بعد مرور أكثر من 3 أشهر على بداية الحرب التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي، ما زالت الشكوك تحيط بدوافع ترمب وراء هذه الحرب.
وفي حين يتحدث كثيرون عن البرنامج النووي الإيراني والطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم في طهران باعتبارهما سببين محتملين للحرب، تطرح راشيل ميتز، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن الأميركية، سببًا مختلفًا، وهو أن الولايات المتحدة أشعلت هذه الحرب على بُعد أكثر من 6000 كيلومتر من أراضيها لمجرد أنها قادرة على ذلك.
وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، قالت ميتز إن الجيش الأميركي ضرب خلال العام الماضي أهدافًا في فنزويلا ونيجيريا والصومال وإيران والعراق وسوريا واليمن، حيث باتت قدرة الولايات المتحدة على حشد قوة نارية هائلة في أي مكان من العالم أمرًا يعتبره الأميركيون وبقية العالم مفروغًا منه منذ الحرب العالمية الثانية، بفضل سماح العديد من دول العالم لها باستخدام أراضيها لخوض الحروب.
فعلى سبيل المثال، سمحت أوزبكستان للولايات المتحدة بنشر وحدات العمليات الخاصة التي غزت أفغانستان عام 2001، وسمحت باكستان بعمليات الدعم اللوجستي والاستخباراتي التي سهلت ودعمت القتال واسع النطاق طوال الحرب.
وشنت واشنطن غزوها للعراق عام 2003 انطلاقًا من الأراضي الكويتية، ودخلت وحدات العمليات الخاصة غرب العراق عبر الأردن.
وعندما بدأ سلاح الجو الأميركي عملية «إلدورادو كانيون» ضد نظام معمر القذافي عام 1986، انطلقت الطائرات الهجومية الأميركية من قواعد في الأراضي البريطانية.
ولم تكن الحرب الأخيرة ضد إيران، التي أطلق عليها ترمب اسم «الغضب الملحمي» أو «إبيك فيوري»، استثناءً من هذه القاعدة.
فقد سمحت الدول المضيفة للجيش الأميركي بنقل قوته القتالية الهائلة عبر حدودها في طريقها من قواعده البعيدة إلى الشرق الأوسط.
كما سمحت لسفن الإمداد التابعة للبحرية الأميركية بالتزود بالوقود في موانئها لإعادة تزويد حاملات الطائرات، وسمحت لسلاح الجو الأميركي بتنفيذ طلعات جوية من داخل حدودها ضد أهداف في إيران.
وتتيح هذه التسهيلات التي تقدمها الدول للولايات المتحدة شن حرب بعيدة، وتقلل التكاليف التي تتكبدها واشنطن في هذه العملية.
وهذا الوضع قد يشجع الولايات المتحدة على اللجوء إلى العمل العسكري، حتى عندما لا يكون أفضل وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية.
وباختصار، يزيد سهولة وصول القوات الأميركية في زمن الحرب من احتمالية شن الولايات المتحدة حروبًا متهورة، وهو ما يعني أن انتشار القواعد الأميركية حول العالم والتسهيلات التي تحصل عليها قواتها من دول عديدة كانا نقمة على الأميركيين والعالم ككل.
إعادة النظر في بقاء القواعد الأميركيةوبعد الحرب الحالية مع إيران، قد تبدأ الدول إعادة النظر في هذه التسهيلات.
فالولايات المتحدة لم تتمكن من حماية شركائها في الخليج بشكل كامل من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وقد يخشى شركاء آخرون أن يصبحوا عرضة للخطر بالقدر نفسه نتيجة سماحهم بوجود القوات الأميركية على أراضيهم.
وإذا لم يعد بإمكان واشنطن الاعتماد على هذا الوصول في زمن الحرب، فقد تفقد نفوذها العالمي.
وفي المقابل، سيكون ذلك حاجزًا إضافيًا أمام العمل العسكري، يمكن أن يساعد في إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الحروب غير الحكيمة، بحسب راشيل ميتز الحاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «إم آي تي»، حيث كانت عضوًا في برنامج الدراسات الأمنية.
تسهيلات ممنوحة للقوات الأميركيةمنذ الحرب العالمية الثانية، أدارت الولايات المتحدة عملياتها من داخل مئات القواعد والمنشآت العسكرية حول العالم أو امتلكتها.
وغالبًا ما توافق الدول التي تسمح للجيش الأميركي بالعمل من داخل حدودها في زمن السلم على خوضه الحروب من داخل حدودها أيضًا.
كما منحت العديد من الدول التي لا تقوم فيها القوات الأميركية بعمليات عسكرية في زمن السلم الولايات المتحدة حق الوصول إلى قواعدها في زمن الحرب.
فقبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لم تكن للولايات المتحدة قواعد أو تسهيلات عسكرية لدى جيران أفغانستان الحبيسة، لكنها حصلت على حق استخدام أراضي أو أجواء العديد من الدول، مثل قيرغيزستان وعُمان وقطر وباكستان، لإطلاق حربها ضد أفغانستان.
كما تعتمد خطط واشنطن لمواجهة محتملة مع الصين بشأن تايوان على الوصول إلى قواعد في أستراليا واليابان، وربما الفلبين وكوريا الجنوبية.
انتشار القواعد العسكرية الأميركية حول العالموكما فعلت في كل حرب واسعة النطاق منذ الحرب العالمية الثانية، استغلت واشنطن نفوذها الواسع خلال الحرب مع إيران استغلالًا كاملًا.
ورغم أن العديد من الدول لم تعلن صراحةً السماح للجيش الأميركي بمحاربة إيران من داخل حدودها، فإن تحركات القوات الأميركية في المنطقة تعد دليلًا على استخدامها أراضي أو أجواء هذه الدول في الحرب.
ففي فبراير/شباط، نفذت الولايات المتحدة أكبر حشد عسكري لها في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003.
ونقلت القوات الجوية الأميركية مئات الطائرات من قواعد في الولايات المتحدة وأوروبا إلى قاعدة «موفق السلطي» الجوية في الأردن، بدعم من طائرات الشحن والتزود بالوقود التي هبطت في قواعد على طول الطريق، فيما يُعرف بـ«الجسر الجوي» الضخم.
كما ساهمت القواعد العسكرية داخل الدول الأجنبية في دعم زيادة القوات البرية الأميركية في المنطقة.
ففي أبريل/نيسان، وبينما كانت إدارة ترمب تدرس إمكانية شن عمليات برية في إيران، جرى نشر آلاف من مشاة البحرية الأميركية ونحو ألف جندي من الجيش الأميركي في مواقع غير معلنة في الشرق الأوسط.
كيف تحمي أميركا الدول المضيفة لقواعدها؟في الوقت نفسه، إذا واجهت الولايات المتحدة عدوًا أشد قوة، فقد تجد صعوبة أكبر في طمأنة الدول المضيفة لقواتها وإقناعها باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية.
ففي حالة تايوان، تعتمد خطط الولايات المتحدة للدفاع عنها ضد أي غزو صيني على إمكانية الوصول في زمن الحرب إلى قواعد في أستراليا واليابان، وربما الفلبين وكوريا الجنوبية.
وسيتعين على كانبرا وطوكيو ومانيلا وسول النظر في احتمال أن يؤدي السماح لطائرات سلاح الجو الأميركي بالانطلاق من مدارج داخل حدودها إلى قيام الجيش الصيني بقصف بنيتها التحتية العسكرية بالصواريخ.
ولأن قدرة الولايات المتحدة على تحييد الصواريخ الصينية محدودة، باستثناء اتخاذ خطوات تصعيدية خطيرة مثل مهاجمة الأقمار الصناعية أو شن ضربات على أهداف في البر الرئيسي الصيني، فإن التدخل للدفاع عن تايوان من داخل حدود حلفائها وشركائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ سيجعل تلك الدول عرضة لانتقام بكين.
لذلك، إذا أرادت واشنطن مواصلة بسط نفوذها العسكري حول العالم، فعليها النظر في كيفية تحسين حماية الدول المضيفة لقواعدها.
وقد تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن حماية مضيفيها، الذين قد يقررون أن التحالف مع واشنطن لا يستحق الثمن الذي قد يدفعونه إذا استخدمت واشنطن أراضيهم في عمل عسكري ضد دولة قوية أخرى تستهدف أراضي حلفاء واشنطن ردًا على الهجوم الأميركي.
أمل نهاية الهيمنة العسكرية الأميركيةأخيرًا، ترى راشيل ميتز أنه إذا بدأت الدول منع الولايات المتحدة من استخدام أراضيها في أي عمل عسكري، فستنتهي الهيمنة العسكرية الأميركية التي ميزت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما يمكن أن يكون نعمة لأميركا والعالم في نهاية المطاف، لأنه لو كان شن الحروب أصعب، لربما تراجع عدد الحروب المتهورة التي تشنها واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك