بثلاث عجلات، تحاول اللحاق بالزمن.
فرغم مزاحمة الشاحنات وعربات النقل الكهربائية، تمكنت" الطرطيرة"، من حماية وجودها، مستعينة بتزايد شريحة المعدمين السوريين، الذين لا يطمحون سوى لتحصيل قوتهم اليومي.
من سمّاها" طرطيرة"؟ يعيد" أبو ضياء" الكلمة، لصوتها العشوائي القوي، وشكلها الغريب.
وعرفاناً لمساندتها له، خلال سنوات طويلة، يسميها" شيّالة الحمل".
هكذا تبدو هذه الآلة البدائية الرقطاء، ذات دلالات اقتصادية واجتماعية، وربما مع الوقت تصبح جزءاً من التراث.
لا نعثر على مدونات توثيقية، تعيد" الطرطيرة" لجذورها الأولى.
من اخترعها؟ ولماذا؟ كيف استطاعت المقاومة حتى اليوم؟ ولماذا تصر على مواجهة الحداثة، من دون تعديلات؟
هل تفيدنا في كشف واقع اجتماعي واقتصادي طالما ظل خلف الكواليس؟
النشأة الأولى في أرياف حماه وإدلبنبشنا ذاكرة العاملين القدماء على" الطرطيرة"، سألنا خبراء الطرق، ونقل الأثاث وبلوك البناء، فرجّح الجميع أن عمرها يزيد على مئة عام، حيث سُجل ظهورها الأول في أرياف حماة وإدلب، لحاجات زراعية يتم استخدامها بين القرى والمدينة.
فهي صناعة محلية كاملة، لكنها تحتاج لحدّاد خبير، يحافظ على توازن جسدها الثقيل المكتفي بعجلاتٍ ثلاث.
تتواجد الطرطيرة أيضاً في أرياف دير الزور والحسكة وبقية المدن السورية، وتسمى في بعض المناطق" طرطورة"، أو" طريزينة"، كما قامت بعض المناطق بتطويرها، فأصبح البعض منها يسير على أربع عجلات، لكن هذا النوع أكثر كلفةً وأغلى ثمناً.
وتبعاً للظروف المريرات التي عصفت بسوريا، أيام النظام البائد، يعتبر اختراع الطرطورة نتيجة طبيعيةً، للفاقة وشظف العيش واقتصار السيارات على فئة معينة، حيث تتكفل محركات" الديزل" التقليدية البسيطة، بحمل الأعباء الثقيلة ما أمكن.
لأن الطرطورة في الأساس، عبارة عن محرك مربوط بجثة حديدية ثقيلة، ويمكن أن يكون نصف حصان أو حصان وأكثر.
يقول أبو ضياء: " العجلات الثلاث، أعفت الناس من ضرائب السيارات والشاحنات السائرة على أربع عجلات، كما أن صناعتها البسيطة جعلت سعرها مناسباً، فهي السيارة الحلم، التي يطمح الفقير لشرائها من أجل العمل، إضافة لاستخدامها في التنزه، حيث تحتشد العائلة في صندوقها، أيام العطل والسيران.
آلة رقطاء، تكثر فيها المثلثات والمربعات، وتدخل في طلائها عدة ألوان، وتبعاً لاستقصائنا، فلم نعثر على طرطيرة" سادة" بلون واحد أو لونين.
كأنها أصبحت ذات شخصية بصرية خاصة، حرص الصناع على تكرارها، لأنها ناسبت المزاج العام.
وتعتبر أجرة النقل بوساطة الطرطيرة، أرخص من أجرة الشاحنات الصغيرة، خاصة في جلب الخضار من أسواق الهال، إلى محلات الجملة والمفرق في المدينة.
كما يفضلها الكثيرون، في نقل الرمل والبحص ولُبن البلوك المستخدم في البناء، عدا عن نقل الأثاث والأشياء الطارئة من المنازل.
نصر على اختبار المشوار بالطرطورة، ويرحب بنا أبو ضياء ويصعد كي يضرب برجله" المنويل" بقوة، حتى يدور المحرك.
ثم نصعد لجواره، فيقول إن الطرطيرة يمكنها استيعاب اثنين مع السائق.
الكاميرا تشعر بالهول، وهي تراقب المتورات وعربات" الدفش" والأشخاص الراجلين، من خلف الزجاج المتسخ، والتابلو المغبرّ المميز بقطعة" البشكير" البالية، التي باتت، مع الوقت، جزءاً من" عدّة" السائق.
كلما زاد الفقر.
قلّ عدد العجلات!تبعاً للعيّنات التي رأيناها، والمناطق التي تنتشر فيها الطرطيرة بشكل كبير، يمكن الخروج بمعادلة اقتصادية تقول، إن ازدياد أعداد الحافلات العاملة على ثلاث عجلات أو اثنتين، علامة على معدلات فقر وبطالة مرتفعة.
فالناس، نتيجة غياب رأس المال، يضطرون لاعتماد اقتصاد" أعرج"، يعمل في الظل بلا ضرائب، حيث اشتهرت سوريا تاريخياً، بمواطنين هم الأقل دخلاً في العالم.
يقول سائق الطرطورة" أبو محمد"، إن سعرها لا يقل عن خمسة ملايين.
وعندما نسأله إن كان يطمح لشراء شاحنة صغيرة للنقل عوضاً عنها؟ يضحك ويجيب: " لا أعتقد أن العمر والمال الذي يمكنني ادخاره، سيساعداني على ذلك، لهذا أحلم بشراء طرطيرة سعرها أكثر من 10 مليون بحيث تكون حديثة الصنع وخالية من الأعطال".
لنفكك الظاهرة من حيث الأرقام، فعدد الطراطير في مدينة سلمية شرق حماة، يقترب من 200 طرطورة، أي أنها تعيّش مئتي عائلة مكونة وسطياً من 5 أفراد، أي ما يقارب 1000 شخص، كما أن عدد النقلات التي تقوم بها يومياً يبلغ بشكل وسطي 5 نقلات، أي أن عدد الزبائن الفقراء الذين يطلبون الطرطيرة كوسيلة نقل يومياً يقترب من 1000.
وهو رقم يتفوق على زبائن الشاحنات الحديثة بشكل كبير.
يقول أبو محمد: " هل تعلم أن بعض الناس يلجؤون أيضاً، لعربات الجر ذات العجلات الثلاث، من أجل نقل الأغراض، حتى يختصروا المصاريف؟ ".
يمكن اعتماد انتشار" الطرطيرات"، كعلامة على الشقاء الاقتصادي والاجتماعي، مثلما هو الحال في اعتماد انتشار السيارات الفارهة والحديثة، كدليل على الرفاه.
شاسيه الطرطيرة.
حائط مذكرات ودعواتيعتني بعض أصحاب الطراطير، بزينتها، ويحاول البعض، " شبشلتها" بأطواق الخرز، وكثيراً ما ينتقون لها أسماءً لحبيباتٍ غائبات، فلا يستغرب المتابع عندما يقرأ على إحداها عبارة" الأميرة ميرفت"، أو" أم العيال"، وأحياناً يترك الأطفال بصمتهم الخاصة، فيرسمون على صاجها القاسي قلوباً تخترقها سهام، أو وجوهاً بدائية تستورد غالباً من أفلام الكرتون.
في الواقع، يقول أبو ضياء، وهو يربّت على" شاسيه" طرطيرته المنتظرة رزقها في الكراج: " لا يغشك حديدها القاسي، فهي حنونة طيّعة، تعرف أهمية ما تقوم به، لهذا نعتبرها فرداً من الأسرة".
ويعتذر منا أبو محمد، بعد أن فشلت جميع محاولاته في إدارة المحرك، ويقول إن طرطيرته قديمة، وتحتاج صيانة شاملة، ويضيف: " كنت أود لو آخذكم بجولة في شوارع البلدة، عسى يكون حضوركم فأل خير ويأتينا الرزق".
أبو محمد، أقنع صهره العاطل عن العمل، باستدانة مبلغ وشراء طرطيرة، من أجل العمل عليها في السوق، ويقول: " بعض الناس يخجلون من ركوب الطيرطيرة أو العمل عليها، يا أخي المهم الواحد يشتغل ويطالع مصاري".
معدلات فقر وبطالة هائلة.
ومشاريع تنمية محملة على الطرطيرات!تسير الطرطيرة بثقة في شوارع البلدات، تتباهى بصراخها وشكلها الغريب، ويستخدمها البعض لجمع الخبز اليابس وأحذية النايلون من الأحياء الفقيرة، ويمكن أن يتم الاعتماد عليها في الشتاء، من أجل بيع المازوت.
ويقول أبو محمد، إن تقرير الأمم المتحدة الصادر في بداية عام 2026، يؤكد أن نسبة البطالة بين الشباب في سوريا، تجاوزت 60%، ويضيف: " نحمد الله أن هناك طرطيرة نعمل عليها، لننجو من" بارومتر" الأمم المتحدة.
العمل ليس عيباً".
ويبدو أبو محمد، متابعاً للوضع الاقتصادي، إذ يطلب منا، الاطلاع على تقرير المنظمة الدولية، القائل بأن 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، كما ينتقد رفع تعرفة الكهرباء ومستوى دخل المواطن وموجات الغلاء التي لا تتوقف.
ويقول، وهو يعلن يأسه من تشغيل طرطيرته التي حرنت بشكل مفاجىء:" يرفعون الأسعار ويقارنون الوضع مع دول الخليج.
إذاً، فليعطونا رواتب عالية مثلما هو الحال في الخليج.
أو فليتركوا الطراطير تسير على هواها في البلد".
طبقياً، تعتبر" الطراطير"، أرفع مستوى من عربات الجرّ.
فالعاملون على العربات، هم من كبار السنّ الذين يفضلون العربة، لأنها المشروع الذي يتطلب أقل رأسمال في العالم، فقط: " ثلاث عجلات، يربط بينها صفيح من الصاج"، بعدها يمكن النزول إلى السوق للمنافسة وقطف ثمار الشقاء.
الطرطيرة تصنع فضاءها الاجتماعي الخاصمع الوقت، يتحول العامل على الطرطيرة، إلى إعلان متنقل يسوق هذه الآلة، فنجد كل سائق، لديه عدة أقرباء يعملون في المهنة، وهو ما ينعكس على العلاقات الاجتماعية التي تزدهر بين فئة، تشعر أنها من طبقة واحدة.
لكن تبادل الزيارات مع عائلات لا تنتمي إلى هذه الطبقة، سيبدو محرجاً للأسرة، حيث يُلاحظ أن رب العائلة العامل على الطرطيرة، لا يستقلها مع أفراد أسرته، عند زيارة أقرباء يمتلكون شاحنة أو سيارة، لكن وجود أكثر من طرطيرة عند باب أحد البيوت، يعني أن عدة عائلات من هذه الفئة تجتمع، على قاعدة" يلّي متلنا يجي لعنا".
وعلى هذا المنوال، فإن دخل الطرطيرة الشهري، سينعكس على دراسة الأبناء، واختصاصاتهم المهنية في المستقبل، عدا عن ماركات ألبستهم وأجهزة الموبايل التي يحملونها، إلى جانب احتفالاتهم بالأعياد وعلاقاتهم مع أطفال آخرين في الحي أو المدرسة.
يقول أبو محمد: " يرجوني ابني الصغير، ألا أذهب إلى المدرسة راكباً الطرطيرة، عند حضور اجتماع أولياء الطلاب، أو يصر عليّ أن أركنها بعيداً، حتى لا يراها أصدقاؤه فيشعر بالإحراج".
لكن العمل على الطرطيرة، ليس فضيحةً، كما يقول، لكن الأبناء لن يكتشفوا تلك المعادلة الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، إلا حين يكبرون بالسنّ ويصبح لديهم أبناء يفكرون في إطعامهم وتدريسهم.
تبدو الطرطيرة السورية، أو" شيّالة الحمل" كما يسميها البعض، غير معنية بمشاريع التنمية والاستثمارات الأجنبية وخصخصة القطاع العام.
ربما لأنها سبق أن" شالت" من هذه الأحمال الكثير، وربما لأنها تعرف" البير وغطاه"، فهي مكتفية بفضائها الاقتصادي والاجتماعي الصغير، المحمول على ثلاث عجلات!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك