ينتمي فيلم «Fuze» للمخرج ديفيد ماكنزي إلى أفلام السطو والتشويق التي تراهن على البناء السردي الملتبس وإخفاء الخيوط الأساسية للحبكة حتى مشاهدها الأخيرة.
ويكمن تميّز العمل في قدرته على تضليل المتلقي باستمرار، إذ تبدو الأحداث متفرقة وغير مترابطة، قبل أن تتجمع تدريجياً في لوحة واحدة تكشف عن واحدة من أكثر عمليات السطو إحكاماً وتعقيداً.
ويستند الفيلم إلى سيناريو ذكي للكاتب بن هوبكنز، يقوم على توزيع السرد بين ثلاث شخصيات رئيسية تبدو مستقلة تماماً عن بعضها البعض، قبل أن يتضح في الفصل الأخير أنها أجزاء من خطة واحدة نُسجت بعناية فائقة لسرقة محتويات الصناديق الخاصة في أحد المصارف الكبرى بلندن.
الشخصية الأولى هي الرائد ويل رايتر، الذي يؤدي دوره آرون تايلور جونسون، وهو خبير متفجرات خدم سابقاً في أفغانستان.
أما الثانية فهي كاراليس، الذي يجسده ثيو جيمس، وهو خبير مجوهرات ينحدر من عائلة امتهنت هذه الحرفة عبر أجيال، ويتمتع بقدرات استثنائية في التقييم والخداع.
فيما يمثل رحيم، الذي يؤديه إلهام إحساس، الحلقة الثالثة في الخطة؛ وهو مترجم أفغاني سابق عمل مع القوات الأجنبية ويتمتع بخبرة في التنقل بين الهويات والثقافات.
تنطلق الأحداث مع اكتشاف قنبلة ضخمة أثناء أعمال حفر قرب مصرف «المراقبة» في لندن.
ويُستدعى الرائد رايتر لتقييم الموقف، فيرجح بداية أنها من مخلفات الحرب العالمية الثانية.
غير أن ملاحظات أحد أفراد فريقه تكشف أن القنبلة حديثة الصنع ويمكن التحكم بها عن بُعد، ما يحول القضية إلى أزمة أمنية واسعة النطاق تنتهي بانفجار يهز الحي الراقي ويضع السلطات في حالة استنفار قصوى.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه الأجهزة الأمنية بإخلاء المنطقة ومواجهة تداعيات الانفجار، يكشف الفيلم عن خيط موازٍ يتمثل في مجموعة من الرجال بملابس موحدة يعملون بصمت خلف جدار سميك ملاصق للمصرف.
وباستخدام معدات متخصصة، ينجحون في اختراق الحاجز والوصول إلى غرفة الصناديق الخاصة، مستغلين الفوضى الأمنية التي خلقتها القنبلة كغطاء مثالي لتنفيذ عملية السرقة.
ويحافظ الفيلم على إيقاع متوتر من خلال المونتاج المتوازي بين التحقيقات الأمنية والتحركات السرية للعصابة، قبل أن تبدأ خيوط المؤامرة بالانكشاف مع ظهور أصوات الحفر والأجهزة الكهربائية في وقت كانت السلطات قد قطعت فيه التيار عن المنطقة بالكامل، ما يثير الشكوك ويطلق عملية مطاردة واسعة.
أما رحيم، فيظهر في البداية كشخصية هامشية تقيم مع والديه في شقة مطلة على موقع الأحداث.
لكنه يصبح محوراً مهماً في التحقيق بعد الاشتباه في دوره بتسهيل دخول بعض المتورطين إلى المبنى.
ورغم خضوعه للاستجواب، ينجح في تقديم نفسه كطرف عابر لا علاقة له بما جرى، ليُسمح له بمغادرة البلاد.
ومع انتقال السرد إلى ضواحي لندن، تتكشف طبقة جديدة من الجريمة المنظمة، حيث تنتظر عصابة أكبر الحصول على الماسات المسروقة.
غير أن المفاجأة تأتي عندما يكتشف زعيمها أن الأحجار التي تسلمها مزيفة، بعدما تحطمت بسهولة أمامه، لتبدأ موجة من التصفيات الدموية ضد المنفذين المباشرين للعملية.
في هذه المرحلة يكشف الفيلم عن وجهه الحقيقي؛ فالعصابة التي نفذت الاقتحام لم تكن سوى أداة ضمن خطة أكثر تعقيداً.
ويقود رايتر بنفسه عملية التخلص من معظم المشاركين، بينما يتمكن كاراليس من النجاة في اللحظات الأخيرة.
وعند المشهد الختامي، يلتقي كاراليس ورايتر ورحيم في مدينة مراكش، حيث تتضح الصورة كاملة: الماسات الأصلية كانت بحوزتهم منذ البداية، وقد نجحوا في خداع الجميع، من الشرطة إلى العصابات المنظمة، قبل بيعها لجهة دولية وتقاسم عائداتها الضخمة.
يقدم «Fuze» نموذجاً ناجحاً لأفلام السرقات الحديثة التي تعتمد على حبكة متشابكة ومفاجآت متلاحقة أكثر من اعتمادها على مشاهد الحركة التقليدية.
فالفيلم لا يكشف أوراقه إلا في اللحظة المناسبة، ليحول المشاهد من متابع للأحداث إلى شريك في إعادة تركيبها، في تجربة تشويقية تتقن فن الخداع السردي حتى اللقطة الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك