منبر نور مقالات من بطون كتبكيف تصنع الثقة اقتصاد الأمم؟في كل اقتصاد توجد عملات تصدرها البنوك المركزية،وأوراق مالية تتحرك في الأسواق،وأرقام تُسجل في الحسابات.
لا تُطبع في المصانع، ولا تحمل ختمًا رسميًا، ومع ذلك تتحكم في حركة الحياة كلها.
أو يسلم مشروعًا إلى شريك،فهو في الحقيقة لا يتعامل مع الأوراق فقط،بل يتعامل مع درجة الثقة الموجودة خلفها.
ولهذا فإن كثيرًا من أعظم الأصول الاقتصادية لا تظهر في الميزانيات؛لأنها تسكن في العلاقة بين البشر.
في الاقتصاد الحديث ظهر مفهوم مهم يسمى “رأس المال الاجتماعي”،وهو يشير إلى شبكة العلاقاتالتي تجعل المجتمع قادرًا على التعاون.
فالطريق لا يُبنى بالحجارة فقط،بل بثقة الناس في من يديرونه.
والسوق لا يعمل بالأسعار فقط،بل بثقة البائع في المشتري،والمشتري في المنتج، والمستثمر في النظام.
تبدأ تكاليف خفية في الظهور:مزيد من الإجراءات، مزيد من العقود،فتصبح الحياة الاقتصادية أثقل وأبطأ.
تخيل مجتمعًا لا يثق فيه الناس ببعضهم.
كل اتفاق يحتاج إلى عشرات الضمانات.
كل مشروع يحتاج إلى جدران من الاحتياط.
كل علاقة تحتاج إلى مراقبة.
لا تضيع الأخلاق فقط، بل تضيع كفاءة الاقتصاد نفسه.
ولهذا نجد أن الدول والمؤسسات الناجحة لا تبني سمعتها في يوم واحد.
السمعة هي رأس مال يتراكم ببطء،شركة تبني ثقة عملائها لعقودقد تخسرها بسبب قرار واحد غير مسؤول.
ومؤسسة تحافظ على الشفافيةتصبح أكثر قدرة على جذب الناس والاستثمارات.
يحتاج إلى وقت حتى يمتلئ، لكنه قد يجف إذا أُهمل.
وفي حياة الأفراد، نجد الأمر نفسه.
الإنسان الذي يلتزم بكلمته يملك رصيدًا غير مكتوب.
قد لا يظهر في حسابه المصرفي، لكنه يفتح له أبوابًا كثيرة.
فكم من فرصة جاءت بسبب السمعة؟وكم من تعاون بدأ بسبب معرفة الناس بأن هذا الشخص يمكن الاعتماد عليه؟هذه ثروة شخصية لا تُقاس بالمال.
ومن هنا نفهم لماذا كانت القيم الأخلاقية جزءًا من البناء الاقتصادي.
ليست فقط فضائل فردية؛ بل هي عناصر تجعل المجتمع أكثر قدرة على الإنتاج.
عندما تكون الكلمة لها وزن، تقل الحاجة إلى الخوف.
وعندما تكون المسؤولية حاضرة، يقل الهدر.
وفي عالمنا المعاصر، خاصة في أوقات الأزمات، تصبح الثقة أكثر أهمية.
فالمجتمعات التي تواجه الكوارث والحروب تحتاج إلى تعاون سريع بين الناس والمؤسسات.
ولا يمكن بناء هذا التعاون بالقوانين وحدها؛ بل يحتاج إلى رصيد قديم من الثقة.
فالإنسان وقت الشدة يعود إلى ما خزنه المجتمع من علاقات ومعانٍ.
إن أعظم المؤسسات ليست التي تملك أكبر المباني فقط، بل التي تملك أكبر رصيد من الثقة.
وأعظم الدول ليست فقط التي تملك الموارد، بل التي يثق مواطنوها بمستقبلها وقدرتها على إدارة تلك الموارد.
الثقة ليست رقمًا في الميزانية…لكنها القوة التي تجعل كل الأرقام ممكنة.
إنها العملة التي لا تصدرها البنوك…لكن بدونها تتوقف حركة الحياة.
في منبر نور المقال القادم بإذن الله وتوفيقه سيكون انتقالًا جميلًا إلى“الذاكرة الجماعية… المجتمع الذي يتذكر لا يبدأ من الصفر”، وفيه سنقترب من القرية، التاريخ، التراث، وتجارب الشعوب.
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك