عاد ملف التلوث البيئي إلى واجهة الأحداث في محافظة قابس، اليوم الجمعة، مع استئناف التحركات الاحتجاجية التي يقودها نشطاء بيئيون وسكان الجهة، تزامناً مع اليوم العالمي للبيئة، وذلك بعد توقف دام أكثر من شهرين.
ونظّم، اليوم، نشطاء ومحتجون في كل من منطقة شط السلام بقابس، وأمام المقر المركزي للمجمع الكيميائي بالعاصمة تونس، وقفات احتجاجية متزامنة تنديداً بتأخر إيجاد حلول لأزمة التلوث التي تقتل الحياة البرية والبحرية في المنطقة من جراء مخلفات الصناعات الكيميائية.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بإنهاء ما يصفونه بـ" الظلم البيئي" الذي تتعرض له الجهة منذ عقود، داعين السلطات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من التلوث الصناعي ومحاسبة المتسببين فيه، بدلاً من ملاحقة النشطاء المدافعين عن الحق في بيئة سليمة.
وتأتي عودة الاحتجاجات في أعقاب إصدار القضاء حكماً ينفي وجود ضرر بيئي في المنطقة، وذلك إثر دعوى استعجالية رفعها نشطاء ومحامون بهدف تعليق نشاط المجمع.
وقال الناشط في حراك" ستوب بوليوشن" (أوقفوا التلوث) إسلام الزرلي إن الحراك البيئي في المنطقة لم يتوقف، لكنه شهد نوعاً من الفتور خلال الأسابيع الماضية، عقب صدمة الحكم القضائي الذي نفى مسؤولية المجمع الكيميائي عن كارثة التلوث التي تعيشها الجهة.
وأكد الزرلي أن الحراك انتظم، اليوم، في منطقة شطّ السلام، الأكثر تضرّراً، بسبب آلاف الأطنان من مادة الفوسفوجيبس التي يُلقيها المجمع يومياً في البحر، ما أدّى إلى تدمير الواحة الشاطئية ونفوق أغلب الكائنات البحرية.
وأضاف: " يُعدّ التلوث في قابس من أقدم الملفات البيئية في تونس وأعقدها، إذ يرتبط أساساً بالنشاط الصناعي المتصل بتحويل الفوسفات وإنتاج الأسمدة الكيميائية".
وعلى مدى عقود، اشتكى الأهالي من الانبعاثات الغازية والروائح المنبعثة من المنشآت الصناعية، إضافة إلى مخلفات الإنتاج التي أثرت سلباً على البحر والواحات والأراضي الفلاحية، بحسب الزرلي.
وأضاف: " يتعرض نشطاء الحراك البيئي، منذ أكثر من 40 عاماً، إلى ملاحقات قضائية وأحكام بالسجن، غير أنهم لن يتوقفوا عن الدفاع عن حق الأهالي في العيش في بيئة سليمة".
وانتقد الزرلي استمرار صمت السلطات إزاء مأساة التلوث، وغياب أي بوادر لحلول جديدة تحد من الانبعاثات الغازية والسموم الكيميائية التي تُلقى في البحر.
وعُرفت قابس تاريخياً باحتضانها الواحة البحرية الوحيدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، غير أن ناشطين وخبراء يؤكدون أن التوسع الصناعي أسهم في تدهور المنظومة البيئية، وتراجع الموارد الطبيعية، وتقلّص النشاطين الفلاحي والبحري اللذين كانا يمثلان مصدر رزق لآلاف السكان.
كما يثير هذا الملف مخاوف صحية متواصلة، إذ يتحدث سكان المنطقة عن انتشار أمراض الجهاز التنفسي وبعض الأمراض المزمنة والسرطانية، مطالبين بإجراء دراسات مستقلة وشفافة لتقييم التأثيرات الصحية للتلوث الصناعي على المدى الطويل.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت قابس إلى إحدى أبرز ساحات النضال البيئي في تونس، مع تنظيم عشرات الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والحملات المدنية المطالبة بوقف إلقاء الفوسفوجيبس في البحر، ونقل الوحدات الصناعية الملوثة بعيداً عن المناطق السكنية، وتفعيل مبدأ العدالة البيئية بين الجهات.
في المقابل، تؤكد السلطات أن معالجة الملف البيئي في قابس تظل من بين أولوياتها، مشيرة إلى برامج ومشاريع تهدف إلى تقليص الانبعاثات الصناعية، وتحسين التصرف في النفايات، ومعالجة الإشكاليات المرتبطة بمادة الفوسفوجيبس.
ويُشار إلى أن الرئيس التونسي قيس سعيّد كلف لجنة مختصة أُنيطت بها مهمة إيجاد حلول للتوفيق بين الحفاظ على النشاط الصناعي باعتباره قطاعاً استراتيجياً، وبين احترام المعايير البيئية والصحية.
غير أن المحتجين يعتبرون أن الإجراءات المعلنة لم تحقق النتائج المنتظرة على أرض الواقع، وأن الوضع البيئي في الجهة لا يزال يراوح مكانه، رغم الوعود المتكررة التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك