إعادة التصدير الأردنية، فقد ارتفعت تلك العمليات من 151 مليون دولار في عام 2023 إلى 518 مليون دولار في عام 2025، أي بزيادة تقارب 250%.
كما تغيّرت تركيبة عمليات إعادة التصدير، فكان أغرب ما فيها استيراد سوريا للسيارات من الأردن، والذي وصل حجمه إلى 113 مليون دولار في عام 2025.
وتشير هذه الأرقام في الواقع إلى الطلب المكبوت الناتج عن سنوات من القيود السورية على الاستيراد.
أي بمعنى أدق، تشير الطفرة في عمليات إعادة التصدير الأردنية إلى إزالة بعض الحواجز السورية التي تحمي البضائع المحلية، فضلاً عن إعادة فتح الأسواق السورية، إلى جانب ظهور شهية كبيرة لدى للسلع المستوردة في الأسواق السورية.
وعلى المنوال ذاته سارت صادرات الأردن، إذ ارتفعت من 87 مليون دولار في عام 2023 إلى 360 مليون دولار في عام 2025، فحققت بذلك أعلى مستوى قياسي.
وبعض هذه الصادرات معروف في سوريا في السابق، حيث كانت الأردن تبيع الخضروات والمحاصيل الأساسية إلى سوريا منذ فترة طويلة.
فعلى سبيل المثال، في عام 2010، تصدرت هذه المنتجات صادرات الأردن إلى سوريا بقيمة بلغت 44 مليون دولار.
لكن السلعة التي تصدّرت القائمة في عام 2025 ليست مألوفة في الأوساط السورية، كونها الأسمنت، الذي شكّل ما يقارب نصف الصادرات الأردنية إلى سوريا.
وهذا لا يعكس فقط حجم الدمار في سوريا، بل قد يشير أيضاً إلى نقص البدائل المحلية السورية وعجز الجهات المنتجة المحلية عن تلبية الطلب في الداخل السوري.
وبالنتيجة زاد الاعتماد على الواردات، إلا أن ذلك يستنزف احتياطي النقد الأجنبي الشحيحة بالأصل في سوريا.
كما قد يشير ذلك إلى أن السوريين بدؤوا بجهود إعادة إعمار محدودة بالاعتماد على أنفسهم، في وقت ما يزال المجتمع الدولي محتاراً بالنسبة لواجبه في دعم تعافي البلد، والطريقة الأمثل لتحقيق ذلك، بعد مرور سنة ونصف على سقوط الأسد.
ومما يؤكد تراجع تلك القدرة الإنتاجية تواضع حجم الصادرات السورية إلى الأردن.
فقد ارتفعت الصادرات إلى الأردن بنسبة 77% بين عام 2023 وعام 2025.
وبالأرقام، ارتفع حجم الصادرات من 66 مليون دولار إلى 117 مليون دولار، ويعود السبب الوحيد لذلك في القرار الذي أصدرته السلطات والذي أجازت من خلاله تصدير الأغنام والماعز، بعد منع ذلك في السابق.
ولا تُظهر البيانات تراجعاً في قيمة الصادرات السورية فحسب، بل أيضاً تغيراً في تركيبتها.
فقد تحولت سلة الصادرات المتنوعة نسبياً قبل الحرب، والتي كانت تشمل المنتجات الزراعية، والأغذية المصنعة، والمنسوجات، والمعادن، واللدائن، والمنتجات المعدنية والبيتومينية، والآلات، إلى سلة أضيق في زمن الحرب تهيمن عليها الأغذية والمنتجات الزراعية والحيوانات الحية.
وبحلول عام 2023، اختفت الحزمة الصناعية وشبه الصناعية ضمن السلة التجارة السورية لعام 2010 من قائمة الصادرات.
تراجع أيضاً حجم التجارة غير الرسمية بالسلع المسموح بها التي كانت رائجة في المدن الحدودية الأردنية، وخاصة الرمثا.
فقد تلاشى الاقتصاد غير الرسمي الذي كان قائماً قبل الحرب بنسبة كبيرة، وحلّت مكانه تجارة المخدرات غير المشروعة، التي يُرجّح أنها ماتزال أعلى الصادرات السورية ربحية.
فقد نفذت عملية كبرى صودرت خلالها كمية كبيرة من المخدرات شملت 25 مليون حبة كبتاغون في أيار 2026، وتعادل قيمتها نحو 40 مليون دولار في الأردن، حيث يُقدَّر سعر الحبة الواحدة في السوق بـ1.
66 دولار، غير أن قيمتها ستصل إلى رقم أعلى بكثير لو وصلت إلى أسواق الخليج.
فقد تحولت اليوم محافظة السويداء إلى مركز جديد لإنتاج الكبتاغون وتهريبه.
اتخذ الأردن موقفاً ملائماً حتى يستفيد من التغيرات الحاصلة في سوريا، إذ تشير بيانات الصادرات وعمليات إعادة التصدير لشهري كانون الثاني وشباط 2026 إلى أن هذا النمط ما يزال مستمراً، فهذه ليست المرة الأولى التي ينتهز الأردن فرصة كهذه، نظراً لكونه بلداً فقيراً بالموارد لكنه يتمتع بمرونة كبيرة.
فبعد الإطاحة بنظام صدام حسين في عام 2003 ورفع العقوبات التي فرضت لسنوات طويلة على العراق، سارع الأردن لزيادة صادراته وعمليات إعادة التصدير إلى السوق العراقية، فارتفعت من نحو نصف مليار دولار في عام 2003، أي عام الغزو الأميركي، إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف هذا الرقم بعد عقد من الزمن.
وتدل مؤشرات عام 2025 على أن الأردن أضحى في موقع جيد للاستفادة من سوريا في حال تعافيها أو تراجع الأوضاع فيها.
غير أن هذه الأرقام تمثل تحدياً مركباً بالنسبة لسوريا، فهي لا تعكس فقط مدى دمار الاقتصاد الإنتاجي في البلد بعد سنوات من الحرب، بل أيضاً صعوبة إعادة بنائه.
ومن المرجح أن يستمر هذا التحدي، خاصة إذا استمرت السلطات الجديدة في تفضيل التجارة على الصناعات الإنتاجية، فإعادة فتح الأسواق قد تعيد السلع إلى سوريا، لكنها لن تتمكن لوحدها من إعادة المصانع والمزارع وسلاسل الإمداد التي كانت تساعد سوريا في السابق على تصدير منتجاتها إلى الأردن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك