هجرات، استيطان، وانصهار هويَّة، من فجر التاريخ إلى سلطنتَي سنار ودارفورحين تسيل الأنساب مع مياه النيلهل استيقظ مسيحيو السودان المسيحي يوماً من النوم فوجدوا أنفسهم مسلمين يتحدثون اللغة العربية؟ لم يكن دخول العرب إلى السودان حدثًا واحدًا ذا تاريخ مضبوط واحصائيات مدونة، بل كان سيلًا متقطّع الموجات، يتراكم قرنًا فوق قرن، مثلما تتراكم طبقات الطمي على ضفاف النيل.
فمنذ أن فتحت شبه الجزيرة العربية عيونها على قارة أفريقيا عبر خليج باب المندب وصحراء سيناء، وحركة البشر بين الجانبين لم تتوقف.
غير أن ما يعنينا هنا هو تلك الموجات التي أفضت إلى التحوّل الكبير: التحوّل من السودان الكوشي الفرعوني النوبي إلى السودان الذي يُعرِّف نفسه اليوم، بقدر وافر من الانتقائية، بوصفه جزءًا من العالم العربي.
عموماََ، يمكننا القول انه كانت هناك أربعة موجات كبيرة لهجرات عرب الجزيرة إلى بلاد السودان وأربعة دوافع رئيسية دفعتهم لذلك.
كما كانت هناك ثلاث مسارات اتبعوها في هذة الهجرات.
هذا المقال محاولة لتتبّع تلك الموجات، رصد أسبابها ومساراتها وتداعياتها، من غير أن نقع في فخّ التمجيد أو التجريح، فالتاريخ البشري لا ينتج في الغالب سوى حقائق مُركَّبة تأبى الأحكام المبسَّطة.
متى ولماذا وكيف؟ ديناميكيات الهجرة العربية إلى السودانتتشابك في تفسير الهجرة العربية نحو السودان عوامل بيئية واقتصادية وسياسية ودينية، تتباين أوزانها من مرحلة إلى أخرى، لكنها نادرًا ما عملت منفردة.
الأسباب البيئية والاقتصادية:تتميز شبه الجزيرة العربية بمحدودية مواردها المائية وشُح المراعي، مما دفع قبائلها باستمرار نحو الأطراف الأكثر خصوبة.
كان وادي النيل وروافده يمثّل، في نظر القادم من اليمن أو الحجاز، جنةً فسيحة خضراء.
وقد كان تجار العرب يعرفون طريق القرن الأفريقي والساحل الشرقي لأفريقيا منذ القرن الأول الميلادي على أقل تقدير، بدليل ما وصفه كتاب الطواف حول البحر الإريتري [1].
كانت الصراعات القبلية في الجزيرة العربية تدفع الأطراف الخاسرة إلى الهجرة.
كذلك أسهمت الضغوط السياسية في عهد الدولة الأموية والعباسية في تهجير جماعات بعينها.
وقد جاءت بعض القبائل هاربةً من الثأر أو نازحةً بعد أن أُخرجت من مواطنها في الحجاز ومصر [2].
جاء الإسلام بدوافع الدعوة والفتح، غير أن السودان لم يُفتح بالسيف ابتداءً.
فمعاهدة البقط الشهيرة (652م) بين عبد الله بن أبي السرح والمملكة النوبية المسيحية في دنقلة أرست نظام تبادل تجاري لا تبعية سياسية [3].
بيد أن الوجود الإسلامي تسرّب لاحقًا من خلال التجار والمتزوجين والفقهاء، لا من خلال الجيوش.
تعددت مسالك الهجرة: عبر سيناء ومصر متجهة جنوبًا، وعبر البحر الأحمر مباشرةً إلى ساحل البجة حيث اختلطوا معهم، وعبر شرق أفريقيا متجهة شمالًا.
وكانت طرق القوافل التجارية بين عيذاب وأسوان والقاهرة تُشكّل شرايين متصلة ظلّت نابضة قرونًا.
وميناء عيذاب أو عيداب مدينة تاريخيّة على البحر الأحمر بالقرب من الحدود مع مصر، في منطقة حلايب وشلاتين.
الموجات التاريخية، من ما قبل الميلاد إلى سلطنتي سنار ودارفورموجة ما قبل الإسلام (قبل الميلاد — صدر الإسلام، السابع الميلادي):يُرجّح عدد من الباحثين أن تجّارًا سبئيين حِميَريين كانوا يترددون على موانئ البحر الأحمر السودانية منذ ما قبل الميلاد، وقد خلّفوا آثارًا لغوية في لهجات البجة والنوبة.
كما أن مملكة أكسوم الإثيوبية التي امتدت على الهضبة الإثيوبية وبعض أجزاء شرق السودان كانت تضم في جيوشها وتجارها أصول عربية من جنوب الجزيرة العربية [4].
غير أن هذه الموجة الأولى ظلّت تجارية في معظمها، لم تُفضِ إلى استيطان واسع إلا عند البلميين البجة في عهد قوتهم.
مرحلة البقط والسودان المسيحي (652م — القرن الثالث عشر):رسّخت معاهدة البقط وضعًا فريدًا: حدود شبه مصونة نسبيًا أمام الفتح العسكري، لكنها مفتوحة أمام التسلّل التجاري والاجتماعي.
في هذه المرحلة بدأت قبائل عربية من صعيد مصر تتدفق نحو أرض البجة، والنوبة.
وكان هؤلاء في الغالب من الرُّبَع والهواره والكنوز وغيرهم ممن استوطنوا مصر العليا ثم انزلقوا جنوبًا.
كما تزوّج كثيرون منهم من نساء نوبيات، مُرسِيين بذلك النمط الذي سيصبح السمة المميزة للتعريب السوداني: التزاوج لا الغزو [5].
موجة القرنين الثالث عشر والرابع عشر — ما بعد انهيار مملكة المقرة:حين ضعفت مملكة المقرة النوبية المسيحية تحت الضغط المملوكي والهجمات القبلية المتكررة، انفتح الباب أمام الهجرة العربية الكبرى الأولى.
قبائل جهينة بصورة رئيسية هي التي ملأت هذا الفراغ، منتشرةً في كردفان والجزيرة والنيل الأزرق [6].
وعنهم قال المثل التاريخي المشهور: «جهينة في السودان كالماء في كل مكان».
وجهينة من أكبر القبائل العربية عدداً في موطنها الأصلي شمال الحجاز، منطقة مدينه ينبع الحالية.
نظراََ للمنافسة الشديدة على المراعي والمياة مع قبائل مُزين وأشجع وبَلى فقد بدأت هجرتهم مبكراََ نحو أفريقيا، عبر البحر الأحمر، إلى سواحل البجة وموانئ عيذاب وسواكن.
أيضاً كانت لهم هجرات على مر الأزمان عبر صحراء سيناء إلى مصر واستوطنوا صعيد مصر بأعداد ضخمة، وعلى امتداد قرنين أو ثلاثة تسربت جهينة جنوباً نحو بلاد النوبة والسودان.
كان ذلك عبر وادي النيل مع القوافل وطرق الرعي، عبر أسوان ووادي حلفا ودنقلا، وصولاً إلى الجزيرة والنيل الأزرق.
وحين بدأت مملكة المقرة المسيحية في الإنهيار التدريجي في القرن الثالث عشر، كانت جهينة المنتشرة أصلاً في صعيد مصر أقرب القبائل جغرافياً لملأ الفراغ السياسي الهائل الناجم في وادي النيل الأوسط.
كذلك وجدت دوافع أخرى شجعت هذه الهجرات الضخمة منها الإغراء الاقتصادي في مراعي الجزيرة والنيل الأزرق وكردفان فضلاً عن طرق التجارة بين النيل وأفريقيا جنوب الصحراء.
إغراء آخر، هو الهروب من ضغوط المماليك السياسية على صعيد مصر في القرنين الثالث والرابع عشر.
موجة قيام الممالك الإسلامية، سلطنة الفونج وسنار (1504م — 1821م):سلطنة سنار ( 1504م — 1821م)قامت سلطنة الفونج في سنار على معادلة سياسية نادرة: ملوك من الفونج الأفارقة يحكمون، وشيوخ عرب من قبائل العبدلاب (فرع من الجعليين) وأبناء جبير (وهم من أصول مختلطة غير مؤكدة)، وغيرها يمثّلون السلطة الدينية والإدارية.
وكان هذا الترتيب يعكس الواقع الديموغرافي في وادي النيل حيث امتزج العرب بالنوبة والفونج امتزاجًا جعل الحدود بين الهويات نفاذة [7].
سلطنة دارفور (القرن السابع عشر — 1916م):في الغرب، نشأت سلطنة دارفور التي حكمتها أسرة الكيرا من الفور، وإن ادّعت في مرحلة لاحقة نسبًا عربيًا مُستعارًا.
وقد جاء إلى دارفور تجار وفقهاء عرب من المغرب والحجاز، إضافةً إلى موجة من قبائل جهينة وغيرها استوطنت المنطقة ضضضالمعروفة بـ«حزام البقارة» في جنوب كردفان وجنوب دارفور [8].
وكانت قبائل البقارة، وهو مصطلح يعني مربّي الأبقار، تمثّل نموذجًا لعرب اكتسبوا أسلوب حياة أفريقية مكتملة مع احتفاظهم بانتسابهم العربي.
أثر العرب على السكان الأصليين، تساؤلات لا أجوبة ناجزةحين يقترب المرء من هذا الملف يجد أن الأثر ذهب في اتجاهات متعددة لا في اتجاه واحد كما يُروَّج أحيانًا.
صحيح أن العرب أثّروا في السكان الأصليين، لكن السكان الأصليين أثّروا أيضًا في العرب، وهو ما يُوثّقه علم الأنثروبولوجيا اللغوية والجينية بشكل متزايد.
أدّى الإسلام واللغة العربية دورًا مزدوجًا: فاللغة العربية صارت لغة الدين والتعليم والتجارة، وأحلّت نفسها تدريجيًا محل لهجات نوبية وتيقرية وغيرها.
ولم يكن هذا الإحلال دائمًا عنيفًا، بل كان في أغلب الأحيان طوعيًا يدفع إليه الطموح الاجتماعي والتديّن الصادق [9].
تكشف الدراسات الجينية الحديثة أن نسبة الحمض النووي العربي لدى من يعرّفون أنفسهم عربًا في السودان تتراوح بين 10 و40 بالمئة في أحسن الأحوال، بينما يحتفظ الغالب الأعظم بتركيبة جينية نيلية-كوشية-أفريقية [10].
جاء ذلك في دراسة تحليل جيني ضخمة، بلغت عينتها 3000 شخص ممثلين ل 121 مجموعة سكانية أفريقية وأربعة مجموعات من الأمريكيين من أصل أفريقي و 60 مجموعة سكانية غير أفريقية.
قامت بهذه الدراسة الخبيرة الأمريكية البارزة في علم الوراثة والأنثربولوجيا، بروفسور سارة تيشكوف وفريقها ونشرت في مجلة Science عام 2009.
هذه النتائج تشير بقوة إلى أن «التعريب» في السودان كان في أحيان كثيرة تعريبًا ثقافيًا ونَسَبيًا لا بيولوجيًا.
أدخل العرب نظام القبيلة كمنظّم سياسي-اجتماعي، وكان هذا منافسًا لأنظمة التنظيم القائمة، لكنه بدلًا من أن يقضي عليها استعارها وهضمها.
أصبح كثير من القبائل ذات الأصل الأفريقي ينتظم شأنها القبلي وفق نفس القاموس الذي يستخدمه العرب.
لا يُمكن فصل التعريب عن الإسلام في السياق السوداني.
فقد حمل الإسلام معه العربية لغةً مقدسة، وجعل التعليم الديني وسيلةً لاكتساب اللغة والهوية في آن واحد.
وقد أسهمت الطرق الصوفية، كالقادرية والشاذلية والتجانية، في ربط أرياف السودان بالمدار الثقافي العربي-الإسلامي [11].
هل احتفظت المجموعات العربية بأسمائها؟الإجابة المختصرة: نعم، لكن مع تعديلات.
احتفظت المجموعات العربية الكبرى التي هاجرت إلى السودان بأسمائها القبلية إلى حدٍّ بعيد، وإن طرأت عليها تحورات نطقية وانشقاقات داخلية نتجت عن قرون من العيش في بيئة مختلفة.
فقبائل الجهينة — وهي جامعة كبرى تنتسب إلى جهينة بن زيد من قضاعة الكبرى— لا تزال ماثلة في السودان بتفرعاتها الكثيرة: الكبابيش، الشكرية، الهواوير، الحمر، وعشرات غيرها [12].
وقبائل جُذام وبَلي وعبيدة وغيرها من القبائل الحجازية والشامية لا تزال أسماؤها متداولة وإن صارت هوياتها السودانية أقوى من رابطها العربي الأصلي.
في المقابل، ثمة قبائل أفريقية اكتسبت أسماء عربية بالكامل، كقبائل اعتنقت نسبًا عربيًا ونسيت أصلها، وهو ظاهرة يُطلق عليها الباحثون «التعريب النَسَبي» أو ما سمّاه المؤرخ يوسف فضل حسن «استعارة الأنساب» [13].
وفي الحالتين، ثمة نقطة جوهرية: الهوية القبلية في السودان أثبتت من الصرامة والمرونة معًا ما يكفي لأن تبقى شكلًا ويتغيّر مضمونها.
بمعني أن اسم القبيلة والانتماء اليه خالد حتى لو تغير التركيب الجيني لأفراد تلك القبيلة.
في أصل الجعليين والشايقية، أسطورة إبراهيم جعللا تجد في مجتمع المجموعات النيلية ما هو أكثر غرابةً وسحرًا من الجدل حول أصل الجعليين والشايقية، فهو جدل يُخبرك بالقدر نفسه عن الحاضر كما يخبرك عن الماضي.
الرواية الرسمية — الجعليون:يُجمع الجعليون على أنهم ينحدرون من إبراهيم جعل، وهو شخصية أسطورية أُحيطت بهالة القداسة النَسَبية، وتُردّ نسبها في النهاية إلى العباس بن عبد المطلب عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتشمل كنفدرالية (اتحاد) الجعليين اليوم عشرات القبائل الفرعية التي تنتشر على طول النيل الأوسط وتشمل الشايقية والميرفاب والمناصير والرباطاب وغيرهم [14].
غير أن هذه الرواية تصطدم بعقبات توثيقية جوهرية: فلا يوجد تحقّق تاريخي مستقل من شخصية إبراهيم جعل، فضلًا عن أن التحليل اللغوي يُظهر أن كلمة «جعل» ذاتها قد تكون مشتقة من لفظ نوبي أو أفريقي لا عربي [15].
وقد ذهب المؤرخ أوليفر هيرتفيلدر إلى أن أسلاف الجعليين كانوا في الغالب من النوبة الذين أسلموا واستعربوا في الفترة الممتدة بين القرن الثالث عشر والخامس عشر.
أما الشايقية فهم أكثر ما يُحيّر الباحثين بامتياز.
فهم في الوقت الذي يُطالبون فيه بنسب عربي عبّاسي يُعتبرون ظاهريًا أكثر المجموعات «أفريقانيةً» في ملامحها ومزاجها وطريقة حياتها.
كانوا أحرار النيل الأشداء، مُقاتلون بأسلحة تقليدية صمدوا طويلًا أمام الأتراك والمصريين ثم انضمّوا إليهم.
وتضم منطقتهم بين الشلال الثالث والرابع جُزرًا وضفافًا لا تزال تحمل أسماء نوبية صافية [16].
وخلاصة الأمر أن الجعليين والشايقية يمثّلان النموذج الأكثر دلالةً على ما يُمكن تسميته «الهوية المُصنَّعة بوعي»: مجتمعات استعربت ثقافيًا وتبنّت نسبًا عربيًا مُعترَفًا به اجتماعيًا، فيما أصولها الجينية والأنثروبولوجية تشير بقوة إلى الاستمرارية مع المجموعات النوبية الكوشية القديمة.
هذه ليست جريمة بأي معنى معقول؛ بل هي نمط إنساني مألوف وجدناه في كل تاريخ البشر: الانتساب إلى الأقوى وإلى المُقدَّس هو ميكانيزم بقاء لا غرابة فيه.
كيف صنعت الهجرات هوية السودان؛ وسائل التغيير الثقافي الهائلما جرى في السودان على امتداد أربعة عشر قرنًا ليس مجرد هجرات ديموغرافية، بل هو واحدة من أعظم عمليات إعادة تشكيل الهوية الجماعية في تاريخ أفريقيا وربما العالم.
وفهمُ آليات هذا التحوّل لا يقلّ أهمية عن معرفة من جاء ومتى.
الإسلام كأداة تحويل هوياتية:على عكس ما يُشاع أحيانًا، لم يكن الإسلام في السودان مفروضًا بالقوة في معظم مراحله.
كان ينتشر عبر الفقهاء والمتصوفة والتجار، وكان يُقدِّم للمُسلِم الجديد حزمةً كاملة: الله، النبي، اللغة، والانتساب إلى أمة لا حدود لها.
ومن ضمن هذه الحزمة جاء النسب العربي خيارًا متاحًا لمن أراد الاندماج الكامل [17].
تقليديًا، كانت قاعدة «بنت بدون مهر» أو «المرأة المهداة» من السكان الأصليين للمهاجرين العرب واحدةً من أكثر الآليات فاعليةً في إذابة الحدود.
أنجبت هؤلاء النساء جيلًا أوّلًا متداخلًا، وأنجب هذا الجيل بدوره أجيالًا أعمق في الانصهار، حتى صارت الذاكرة الأصلية باهتة.
وقد وثّق يوسف فضل حسن هذه الظاهرة بعمق في دراسته عن العرب في السودان [18].
الطرق الصوفية كشبكة تنشئة ثقافية:حين انتشرت الطريقة القادرية والشاذلية والختمية في السودان لم تنتشر طرقًا دينية مجردة، بل كانت شبكات تعليمية وثقافية واجتماعية حقيقية.
كانت الخلوة، مدرسة تحفيظ القرآن، تصنع في كل قرية أُمناء على اللغة العربية وعلى الهوية الإسلامية، وتُنتج فارقًا اجتماعيًا بين المتعلم عربيًا وغيره يُحفّز الجميع على الإفادة من هذا التعليم [19].
التجارة كوسيلة للاستيعاب:كانت مسالك القوافل بين النيل وكردفان ودارفور وبحر الغزال تُنتج في كل محطة خليطًا جديدًا.
التاجر العربي يُقيم يتزوّج ينجب ثم يرحل أو يمكث، وفي كلتا الحالتين يُخلّف أثرًا.
والأسواق الأسبوعية كانت مساجد لغوية غير رسمية: يدخل الرجل سوقًا يتكلم فيه الجميع بالعربية ويخرج وقد اكتسب جزءًا من اللغة والثقافة [20].
انهيار الكيانات السياسية البديلة:حين تراجعت الممالك النوبية المسيحية ثم آلت سلطة الفونج والفور إلى الضعف، فقدت الهويات السابقة سندها السياسي.
وحين لا توجد دولة تحمي هوية ما وتُفرّخ نخبًا تتكلم بلسانها، فإن تلك الهوية تبدأ في الذبول.
الهوية بلا دولة تُصبح ذكرى، والذكرى بلا كتابة تُصبح أسطورة، والأسطورة بلا انتشار تُصبح صمتًا [21].
اتسعت مناطق النيل الأوسط وكردفان لانتشار قبلي عريض بلا حواجز طبيعية كبيرة، مما سهّل التمازج والتداخل.
في المقابل، صمدت مجموعات جبال النوبة وجبال فزارة الوعرة ضمن سلسلة جبال البحر الأحمربسبب العزلة الجغرافية التي حدّت من وتيرة الاستيعاب [22].
كذلك صمدت هويات النوبة الشمالية (الدناقلة، الحلفاويون) لأسباب كثيرة منها على سبيل المثال، العزلة الجغرافية والهامشية بعيداً عن مراكز الضغط السياسي والثقافي الذي تمارسه الدولة، ضيق الرقعة الزراعية، الكثافة السكانية، اللغة كحصن واقي، الزواج الداخلي، والذاكرة الحضارية ماثلة في بيئتهم المحلية.
هذه الأسباب شكلت درع طبيعى جعل الهوية تمتص الضربات دون ان تتكسر.
بل هضم مجتمعهم الوافدين ولم يهضم فعكس الاستيعاب.
رغم ذلك نفذ الإسلام حين فشل التعريب الكامل.
وفي النهاية نقف أمام مشهد شديد التركيب: سودان يضم في باطنه كوش وأكسوم والمسيحية والإسلام والعروبة والزنوجية، يُرجّح لوجه عربي أمام المرايا، لكنه حين يُنصت إلى طبول أجداده يسمع إيقاعات من جبال النوبة لا من الحجاز.
هذا التوتر الجميل بين ما نحن عليه وما نظن أننا كنّا عليه هو ربما المادة الأثمن التي تركتها الهجرات العربية للوجدان السوداني: ليس يقينًا مريحًا، بل سؤالًا لا ينتهي، وهو نعمة في حقيقته لو أحسن الناس تدبّره.
[1] مجهول، الطواف حول البحر الإريتري (Periplus Maris Erythraei)، ترجمة وتحقيق: لايونيل كاسون، جامعة برينستون، 1989م.
[2] يوسف فضل حسن، العرب في السودان، منشورات جامعة الخرطوم، الخرطوم، 1967م.
[3] جاي سبولدينج ومحمد إبراهيم أبو سليم، محاضر سجلات دارفور والسودان المروي، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، الخرطوم، 1989م.
[4] ستيوارت مونرو هاي، أكسوم: حضارة أفريقية في العصور القديمة، مطبعة جامعة إدنبره، إدنبره، 1991م.
[5] وليام أ.
أدامز، النوبة: ممر إلى أفريقيا، برينستون يونيفرسيتي بريس، برينستون، 1977م.
[6] إيان كانينغهام، قبائل الجهينة في وادي النيل، دراسة نشرت في مجلة الأنثروبولوجيا الأفريقية، مجلد 12، عدد 3، لندن، 1952م.
[7] جاي سبولدينج، مملكة الفونج: مملكة عصر الوسيط في السودان، مطبعة جامعة ريد سي، لورنسفيل، 1985م.
[8] ريكس شين أوفاهي، دارفور: تاريخ، مطبعة جامعة برينستون، برينستون، 2008م.
[9] برنارد لويس، العرب في التاريخ، ترجمة: نبيل صبحي، دار المعارف، القاهرة، 1954م.
[10] سارة تيشكوف وآخرون، الجذور الجينية للأفارقة وتداعياتها لتطور الإنسان، مجلة Science، المجلد 324، 2009م.
[11] جون سبنسر ترمنغهام، الإسلام في السودان، مطبعة جامعة أكسفورد، لندن، 1949م.
[12] محمد إبراهيم أبو سليم، المهدية في السودان، دار الثقافة، الخرطوم، 1970م.
[13] يوسف فضل حسن، إشكاليات الأنساب والهوية في السودان، مجلة الدراسات السودانية، جامعة الخرطوم، العدد السابع، 1994م.
[14] عون الشريف قاسم، قاموس اللهجة العامية في السودان، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، 1972م.
[15] رولاند أوليفر وبريان فاجان، أفريقيا في عصر الحديد، كامبريدج يونيفرسيتي بريس، كامبريدج، 1975م.
[16] هرمان بيل وفولكر ستتين، الشايقية: تاريخ وثقافة، الدار الدولية للنشر، فرانكفورت، 2001م.
[17] عبد الله علي إبراهيم، الصراع بين المهدي والعلماء، دار الجيل، بيروت، 1997م.
[18] يوسف فضل حسن، المصدر السابق، الفصل الخامس.
[19] نجوى كمال الدين وآخرون، الخلوة: المدرسة القرآنية في السودان، معهد أفريقيا، الخرطوم، 2005م.
[20] محمد سليمان محمد، أسواق السودان التقليدية ودورها في التواصل الثقافي، مجلة الآداب، جامعة أم درمان، المجلد الثاني، 1988م.
[21] روبرت أوليفر، تاريخ أفريقيا، مطبعة ماكميلان، لندن، 1991م.
[22] مضوي الترابي، هوية جبال النوبة: بين الاندماج والمقاومة، دار المصورات، الخرطوم، 2010م.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك