يطرح بعض الشيوعيين، ممن يدورون في فلك القيادة الحالية، سؤالاً يتكرر كلما وُجّه نقد لمواقف الحزب: لماذا هذا الإصرار على مطالبة الحزب الشيوعي بالانضمام إلى معسكر القوى المدنية المطالبة بوقف الحرب؟ ولماذا لا يُترك وشأنه ليختار طريقه؟ بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك بالقول: “من لا يعجبه خط الحزب فليغادره”.
هذا الطرح يبدو في ظاهره دفاعاً عن استقلالية الحزب، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: فالحزب الشيوعي السوداني ليس تنظيماً هامشياً حتى يُنظر إلى خياراته باعتبارها شأناً داخلياً يخص عضويته وحدها.
إنه حزب لعب دوراً مؤثراً في تشكيل الحركة الديمقراطية والنقابية السودانية، وظل لعقود أحد أهم روافد الوعي السياسي في البلاد.
ولذلك فإن أي انكفاء يصيبه لا يخصه وحده، بل ينعكس على مجمل معسكر القوى المدنية والديمقراطية.
إن الدعوة إلى انخراط الحزب في أوسع جبهة مدنية مناهضة للحرب ليست مطالبة له بالتخلي عن هويته السياسية أو استقلاله الفكري، بل دعوة لاستعادة دوره التاريخي كقوة مبادرة ومؤثرة، لا كقوة تكتفي بالوقوف على الهامش بينما يتعرض الوطن لخطر التفكك والانهيار.
فالسودان يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله مأساوية: حرب مدمرة، ملايين النازحين، انهيار اقتصادي ومؤسسي شامل، وتمدد غير مسبوق لسلطة السلاح والمليشيات.
وفي مثل هذه اللحظات تصبح المهمة الأولى لأي قوة ديمقراطية هي العمل على وقف الحرب وبناء أوسع اصطفاف مدني ممكن، لا الاحتماء بخطاب العزلة أو الاكتفاء بإعلان الاختلاف مع الجميع.
كما أن الذين يرددون شعار “اتركوا الحزب وشأنه” يتجاهلون أن النقد والمراجعة من صميم التراث الشيوعي نفسه.
فالحزب الذي تأسس على الجدل الفكري والنقاش الحر لا يمكن أن يتحول إلى كيان مغلق يُنظر فيه إلى كل نقد باعتباره عداءً أو خروجاً عن الصف.
وأخطر ما يصيب أي تنظيم سياسي هو استبدال ثقافة النقد بثقافة الطاعة.
ومن أبرز مظاهر الأزمة الراهنة أن بعض قيادات الحزب ما زالت تتعامل مع الواقع السياسي بعقلية ما قبل الحرب، حيث لم تتم أي مراجعات سواء في الأهداف والأدوات و الشعارات، أو في الطرح والمفاهيم، وكأن السودان لم يشهد التحولات العميقة التي فرضها الصراع الدائر.
فالشارع الذي أنجز ثورة ديسمبر لم يعد قائماً بالصورة ذاتها، والظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجت شعارات تلك المرحلة تبدلت جذرياً.
لقد أعادت الحرب تشكيل المجتمع نفسه؛ ملايين النازحين، وأجيال كاملة خرجت من المدارس والجامعات، وقطاعات واسعة من الشباب وجدت نفسها أمام واقع التسلح والدفاع عن النفس في ظل غياب الدولة.
في ظل هذه التحولات، يصبح التمسك بالأدوات والخطابات القديمة دون مراجعة نقدية تعبيراً عن العجز عن قراءة الواقع أكثر منه تعبيراً عن الثبات على المبادئ.
فالماركسية ليست حفظ النصوص أو ترديد الشعارات، بل القدرة على فهم التناقضات المستجدة وصياغة سياسات تستجيب لها.
الأزمة الحقيقية ليست في وجود الخلافات، بل في غياب الشجاعة اللازمة لإجراء مراجعة سياسية وتنظيمية جادة.
فالقوى التي تعجز عن مراجعة نفسها في المنعطفات التاريخية الكبرى تتحول تدريجياً من قوى تسعى إلى تغيير الواقع إلى قوى تعيش خارجه.
ومن هنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاهلها: لماذا أصبحت قيادة الحزب، دون غيرها من القوى المدنية المعارضة، تحظى بهامش من الحركة والقبول، وأحياناً الإشادة، من بعض المنابر المحسوبة على الإسلاميين؟ ولماذا تتعرض بقية القوى المدنية للملاحقة والتخوين والشيطنة اليومية، بينما يبدو الحزب في كثير من الأحيان بمنأى عن هذه الحملات؟ أسئلة تستحق إجابات سياسية واضحة، لا اتهامات مضادة أو هروباً إلى الأمام.
وعندما ننتقد الحزب، فمن الضروري التمييز بين الحزب بوصفه مؤسسة تاريخية عريقة وبين المجموعة القيادية التي أصبحت صاحبة التأثير الأكبر في صناعة القرار داخله.
فالنقد لا يستهدف تاريخ الحزب النضالي، ولا عضويته المخلصة، ولا قواعده التي دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن الديمقراطية، وإنما يتوجه إلى نهج قيادي محدد يرى كثيرون أنه يتحمل مسؤولية مباشرة عن حالة التراجع التنظيمي والسياسي التي يعيشها الحزب اليوم.
وهي ذات القيادة التي ارتبط اسمها بقضية “التكتل” الشهيرة قبيل المؤتمر السادس، وما تبعها من خسائر تنظيمية مؤلمة واستقالات لكوادر نوعية بارزة منهم عدد 19 طبيبا في مقدمتهم الرمز التاريخي الدكتور مصطفى خوجلي.
كما أن تراجع الحوار الداخلي وتآكل تقاليد الجدل الفكري التي ميزت الحزب تاريخياً لم يعودا مجرد ملاحظات عابرة، بل أصبحا جزءاً من الأزمة التي يتحدث عنها كثيرون داخل الحزب وخارجه.
وتظل التساؤلات المتعلقة باختراق بعض مفاصل الحزب من قبل عناصر مرتبطة بالنظام السابق مطروحة هي الأخرى، ليس بوصفها شائعات سياسية، وإنما باعتبارها قضايا أثيرت من داخل الحزب نفسه، الأمر الذي يستوجب أعلى درجات الشفافية والمحاسبة.
ومع ذلك، فإن كل هذا النقد لا ينصرف إلى القواعد الحزبية التي ظلت جزءاً أصيلاً من معسكر المقاومة المدنية للحرب والاستبداد، ولا إلى المناضلين الذين دفعوا أثماناً باهظة من حريتهم وأمنهم وحياتهم دفاعاً عن قناعاتهم.
ولعل استشهاد خالد الزبير “أستي”، عضو الحزب والناشط في لجان مقاومة الفتيحاب، بعد اعتقاله وتعذيبه حتى الموت داخل المعتقل في أغسطس 2025، يظل شاهداً مؤلماً على حجم التضحيات التي قدمتها قواعد الحزب.
وقد بدت المأساة أكثر قسوة لأنها وقعت في وقت كانت فيه بعض قيادات الحزب تتماهى سياسياً مع أحد وزراء الحرب في عطبرة، وسط تبادل عبارات الإشادة والإعجاب، في مفارقة مؤلمة تكشف الفجوة بين تضحيات القواعد وخيارات بعض القيادات.
يبقى السؤال مطروحاً: هل تمتلك قيادة الحزب الشيوعي الشجاعة الكافية لإجراء مراجعة سياسية وتنظيمية تعيد وصل ما انقطع بين تاريخه النضالي العريق ومتطلبات اللحظة السودانية الراهنة؟ أم أنها ستواصل السير في طريق العزلة، تاركاً فراغاً في معسكر القوى المدنية يصعب ملؤه؟وسؤال عفو الخاطر: أين وصل مشروع شبكة الطاقة الشمسية لمعالجة أزمة مياه الشرب في مدينة عطبرة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك